نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الديكتاتور الجبان

تلك الهالة من العظمة والأبهة والقوة والغطرسة التي يرسمها حول نفسه الحاكم الديكتاتور الفرد اسرعان ما انهارت وتنهار أمام أي اختبار حقيقي، لتظهره ليس أكثر من مجرد فأر صفير يخشى من طله وخياله، حين تحين ساعة الحقيقة، ويجد الجد. وفي علم النفس السلوكي ليس هناك أجبن من المجرم، وكلما اشتدت ساديته وتمادى في جرائمه، كلما كان ذلك تعبيراً عن تصاعد حالة الهلع والخوف لديه. ومع فرار الرئيس زين العابدين من علي، الذي سقط من عيون كل من عرفه، فها نحن أمام أنموذج جديد من نماذج الدكتاتور الجبان الذي تنقلب صورته بالضد، ورأساً على عقب، وبالتناقض مع كل ما حاول إعلامه المضلل من رسمه حوله من هالات من الرعب، والقوة، والجبروت، وحتى القداسة أحياناً، فهو في النهاية مجرد إنسان عادي، يجوع، ويتألم، ويمرض، ويرتعد خوفاً من أنين الضحايا والمظلون، ويفر هارباً في النهاية كما يفر الرعاديد الجبناء.

 لقد كان صدام حسين المثل الأعلى الديكتاتور، ببطشه، وسحقه لمعارضيه بدون رحمة ولا هوادة أو مساومة ومعاملته القاسية والفظة مع الجميع، وكان يدعي بأنه يحتفظ بمسدس بطلقة واحدة "في حال جد الجد"، ولحظة كان يتوقعها، كي لا يمكن أعداءه منه، ولكن حين جد الجد لم يقو، ولم تسعفه أعصابه وشجاعته "المزعومة" في التخلص من نفسه، ووجد في حفرة قذرة كقذارة روح الديكتاتور، تأنف حتى الجرذان من العيش فيها، وهو في حالة مزرية يتوسل سجانيه، بطريقة غير معهودة، و"كبيرة" جداً على المهيب القائد الزعيم الصنديد المغوار بطل القادسيات، وحارس البوابات الشرقية من العدوان الصفوي الفارسي.

 هذه هي الصورة الأخيرة وبكل أسف للزعيم القومي الملهم، مجرد فأر في حفرة صغيرة رث الثياب ومهلهل الحال، استسلم من دون أية مقاومة تذكر "محتفظاً ربما برصاصته الشهيرة لمناسبة أخرى لم تأتي وبكل أسف ويا حسرتاه"، وكان يرتجف خوفاً كأي رعديد وجبان مؤكداً على حقيقة الديكتاتور الجبان. ومع سقوط صدام، إثر مزاعم بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، قام زميل له، من نفس النسق المعروف بخطبه القومية والثورجية اللاهبة والكاذبة، بتسليم كل ما لديه من خطط وبرامج ومشاريع نووية، وبما يتوفر لديه من ألبسة وسراويل داخلية "أمريكية" أيضاً، والعهدة على الراوي، هذا والله أعلم على أية حال، بحال سراويل الحكام، إلى "ماما" أمريكا، ما غيرها التي "طزز" بها ذات يوم، وأكرمكم اله، وأشرف على تحميّلها بنفسه على ظهر بارجات حربية اتجهت بها إلى ما وراء المحيطات، بعد أن كلفت شعبه الملايير الكثيرة والتي كانت، أولى بها، أفواه أطفاله الجياع والمرضى ةالمحتاجين لكل سنت من تلك الأموال المهدورة على العنتريات الفارغة والاستعراضات الخلبية الخاوية.

ومن جوبا كان الخطاب الأخير لسفاح وديكتاتور آخر، صار فجأة عاشقاً للحريات، وحقوق الإنسان، بعد أن ارتكب وأباد مئات الآلاف واستأسد على شعبه الأعزل المسكين، ولكنه عرف أن الله حق، وارتدع، وارتجف حين كشرت العدالة الدولية عن أنيابها تجاهه، وأصدر أوكامبو قراراً بجلبه للعدالة الدولية، فتحول إلى مجرد "أرنب"، يرتعد خوفاً من المصير الحتمي لكل مجرم تلوثت أياديه بدم الأبرياء الطاهرة، بعد أن كان يرغي ويزبد قومياً، وعنصرياً وإثنياً ضد شعبه المسكين الأعزل. وها هو اليوم، ينتظر اليوم القادم لا محالة، والذي سيسلم فيه للهايغ، شاء من شاء وأبى من أبي، وسيمتثل ذليلاً طائعاً، مكبل اليدين، ولا تغرنكم كل تلك النياشين والأوسمة الخلبية التي ترصع بزته الماريشالية.

 وها هو بن علي خاتمة المسك في هذا المسلسل الحزين، يهرب على أول طائرة بمجرد سماعه لهتافات المتظاهرين تقترب من قصره القرطاجي الأسطوري الجميل، ليؤكد لنا جميعاً على حقيقة الديكتاتور الجبان الذي يرتعد ويخاف من ظله حين يجد الجد، وتدق ساعة الحقيقة ويحاول النجاة بنفسه وهذه تدل على درجة عالية من النرجسية والجبن وعشق الذات المرضي التي تفضحها، فوراً، الثورات وهبات الجياع.

 لن نعرج على قصص أكثر سواداً وشؤماً وقتامة من هذه وتلك، ولنا في ميلوسوفيتش سفاح البلقان، الذي قبض عليه كما يقبض على نعجة مسالمة وسيق إلى حتفه دون أن يبدي أية مقاومة، وكذلك الحال بالنسبة لصديقه وحليفه في الإجرام الجنرال كارازيتش الذي ضبط متنكراً بزي طبيب نفسي يعالج مرضاه وامتثل فوراً بعد أن كان قد لقب بوحش البلقان، ولن ننسى مروع ليبيريا تشارلز تيلور ورئيسها السفاح الذي سلم نفسه للعدالة الدولية ودون أن يظهر أي من بطولاته التي كان يستعرضها على شعبه المسكين الأعزل "الغلبان".

 للديكتاتورية أصول وآداب واحترام، وهناك ديكتاتوريون وحكام، عبر التاريخ، لا يمكنك إلا أن تحترمهم وترفع لهم القبعات، رغم كل ما قيل ويقال عنهم، أما مثل هؤلاء "ارعاديد الجبناء"، فلا يثيرون إلا الشفقة وقلة الاحترام. فعلى سبيل المثال، هتلر، وعلى الرغم من بطش ودموية وإجرام هذا الشخص ونرجسيته ومرضه، المدان بكل المقاييس، ألا أن الإنسان لا يملك إلا أن يرفع له القبعة احتراماً على شجاعته، ورجولته، وإخلاصه لشرفه العسكري والشخصي ولكرامة أمته الآرية التي يعتقد بأنه كان يمثلها، في تلك اللحظة الحاسمة من التاريخ، حيث لم يمكـّن الجيش الأحمر منه حين سمع أنهم على مشارف مقر إقامته Führerhauptquartiere ، وفضل الانتحار مع إيفا براون في تلك اللحظة التاريخية الحاسمة، محافظاً على صورة الفوهرر الزعيم القوي المحترم المعتد بنفسه وبالأمة "المحترمة" التي يمثلها.

 ويبدو أن بعض الديكتاتوريين، وما ظهر ولاح منهم، لا يحافظون على أصول مهنتهم، ولا يحترمونها، وهم أجبن من اتخاذ أي قرار تاريخي شجاع في حياتهم المظلمة السوداء. فحتى الديكتاتورية والإجرام، وهي من أحط المهن والحرف والأعمال، لا يتقنها، ولا تصلح له ، ولا تشرف البعض بكل تأكيد، وهو لا يفلح في أن يكون ديكتاتوراً "محترماً" و"عليه القيمة" على الإطلاق، .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز