نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لا تلغى وزارات الداخلية أو القمع العربية؟

يا لها من مفارقات مرة، وبليغة، وذات دلالات عميقة تكرر حـِكـَمَ التاريخ ودروسه وعبره الكثيرة والمرة، أن تبدأ ثورات الجياع والمهمشين وفقراء العرب من تونس العاصمة، مقر وزراء القمع، أو ما يعرف رسمياً باسم وزراء الداخلية العرب، حماة النظام الرسمي العربي وواجهة القهر والذل والتنكيل والاستبداد الأولى في المنطقة.

 هذه العاصمة التي كانت تعتبر مقراً وممراً ووكراً للعدوان على المواطن العربي من جهة، ورمزاً للاستقرار و للاستبداد والسطوة والقوة وجبروت وتجبر وتكبر النظام الرسمي العربي واستعدائه وازدرائه لشعوبه. ولا ندري، في الحقيقة، بعد اليوم، فيما إذا كان ما يسمى بوزراء الداخلية أو القمع العرب، سيستمرون في نهجهم الأمني الوحشي، وسيتداعون إلى تونس، العاصمة، ما غيرها، مرة أخرى، للتفكير ثانية في قمع وقهر من كانوا يسمون بمواطنيتن عرب، أم "سيخجلون ويستحون" على حالهم، بعد الأحداث الدراماتيكية التي ألمت بالشارع العربي، وعصفت بالنظام الرسمي العربي، وأطاحت حتى الآن باثنين من أشد الأنظمة العربية بطشاً وسادية (طبعاً نظام مبارك سقط رمزياً سقوطاً مريعاً وتراجعاته الدراماتيكية الأخيرة تعكس ذلك وبدا بلا حول ولا قوة وقليل الحيلة وهو يلقي خطاب الوداع الأخير).

 ولا ندري إن كان هناك ثمة نجاعة بعد اليوم لمثل تلك الاجتماعات الشيطانية التي لم تكن تستهدف أمن الشعوب ورقيها ورفاهيتها وسعادتها وأمنها، بقدر ما كانت تستهدف قهر الناس، والحفاظ على أمن النظام الرسمي العربي، واستنباط المزيد من السبل والإجراءات لامتهان الشعوب وإذلالها، والعبث بكراماتها والحط من قدرها، والتفتيش عن أية إجراءات من شأنها أن تزيد من بؤسها والتضييق عليها واسترقاقها واستعبادها، بحيث تحولت هذه الشعوب التي كانت تسمى ذات يوم في القواميس السياسي مواطنين، إلى مجرد عبيد وأجراء ومماليك بدون أية حقوق آدمية بيد السلالات الفرعونية التي احتكرت كل شيء بما فيه أرواح ورقاب الناس التي صارت هي الأخرى ملكاً لها تبطش بها بلا هوادة، ولا رحمة، أو رأفة. لقد ظهر رجل الأمن التونسي، الذي صرف عليه النظام الرسمي "دم قلبه"، عاجزاً وخائفاً وضعيفاً، بل شبه مشلول وغائب عن ساحة المواجهات أمام حدة الغضب الشعبي للشارع التونسي الذي عكس سنوات طويلة من القهر والظلم والتهميش.

 وفي مصر الفرعونية فرّ واختفى رجال الأمن المصريون، تماماً، قطعاناً وبالجملة وجماعات جماعات كالفئران والجرذان المذعورة والمرعوبة من الشارع، أمام جموع المتظاهرين وانهارت قوات النخبة المدربة من الأمن المركزي أمام متظاهرين عزل إلا من الغضب، وذابت كالملح من خلفية المشهد المشتعل غضباً وغيظاً ضد النظام الذي قهره، وأذله، وسرقه وحروه أبسط حقوقه ال’دمية، ولم تنفع كل الخطط الأمنية وبلاغة خطبائه ومفوهيه وجنرالاته ومخبريه وكل ذاك التدريب والتخطيط واستراتيجيات الأمن، أو القمع، التي تعلمها وزراء القمع العرب في منظومتهم الأمنية العربية وتداولوها فيما بينهم كترياق لقهر الشعوب، والتي ذهبت، في لحظة واحدة، أدراج الرياح، ولم يكن لها أي تأثير أمام غضبة الشعوب الثائرة الباحثة عن الكرامة ولقمة العيش.

 تغول النظام الرسمي العربي بشكل غير طبيعي أمام شعوبه المسلوبة والغلبانة، فلقد كان جل هم واهتمام وزراء القمع العرب، في اجتماعاتهم، ومنتهى عبقريتهم، وتفكيرهم الشيطاني ينحصر في كيفية إبقاء هذه الشعوب في حال دائم من الرعب والخوف، وفي أرذل وأحط الظروف البشرية. ولكن، وطبقاً لقوانين الفيزياء السياسية، وفي لحظة ذروة التأزم والغليان التاريخية إياها، تنقلب كل هذه المعادلة والإستراتيجية والخطط وتتحول رأساً على عقب، وتنهار معها أحلام الطغاة في الديمومة والبقاء وتدجين هذه الشعوب وشطبها من كافة المعادلات والحسابات، وباتت-الشعوب- فعلاً رقماً صعباً في معادلة الأمن السلطوي العربي، لا يمكن تجاوزها والقفز فوقها بعد دهر طويل ومرير من سياسات "التنعيج" و"التدجين" والترعيب والتخويف. فإن كل ذلك التراكم الكمي من القمع والاستبداد والتجويع والاسترقاق وامتهان الكرامات، أفضى لتغير "فيزيائي" نوعي، حتمي، سقطت معه كل "كراتين" منظومة الأمن والأمان التي أحاط النظام الرسمي العربي الاستبدادي نفسه به.

 وانهارت على نحو مفاجئ كل تلك الإجراءات القمعية والحديدية وأساليب البطش الدموية وسياسة القوة، ومن تونس بالذات، المقر الدائم لوزراء القمع العرب، في رمزية بالغة، ودلالة لا يمكن أن تخطئ البتة. ما يحدث أغرب من الخيال، بل هو الخيال نفسه، فما أطول صبر هذه الشعوب التي "تمهل ولا تهمل"، والتي كانت تتلقى سادية ووحشية النظام الرسمي العربي الباطش وضرباته التي لا ترحم بصمت القديسين، وحكمة الشيوخ، وصبر الجبال الراسيات، وهي تقول في سرها: "لك يوم يا ظالم؟". إننا ندعو ومن هذا المنبر بالذات، إلى إلغاء كافة وزارات القمع العربية، أو ما يعرف بوزارات الداخلية العربية، وإحالة كافة وزرائها الفاشلين إلى المعاش، أو المحاكم الفورية كما كانوا يحاكمون فقراء وجوعى هذه الشعوب، وذلك نظراً لفشلهم المريع والمدوي في أداء مهامهم في حماية النظام الرسمي العربي وفراعنته المخلدين من التداعي والسقوط والانهيار المخجل والمزري أمام شعوب العالم اللي "تسوى واللي ما تسواش".

ولا يعلم حتى الآن ما هو مصير هذه المؤسسة الأمنية القمعية العربية وهل ستحل هذه الوزارات فعلاً؟ وهل سيعاود رموز القهر والاستبداد والاسترقاق والتنكيل والاضطهاد والاستعباد ممن يسمون بالوزراء الاجتماع مرة أخرى في تونس متناسين دروس التاريخ، وكأن شيئاً لم يحدث؟ أم ستلغى هذه المؤسسة القمعية العربية، تماماً، في ظل التطورات والمستجدات، الدراماتيكية الأخيرة، التي أظهرت أن لا لزوم البتة لها، ولا تنفع، وأنها لا تعني شيئاً في لحظات التحول التاريخي الكبرى؟ ولو أن تلك الأموال التي كانت تصرف وتهدر على الإجراءات الأمنية واجتماعات الوزراء وميزانياتهم الخرافية وخططهم الإستراتيجية، التي بدا أنه لا طائل مناه، على رفاه وسعادة الشعوب وترفيهها، لكان ذلك أجدى وأكثر أمناً، واستقراراً للأنظمة المتهالكة والمتساقطة، ذاتها، ويا ليتهم استعملوا عبقرياتهم ومواهبهم الفذة في الظلم والجور والاضطهاد والتنكيل بالناس وإذلالها، في خدمة ورفاه هذه الشعوب، بدل استعمالها، ومن حيث لا يدرون ربما، (وسنفترض على الدوام حسن نواياهم)، في حفر قبور أنظمتهم، وأولياء نعمتهم بالذات، وقبل أي شخص آخر. حكمة اليوم: من لا يملك شيئاً لا يخاف على أي شيء، وأكثر الناس جبناً وخوفاً ورعباً هم أولئك الذين يملكون.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز