د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
ماقبل الطوفان... دستور للمواطنة

الطوفان الذي اجتاح الشقيقة تونس مؤخراً ،وانتهى باقتلاع الرئيس ذي القبضة الحديدية ونظامه من جذوره ،واستطاع في اللحظة الأخيرة أن ينفد بجلده قبل أن يسقط في قبضة الشعب الغاضب لابد أن يجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا خوفاً من أن تصل عدوى الغضب الشعبي لمصرناالحبيبة ، وهو الطوفان الذي يدخل الوطن في مستنقع الفوضى المميتة ، حيث تنتشر عصابات النهب والسلب والخراب والتدمير ، ولن ينفعنا وقتها – لاقدر الله – اقتلاع الرئيس وزبانيته أو هربهم من الجماهير الغاضبة إلى حيث أموالهم ومنتجعاتهم السياحية خارج الوطن .

 ولابد أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ويتردد في نفس كل مصري اليوم .. هو لماذا نحن أكثر صبراً وأطول بالاً من الشعب التونسي الشقيق الذي كنا نعتبره دائماً شعباً وديعاً ،هادئاً، فناناً لايهش ولاينش، فإذا الحمل الوديع يتمخض عن أسد هصور يفر أمام زئيره كل الفئران .. لماذا ونحن الذين لانكف عن الشكوى من سوء الحال وتردي الأوضاع المعيشية حتى أن بعض شبابنا يفضل الهجرة الأبدية أو الموت غرقاً قريباً من سواحل أوروبا عن أن يقف ليعلن احتجاجه ويتمسك بالبقاء في بلده التي كانت عبر الزمن سلة الغذاء للعالم القديم ؟! لماذا أصبح الشباب يتسول قوته من هنا وهناك في الوقت الذي يستمتع بثروات البلاد وخيراتها نفر محدود من رجال الرئيس وعائلته وحاشيته وبعض المحظوظين من المقربين ؟ لا أظن أن بالشعب المصري هواناً أو خنوعاً ، ولكنه بالفعل أكثر صبراً واحتمالاً وهومايرشحه لثورة شعبية أكثر التهاباً ، وهي إن قامت – لاقدر الله – فإنها لن تبقي ولن تذر . من هنا تأتي ضرورة التنبيه مبكراً لذلك الاحتقان المتزايد بين صفوف الشعب المصري الذي يعاني في صمت وصبر ولاأظنه سيحتملهما للأبد مع تردي الأوضاع المعيشية وفقدان الأمل على المدى البعيد.

 ومن هنا أيضاً تأتي حتمية التغيير السلمي للنظام الحاكم الذي أثبت فشله في أكثر من موقع ويقدم في كل مرة كبش فداء صغير ليلهي الشعب ويتمكن من الاستمرار للأبد ، بينما المطلوب تغيير النظام بالكامل الذي أوصلنا لهذه الدرجة من الهوان. نحن لانتمنى ثورة شعبية كالتي حدثت في تونس رغم أن كل الظروف عندنا ترشحنا لذلك ، ذلك لأن الثورات الشعبية تكون انفجاراً غير محسوب لايمكن تصور حجم الدمار والخراب الذي يخلفه ولا الأيدي الخفية التي يمكن أن تعبث بأمن الوطن ومستقبله من خلاله بل وربما أفرز حكاماً أسوأ من الذين رحلوا أو أعاد إنتاجهم بأقنعة جديدة. هنا نجد أنفسنا في مواجهة سؤال ملح في هذا الوضع الدقيق والحرج.. ماالذي تحتاجه مصر لتعبر بوابة الخطر بأقل الخسائر الممكنة ؟..وكيف سيتم التغيير السلمي في ظل تشبث الجوقة الحاكمة بمقاعدها للأبد ؟ في ظني أننا في حاجة ملحة لعقد اجتماعي جديد وشرعية جديدة تؤسس لدولة مدنية حديثة تخرجنا من النفق المظلم الذي أدخلنا إليه النظام الحاكم منذ قامت ثورة يوليو 1952 وحتى الآن .. وأتصور أن يكون البدء بتشكيل هيئة تأسيسة تضم كل القوى الوطنية بمختلف تياراتها وتوجهاتها ومذاهبها وعقائدها لوضع دستور جديد للبلاد ، دستور لايمكن لرئيس أو لنظام حكم أن يعبث به مستقبلاً وغير قابل للتعديل والترقيع ، دستور للمواطنة الحقيقية لاتتميز فيه فئة من الشعب على فئة أخرى ويكون الكل فيه سواء تأسيساً على مبدأ المواطنة والمصرية فقط ، وأن يستلهم قيم الحرية والإخاء والمساواة . وطن واحد يجمع المصريين جميعاً نحو هدف واحد هو اللحاق بركب الحضارة التي تخلفنا عنها مئات السنين ، وإذا كان ديننا الإسلامي يعلمنا أنه لافرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح فلتكن هذه القاعدة دليلنا في مسيرتنا نحو المستقبل ، ألا نفرق بين مصري وآخر بسبب معتقده أو فكره أو انتماءه الحزبي طالما تصب جهوده وأفكاره في رفعة الوطن والانتصار لقيمه العليا .

 ينبغي أن يحدد دستور المواطنة وبوضوح كيفية إدارة شؤون البلاد والمرجعيات التي تحدد الطريق وتضمن نجاح المسيرة ونمو الوطن ، ينبغي تحديد الحد الأدنى والأقصى لسن رئيس الجمهورية المنتخب في انتخابات تعددية نزيهة لاصورية ، ومدة بقائه في الحكم التي لايجب أن تتجاوز عشر سنوات مهما كان رصيده الشعبي أو حجم إنجازاته حتى لايصادر حق الأجيال الجديدة في أن يخرج من بينها رئيس للبلاد يتحدث باسمها ويقود مسيرتها ، فمن غير المعقول ان يتجاوز الرئيس سن الثمانين بينما السواد الأعظم من الشعب الذي يحكمه دون الخامسة والأربعين !!..

 ينبغي كذلك أن يضم دستور المواطنة الجديد آليات واضحة لمحاسبة الرئيس والوزراء ، وأن يكون التمايز بين المصريين بحسب الكفاءة والخبرات لابحسب الانتماء الحزبي أو العقائدي، كماينبغي رفع حالة الطواريء وإنهاء العمل بها للأبد وان يحاكم الإنسان أمام قاضيه الطبيعي .. وينبغي عدم السماح بقيام أحزاب على أساس ديني أو طائفي ،وأن يكون دور الدين في المجتمع هو تربية النشء على التآخي والمساواة والعدالة وغرس القيم العليا في ناشئة الوطن من خلال مراجعة المناهج التعليمية وتوجيهها بحيث يعامل المصري أياً كانت عقيدته على أنه شريك في الوطن وان تطلق حرية المعتقد تفعيلاً لمبدأ لاإكراه في الدين .

 - ينبغي أن تكون المرجعية في شؤون المسلمين ومايخص عباداتهم من شأن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف الذين يختارون من بينهم شيخ الأزهر دون تدخل من الدولة ووفق أسس ومعايير ونظام يضعونه بأنفسهم ،وأن تكون المرجعية في شؤون الأقباط للكنيسة القبطية وعلى رأسها بابا الأقباط ، وهاتان الهيئتان معاً لابدائل لهما أو نيابة عنهما وأن يمنع عملهما بالسياسة أو دعوتهما لحضور المناسبات السياسية بأي صورةمن الصور. - وبعد فهذا تصور بسيط لما ينبغي أن يكون عليه دستور المواطنة الذي يحقق الحرية والعدالة والتسامح والمساواة وهي المباديء التي لاتختلف حولها الشرائع الإنسانية جميعاً، وصولاً إلى أن نصبح شعباً حراً في بلد حر .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز