نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لا تلغى وزارات الإعلام العربية؟

في آخر إجراءاته، وخطابه الأخير، وحين "فهم" كل شيء، وقبل فراره الدراماتيكي المثير، أمام زحف جحافل جياع تونس الفقراء على قصر قرطاج، رفع زين العابدين بن علي الحجب، على كافة المواقع المحجوبة وكل إجراءات المنع الأخرى التي تستهدف التعتيم وحجب المعلومة وذلك بكل بساطة بسبب عدم نجاعتها وفاعليتها في عصر الإنترنت وزمن السموات المفتوحة، وبسبب من عدم قدرة تلك المنظومة الردعية القمعية الحجبية من التحكم بالإنترنت والمعلومة التي كانت تتدفق بشكل انسيابي وأكثر مما لو كانت الأمور ميسرة ومنفتحة، وعلى مبدأ كل ممنوع مرغوب.

 كما وتم إلغاء وزارة الاتصالات التي كانت مكلفة بعملية الحجب والرقابة والتعتيم والتحكم بالإنترنت في أول تشكيل بعد حكومة بن علي المهارة، وربما لأن "الجماعة" قد "فهموا" مثل رئيسهم "الفار"، أن لا طائل من كل هذا الحجب والتعتيم والحجب والحصار، فكانت أداة الحجب التي ساهمت من حيث لا تدري، وبشكل غير مباشر، في القضاء على نظام زين العابدين بن علي. ولقد ساهمت "فيديو-كليبات Video-Clips، وترجمتها الحرفية مقاطع مرئية تم تحميلها على النت وتحديداً على موقع يو تيوب You-tube وترجمتها الحرفية أيضاً أنت تنشر الشريط، (أي أن أي إنسان أصبح ناشراً ولم يعد الأمر بيد وزارة الإعلام وجهابذتها التشفيريين الكبار الذين باتوا من حيث يشعرون ولا يشعرون يصنعون الأقدار المأساوية لهذه الأنظمة)، فحين يتم منع أو تشفير أي شيء فهو بمثابة إعلان مجاني عنه وتسليط للضوء عليه وإعطاؤه أهمية قصوى تجعل الجميع يبحثون عنه، وها هي مأساة بن علي الذي "فهم" ذلك بعد أن فاته القطار وانتهى كل شيء ولم يعد البكاء على ملك ضاع ينفع في شيء.

نعم لقد تم الأمر من قبل شبان صغار وهواة، وليسوا معارضين إيديولوجيين، و"غير مسجلين خطر" على النظام كالغنوشي وسواه، نقول استطاعت تلك المقاطع المرئية البسيطة من الوصول إلى كبريات وأمهات الوسائل الإعلامية في العالمية ومنها انتشرت انتشار النار في الهشيم وساهمت في إذكاء نار التمرد، والوصول إلى أبعد نقطة في تونس، مما عقد الأمور على الطاغية الفاسد، وأصبح البوعزيزي البائع الصغير، وخلال ساعات من إحراقه لنفسه، بطلاً وطنياً تونسياً، وقديساً وشهيداً بلهب خيال، كما يلهب نار التمرد، وساعد هذا الانتشار الإعلامي وسقوط القتلى ومخافة التورط في مجازر جماعية في قرار قائد الجيش رشيد عمار في رفض إطلاق النار على المتظاهرين، واستخدام الجيش كطرف في النزاع، مما جعل بن علي أمام خيار واحد ووحيد، وهو الرحيل والفرار تحت جنح الظلام، ليواجه مهنة أخرى برفض استقباله من معظم أصدقائه السابقين، باستثناء السعودية لأسباب أخرى سنفصلها لاحقاً. نعم لقد أصبح اليوم كل شخص، وبموجب تقنية الهاتف النقال ووجود شبكة الإنترنت، التي كتبنا عنها إبان الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الماضية في إيران وجعلت نظام الملالي يترنح، أصبح كل شخص هو وسيلة إعلامية بحد ذاتها، ويمكن لأية فكرة، أو مقطع صوتي، أو مرئي، أن تخترق أعتى جدران الحجب الفولاذية التي أنشأتها وزارات الإعلام العربية حول منظوماات الفساد والقهر والاستبداد لحمايتها من غضبة الراي العام.

 ولقد كانت وزارات الإعلام العربية على الدوام تحابي النظام الرسمي العربي ورموزه، وتحاول تجميل هذا النظام الذي لا يمكن تجميله، وتبرير أخطائه، وتقديمه بصورية زاهية وسماوية ورومانسية أمام الرأي العام، وعملت جاهدة على تجهيل وغسل أدمغة المواطن البسيط عبر السياسات الغوبلزية، غير أن الواقع وتحت السطح كان هناك عالماً آخر مغايراً لما يحاول هذا الإعلام الرسمي توصيله، وقد استطاع اليوم هذا "العالم الآخر" (وهو فعلاً عالم آخر بالمعنى المجازي للكلمة)، بفضل الإنترنت من الصعود والبروز للسطح واحتلال مكان الإعلام الرسمي العربي الذي أصبح مترهلاً وزائداً عن الحاجة وديكوراً لا لزوم له في المصفوفة السلطوية العربية، والتي لم يعد أحد يتابعه أو يعبأ به أو ينتظر نشرات أخباره، وآراءه المتخشبة والمتكلسة المعروفة مسبقاً والتي لم تنفع في حينه حتى تنفع في عصر السموات المفتوحة والإنترنت.

اليوم ينتشر أي مقطع مرئي أو خبر أو مقال في القارات الخمس خلال ثوان، وهذا ما تعجز عن فعله أية وزارة إعلام عربية كان الهدف والغاية من إنشائها التحكم بالمعلومة والرأي العام وصنعه وتشكيله وفق مشيئة السياسات الرسمية العربية التي باتت تداعى الواحد تلو الآخر وفق الصيغ القديمة. إن استمرار سياسة الإعلام بنفس رموز الإعلام الرسمي العربي وعبر أدواتهم وآلياتهم القديمة البائسة من حجب وتعتيم وإقصاء وتهميش وتطبيل وتزمير وتجميل، لن تساهم سوى في مزيد من تشويه النظام الرسمي العربي، ولا يعني في النهاية سوى دق مزيد من المسامير الأخرى في نعش وجسد هذا النظام الرسمي العربي الشائخ المترهل ووزارات إعلامه التي لم تعد تهش وتنش أو ينصت لها أحد، والقرار العقلاني الحكيم هو بإلغائها، وبعد أصبحت دوراً للعجزة، ومستودعات للإسطوانات المشروخة، إياها، التي لا يريد أحد الاستماع إليها، ومجمعاً للانتفاع والشللية والمحسوبيات والعلاقات البدائية.

 الأهم من هذا وذاك أنه لم يعد اليوم باستطاعة أحد، التحكم في المعلومة، والرقابة، والحجب، وفرض الرقابة على الفكر والعقل، وتشكيل أي وعي موحد عام، هو من رابع المستحيلات، وما يقرأه الجميع اليوم ويحاول الاطلاع عليه، ليس المتوفر والذي تقدمه وزارات الإعلام العربية، التي لم تعد تستحوذ على ثقة الكثيرين، بل ما هو محجوب، ومخفي، وبعيد عن متناول اليد. حكمة اليوم: هناك مثل أمريكي يقول: حين تكون في حفرة يجب أن تتوقف عن الحفر.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز