نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا يكذب وزراء الإعلام على رؤسائهم وشعوبهم؟

كانت الكلمات الأخيرة التي نطق بها الرئيس "زين العارفين" معبرة وذات دلالات عميقة ومؤثرة وتشكل درساً بليغاً حول طريقة التعاطي المستقبلي في شؤون الحكم وديمومة هذه الأنظمة التي اتخذت لنفسها خطاً مغايراً ومختلفاً في تعاملها مع شعوبها ومع المحيط العام. فحين قال رئيس تونس المخلوع "لقد فهمتكم" كان من حيث لا يدري يوجه اتهاماً مباشراً لكافة أجهزته السلطوية، وخاصة الإعلامية منها، التي عمدت على تضليله وخداعه وتقديم الحقائق المغلوطة عما يجري على الأرض، وعزله عن شعبه من خلال إتباع سياسة الكذب المتعمد التي أفضت به إلى تلك النهاية الكارثية.

 لقد أصبحت، في الحقيقة، مهمة وعمل وزارات الإعلام العرب، وعبر اعتمادها مبادئ التعتيم والحجب وتزييف الوعي وتجميل الواقع القبيح والردئء، وامتهان الكذب الرسمي المعتمد، مهمة تضليلية ونفاقية والتفافية وعلى الحاكم العربي نفسه وتمارس الكذب الرخيص المفضوح على ذقون العباد عبر نشر أخبار وبيانات ومعطيات غير دقيقة تساهم في رسم تصورات وهمية تبنى عليها سياسات افتراضية وكارثية.

 فهذه الوزارات باتت تصور للحاكم الواقع تصويرا زائفا وكاذبا ووهمياً غير حقيقي، وتوهمه، وتوحي له بأن الأمور على خير ما يرام وأن 99%99 بالمائة من الشعب يأكلون اللوز والعسل والفستق الحلبي، فيما هم في الحقيقية (فهم ياكلوا هوا و...)، وأن كل ما يظهر في وسائل إعلام الحاكم العربي هو مناقض للواقع ونقيضه تماماً، وحين يكتشف الحاكم العربي و"يفهم" الحقائق المؤلمة كما فهمها مؤخرا المسكين بن علي حين فوجئ بحجم الكراهية والغضب والفقر والجوع في الشارع، يكون السيف قد سبق العذل، ويكون كل شيء قد انتهى وفات. نعم هذه الوزارة، وزارة الإعلام والاتصالات، كانت هي العامل الأول الذي ساهم في سقوط بن على وانهياره بتلك الطريقة المحرجة ومن هنا يجب، ومن اليوم وصاعداً، إلغاء وزارات الإعلام ومعاقبة وزراء الإعلام العرب وتنحيتهم ومحاكمتهم بتهمة الكذب والدجل الرخيص وخداع الحاكم، أولاً، كما خداع الرأي العام، ومحاولة تضليل الجميع.

 يعتبر الإعلام الحر والصادق البعيد عن المرآة الحقيقة للأوضاع العامة في أي بلد من بلدان العالم سلاحاً بيد السلطات تتحرى من خلاله اتجاهات الرأي العام ومساراتها ومن خلال ذلك يتم بناء السياسات ورسمها والتعاطي مع الواقع. والإعلام، بمجمله، هو محصلة وخلاصة للرأي العام على الأرض، وليس فقط نتيجة لتصور أو رؤية وزير الإعلام التي غتاباً ما تكون محابية وتضليلية وتجميلية لا تفضي إلا إلى مزيد من تكريس الواقع المـتأزم ومفاقمة كل المشكلات على الأرض.، هذه الشفافية هي التي تؤدي إلى القرارات الصائبة والقراءة والصائبة للواقع والتعامل معه وفق ما هو موجود، وليس وفق ما هو متخيل ومرسوم في أذهان جهابذة الإعلام "المأجورين" عادة، في اختلاق ورسم الصور الوهمية والمزاجية، ومن هنا تتبدى أهمية الأقلام الحرة الليبرالية غير المأجورة وغير الرسمية أو الموظفة والبعيدة كلياً عن المصالح النفعية، ولكن هذه الأقلام في الإعلام الرسمي العربي تخضع لعملية تهميش وحجب وتعتيم.

 ومن هنا فكلما اشتدت قبضة الإعلام والرقيب والتعتيم كلما كانت النتائج معكوسة، وهذه من تجارب وحكم التاريخ التي تتكرر في كل كما حصل في منظومة الحجب والتشفير الشيوعية التي انهارت على حين غرة، وكما حصل في تونس مؤخراً حين "فهم" بن علي متأخراً الأمور وما يجري على حقيقته وقبل أن "يشمع" الخيط ويولي الأدبار هارباً. لا ندري ما هي الغاية من اعتماد هذه السياسة الإعلامية التضليلية وهل تستطيع هذه السياسات أن تقنع الشارع العام في زمن السموات المفتوحة ولا علاقة لنا إذا كان السادة وزراء الإعلام مقتنعين بها؟ ولماذا يصر وزراء الإعلام العرب حتى اليوم بخداع وتضليل رؤسائهم و"أولياء" نعمتهم، قبل شعوبهم، ولماذا لا تكون وسائل الإعلام الوطنية انعكاساً حقيقياً لصوت الشارع ومعبراً عنه كما هو وليست معبراً، أو ملكاً لحفنة أو شلة أو مافيا إعلامية تتحكم بالإعلام ولا تعمل إلا على تسويق التضليل والخداع.

 وبالرغم من كل ذلك، تستمر في غير بلد عربي نفس السياسات الإعلامية السابقة التي أدت لمهالك وكوارث سياسية. قد نفهم، ونتفهم، تماماًً، لماذا يكذب وزراء الإعلام العرب على شعوبهم، وهذا "حقهم" المشروع، لكن لا نفهم ولا نتفهم كذبهم على رؤسائهم وممارسة سياسة النعامة ومحاولة تقديم صورة مغايرة للواقع، تنم بما لا يدع مجالاً للشك، بأنهم لا يكنون أي نوع من الود والمحبة والوفاء والإخلاص لهذه الأوطان، وهذا ما أثبتته التجربة التونسية بعد سنوات طويلة من التضليل ورسم صورة زاهية لواقع مر وأسود، ومن مفارقات القدر أن نفس تلك الأجهزة التي يعتقد بأنها كانت تعمل على حماية النظام، هي نفسها التي أدت لنهايته المأساوية وعلى رأسها وزارة الإعلام والاتصالات التي ألغيت في أول تشكيل وزاري ما بعد التغيير، لأنه لم يعد هناك، وبكل بساطة، من أية حاجة لبقائها.

 فلم لا توضع آليات وبرامج عمل جديدة لوزارات الإعلام العربية، يكون أولاها التخلص من آليات العمل القديمة البالية المتمثلة بالتضليل والمحاباة والشللية والتعتيم والحجب والإخفاء، ويكون عنوانها الأعرض المكاشفة والمصارحة والشفافية والأهم مكافحة الفساد والكشف عن رموزه وتعريته أمام الناس فهو وبكل بساطة أهم ما يشغل الرأي العام اليوم، فالفوارق الطبقية العميقة والآلام المجتمعية التي تركها في بنية هذه المجتمعات هو الوقود والمحرك الأول والشغل الشاغل للشارع العام؟ وهل سيتستمر، أو يستمرئ، ولا كبير فرق هنا، وزراء الإعلام العرب، ووسائلهم الإعلامية المختلفة، بممارسة الكذب والتضليل، أم سيعيدون حساباتهم من جديد، واضعين تجربة "زين العارفين" نصب أعينهم هذه المرة، لاسيما أن الجميع بات يلعب على المكشوف، ولم يعد هناك أي إمكانية للحجب، والتعميم، وممارسة ذات التضليل؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز