نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هل سقط شعار جوّع كلبك يتبعك؟

قال رئيس ما تبقى من السودان، عمر البشير المطلوب للعدالة للدولية، بتهمة جرائم ومذابح ضد الإنسانية، في خطاب جماهيري حاشد غير مسبوق ، مساء أمس الأول بمدينة الدامر عاصمة ولاية نهر النيل، إنه لن ينتظر أن يقول له الشعب "غادر". وأضاف أنه لا يخشى انتفاضة السودانيين عليه، وأنه في حال حدوث ثورة شعبية مماثلة لتونس، فإنه سيخرج لشعبه ليرجمه الشعب بالحجارة، ولن يهرب خارج البلاد، وقال: "«سنبقى هنا ونُدفن في هذه الأرض"، وتعهد "البشير" بزيادة دعم السلع تدريجيا ومصاحبة ذلك بزيادة الرواتب والمعاشات ودعم الأسر الفقيرة، ووعد بإحداث ثورة تنموية شاملة مع توفير الخدمات للمواطنين والاهتمام بالطفرة الزراعية.. . كما أدلى زميله الفاشل الآخر الماريشال علي الصالح سابقاً بتصريحات نارية مماثلة غير مسبوقة حول تداول للسلطة وإنهاء احتكارها، واعد الجماهير الثائرة والغاضبة بمزيد من الدعم الحكومي وزيادات في الرواتب وتخفيضات على أسعار السلع ، كما قامت الجزائر أيضاً بإجراء تخفيضات على السلع الأساسية مع دعم حكومي لها وذلك في محاولة حالة الغضب والاحتقان العام التي تسود في الشارع جراء سياسات التجويع والإفقار والنهب المنظم لثروات البلاد التي تنتهجها الطبقة الحاكمة ضد الملايين الجزائرية المهمشة والمحرومة.

 وقد نحا هذا النحو عدة أنظمة وحكومات عربية، وانهالت العروض و"الإغراءات" على من كان يسمى ذات يوم سابق بـ"المواطن"، وقبل تغول واستفشار غيلان وحيتان الفساد حيث تحول ذلك المواطن إلى مجرد شبح جائع مهمش ومهمل لا يعني أي شيء لأي كان، ولا يدخل في حسابات الأنظمة، ولا في ميزانياتها اللهم إلا في صفحات دفن الموتى وإحصائيات الجوع والفقر والمرض والسرطانات.

 والحقيقة لا يخلو الأمر من طرفة وغرابة ومفارقات عجيبة، مبهمة وغير مفهومة، إذ يستغرب المرء، حقيقة، هذا الكرم الحاتمي الطائي الفجائي الذي "هطل" وانهال فجأة على رؤوس "حواة" الأنظمة والحكومات العربية ورموزها، ومن أين خرجت كل تلك الأموال والمساعدات والعطايا لتقدم هكذا، ومن دون سابق إنذار، كهدايا ومكرمة وعطايا للشعوب التي كانت حتى الأمس محرومة من أبسط حقوقها واحتياجاتها الأساسية من طعام وشراب ووقود ودواء. ولا يدري لماذا لم يكن هذا الكرم الحاتمي موجوداً قبل الزلزال التونسي الذي أعطى درساً بليغاً ومؤلماً وقاسياً لفشل وانهيار قيادة وسوس الشعوب بالفساد والاستبداد والتجويع والإفقار.

 ولقد كانت الكلمات الأخيرة لابن علي : "فهمتكم فهمتكم"، أكثر من معبرة وبليغة في هذا المجال، فلم يكن سقوط وانهيار نظام بن على إلا انهياراً وسقوطاً لنهج سياسي عام كانت الأنظمة العربية المستبدة قد اخطته واختارته في تعاطيها مع الشعوب وعنوانه العريض التجويع والإفقار والإذلال والامتهان والتهميش والاستئثار واحتكار الثروات الوطنية وتوزيعها على القلة والفئات والدوائر الضيقة في قمم إهرامات الأنظمة التي تتشابه في بنيتها السلطوية وثقافتها الاستبدادية التي ألغت الشعوب وشطبتها من معادلتها وتعاملت معها كقطيع لا قيمة له البتة في حساباتها. وقد تلخصت تلك السياسات، وجسدت، المبدأ المعروف "جوّع كلبك يتبعك"، الموروث من عهد الإمام اليمني المستبد أحمد، وهو صاحب هذه العبارة الشهيرة التي حولت اليمن من اليمن السعيد إلى اليمن التعيس، وواحداً من أفقر وأبأس بلدان العالم على الإطلاق رغم تمتعه بحالة حضارية تاريخية، وقد ورث هذا الشعار الثوريون "السبتمبريون"، في اليمن رغم ادعائهم بأن ثورتهم كانت على النظام الإمامي البائد كما يصفونه، غير أن جوهر سياساته وإيديولوجيته لم تتغير في الحقيقة، واحتفظوا بها وكانوا أوفياء لها، رغم مرور حوالي نصف قرن على تلك "الثورة الخلبية"، الفارغة.

 وقد عمدت معظم الأنظمة والحكومات العربية، وبكل أسف، على إتباع نفس السياسة "ألإمامية"، التي تقتضي بتجويع الشعوب، وعلى افتراض وأساس، أو هكذا تعتقد، بأن الجياع والمحرومين والفقراء لا يمكن لهم القيام بأي فعل ونشاط سياسي وأن جل اهتمامهم سيكون في تأمين لقمة الخبز وينشغلون بصغائر وتوافه الحياة وصغائرها، مما يبعد اهتماماتهم بالسياسة فيخلو الجو للطبقات الحاكمة وتستمر بالحكم واستغلال السلطة والبقاء فيها إلى ما شاء الله. لكن ما بدا ولاح أن هناك ازدياداً بالوعي واهتماماً أكثر بالسياسة في كل تلك الدول التي نهجت هذا النهج الإمامي، وأن الجوع والفقر والحرمان والإذلال هي عوامل لتفتيح الوعي وطرح المزيد من الأسئلة ووضع الكثير من علامات الاستفهام والاهتمام الأكبر بالسياسة ومتلازمتها الأولى الاقتصاد. وكنت أستغرب فعلاً وفي حواراتي ولقاءاتي مع مواطنين من دول غنية ويعيشون في بحبوحات حياتية يحسدون عليها، من أمريكان وغربيين عموماً، ومواطنين خليجيين من جهل مطبق، وعدم اهتمام مطلق بالسياسة، ونأي بأنفسهم عنها، ووعدم إيلائهم أي اهتمام بها، وكانت معظم اهتماماتهم ترفيهية وفي التمتع بما لديهم من ممكنات عيش وموارد ينفقونها، وبالتزامن كانت أنظمة هؤلاء تبدو مستقرة، بشكل عام، وبعيدة عن أية هزات سياسية وتشعر بطمأنينة نسبية تحسد عليها ولا أحد يفكر بمزاحمتها، وعلى العكس تماماً من "أبناء وضحايا" مدرسة "جوع كلبك يتبعك"، حيث الحديث الأول والثاني والثالث والرابع هو الاهتمام بالسياسة ومتابعة كل شاردة وواردة ونقد الأنظمة "الإمامية" التي تجوعهم وتحرمهم العيش والهناء وراحة البال.

 مع الزلزال التونسي يبدو أن هناك انقلاباً أو تحولاً في تطبيق وتجسيد هذا المبدأ الإمامي الفاشل والتعيس، ويؤمل أن يكون بداية لتعاط جدي ومحترم مع الفئات الشعبية العريضة، وألا يكون مجرد انحناءة ريثما تمر العاصفة، ومحاولة لامتصاص النقمة والصدمة، ومن ثم العودة لنفس السياسات الإمامية البائدة، فالتاريخ يمشي للأمام ولن يعود للوراء، ومن لا يقرأ التاريخ ولا يستفاد من عبره، سيعيشه مرة أخرى بكل تفاصيله ورزاياه وخطاياه.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز