نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سيناريوهات فانتازية: بائع الخضار الذي أسقط الجنرال

 لو حاول أحدنا اليوم كتابة مسرحية أو عمل فني أو أي إبداع أدبي بهذا العنوان، بائع الخضار الذي أسقط الإمبراطور أو الجنرال، لانهالت عليه سهام النقد لهذه الرؤية بالفنتازية والتفاؤل الشديد والذهاب بعيداً في أحلام اليقظة وغيره مما تجود به قرائح النقاد في مثل هذا الحالات، وأنه فعل لا يحصل إلا في الأسطورة وروايات الخيال الـFairy Tales، غير أنه أصبح حقيقة واقعة وقصة واقعية لا تصدق تتردد على لسان كل تونسي، وفي مختلف وكالات الأنباء. فالفتى التونسي البسيط العاطل عن العمل محمد البوعزيزي، الذي أحرق نفسه احتجاجاً على تدخل رجال الأمن التونسيين، لمنعه من بيع الخضار والاسترزاق، وطبقوا "القانون" عليه وحرموه من مصدر رزقه رجال الأمن التونسيون "الميامين الأشاوس الأبطال" الذين يتابعون صغار "الكسبة"، و"المتعيشة"، و"المياومين" وشرائح الفقراء ويضيقون على الفقراء والمعدومين والمحرومين في حياتهم ولقمة عيشهم ويتغافلون في نفس الوقت عن اللصوص الكبار الذين مصوا دماء الشعب التونسي الفقير.

 حتى الحلم ممنوع عند البوليس العربي كان لا بد لهذه المعادلة الظالمة من الانهيار بذلك الجسد الطاهر لمحمد البوعزيزي الذي ألهب شرارة الأحداث التي أطاحت بطاغية تونس المستبد، وعائلته، وشلة اللصوص الطرابلسية التي كانت تحيط به، ودفعت شاباً فقيراً، مثل البوعزيزي، بعد أن فقد الأمل بالحلم وبالحياة وبعربة خضار صغيرة يعيل بها عائلته، (حتى عربة الخضار استكثروها على الشاب الفقير)، لأن يحرق نفسه على الملأ احتجاجاً على الظلم والتجويع والإفقار الذي راكمه الجنرال بنفسه على مدى ثلاثة وعشرين عاماً من حكمه النهبوي اللصوصي الاستبدادي القهري العائلي المافياوي. فحتى الأحلام الصغيرة البسيطة مجرد"عربة خضار" يجهضونها ويلاحقون الناس عليها، ويحرمون الناس حتى من الحلم والتفكير بها.

 فالحلم ممنوع عند البوليس العربي وجلاديه مخافة أن تكبر الأحلام؟ سيناريو ولا في الخيال من كان يتخيل هذا السيناريو الفانتازي الغريب، شاب عاطل عن العمل يمرغ أنف جنرال الأمن المرعب الديكتاتور الحاكم الفرد الأوحد بأمر الفساد بالوحل والطين، ويجبره على الفرار تحت صرخات الجياع والفقراء الذين مص دمائهم على مدى ربع قرن من الزمان تقريباً. سيناريو من سيناريوهات ألف ليلة وليلة، وقصص علاء الدين والمصباح السحري، وأسطورة سندريلا، وقبعة الإخفاء وغيرها مما يجد بها العقل الجمعي العام عن قصص الخيال، والأحلام المؤجلة، أو المجهضة التي لا تتحقق إلا في الخيال.

 من كان يتصور أن عربة خضار ستهزم نياشن الجنرال والمدرعات الغربية التي يتزود بها الأمن التونسي، وأجهزة استخبارات، وعربات جند "مؤللة" وقاذفات وراجمات الصواريخ وبنادق أوتوماتيكية وغيرها من معدات تكنولوجية وعصرية؟ من يفكر ويحلم بذلك سوى المعتوهين والسكارى والأوغاد؟ عش ودع الآخرين يعيشون ما يحدث في ما يسمى بالوطن العربي، هو هذا الجشع والاحتكار السلطوي، والفئوية وانغلاق الطبقات الحاكمة على نفسها، واستئثارها بثروات البلاد كما في رقاب الناس.

 والعائلات الحاكمة، في هذه المنطقة، تتشابه في أنماطها التسلطية إلى حد كبير، نتيجة لتشابه ثقافتها الصحراوية وإرثها السلطوي البدوي الأبوي الاحتكاري الفرداني القائم على تقديس رئيس العشيرة أو القبيلة، ووجود الحاشية أو البطانة كسد مانع وحاجز بينه وبينه الجماهير. هذه الممارسات القهرية والاحتكارية أدت وتؤدي إلى تهميش شرائح عريضة من الناس وإلحاقها بخانة الفقراء التي تتكدس في بيئات تنتشر فيها الجريمة والإرهاب والقتل وخرق القوانين مما يزيد من مهمة وعمل الجهاز الأمني الذي يرهق لاحقاً ويعجز عن الأداء الكامل المفروض للإبقاء على استتباب الأمن، وينهار على حين غرة كما حصل في تونس.

 فإذا كانت الأنظمة الحاكمة عاجزة عن التوبة فلم لا تنشئ أنمة للضمان الاجتماعي كطما هو الحال في أوروبا وتجنب نفسها مخاطر مثل هذه الانفجارات والانهيارات السلطوية الحاكمة والفوضى والخراب والدمار القادم لا محالة، في كل بيئة تتشابه مع البيئة التونسية في الفساد والقهر والتهميش والاستئثار العائلي للثروات وموارد البلاد.

 ليسرقوا وينهبوا ويستأثروا ولكن ليتركوا لهؤلاء الفقراء هامشاً بسيطاً، دعوهم يحلموا بـ"عربة خضار"، وليس بأساطيل السيارات الفارهة والطائرات الخاصة؟ ماذا يضيرهم من هذه الأحلام؟ الترياق الغربي في أوروبا والغرب عموماً، لا مجال للمقارنة بالفوارق الطبقية الهائلة الموجودة فيما بين الطبقات، وحجدم الإثراء لطبقات محددة، غير أن النظام الضريبي العادل الذي يأخذ من هؤلاء الإمبرياليين الكبار، ووضعه في صناديق اجتماعية تقوم بتوزيع هذه الضرائب والأموال على العاطلين عن العملين، والمسجلين في المكاتب الاجتماعية هو ما يجنب تلك البلاد الثورات والانفجارات على الطريقة التونسية المخجلة التي أثبتت أن بيوت الطغاة ومواخير الفساد وزنازين الاستبداد أوهى من بيت العنكبوت، ولا حياة ولا استمرار مع الظلم والاستئثار وقهر وتجويع العباد بتلك السادية السلطوية العائلية الفئوية الاحتكارية التي كشفت عنها الأوضاع البائسة والمحزنة في الوطن التونسي الجميل.

 قوانين الفيزياء السياسية كثرة الضغط تولد الانفجار، والتراكم الكمي سيؤدي إلى تغيير نوعي، والتسخين المستمر سيؤدي إلى الغليان، والنزيف المستمر سيؤدي إلى الجفاف، وأشد ساعات الليل حلكة وظلاماً هي تلك التي تسبق الفجر وانبلاج الشعاع، وكثرة التعتيم تؤدي إلى الضياع، وما طار طير وارتفع، إلا وكما طار وقع، وبالمثل الشعبي ذي المغزى العميق" (ما في شجرة وصلت لربها)، والمعادن تتمدد بالحرارة، وتتقلص بالبرودة، والناس معادن، فإياكم "وتسخينها" زيادة عن الحد المطلوب والعمل دائماً على "تبريدها" قدر الإمكان، وأن أعظم الحريق من مستصغر الشرر ...إلخ، هذه القوانين الفيزيائية الطبيعية التي تحرك الطبيعة والحياة، تنطبق أيضاً على الفضاء والحقل السياسي، كونه جزءً من الطبيعة ومن حياة الإنسان، وهو ما يمكن تسميته بقوانين الفيزياء السياسية التي لم تخطئ ولم تخب حتى الآن.

 سيناريوهات افتراضية بنفس ذاك السياق، وعلى ذات النمط والمنوال، وحين تتوفر اللحظة التاريخية وتنضج قوانين الفيزياء السياسية، هل يمكن لبائع حليب متجول، مثلاً، في سيناريوهات محتملة، أن يسقط إمبراطوراً؟ وهل يمكن لرجل دين بسيط أن يطيح بكسرى أنو شروان والشاهنشاه؟ ولعبد مملوك أن يتولى مكان "القائمقام؟ (حدثت هذه في تاريخ العرب المجيد إياه كافور الإخشيدي ودولة المماليك). وهل يمكن لشاعر وكاتب أن يجلس مكان الفيلد ماريشال؟ (فاكلاف هافل في التشيك). وهل يمكن لهذه المعادلة السلطوية العربية الفاجرة والغريبة عن كل حس وضمير وأخلاق أن تنجو من محن الزمان، وأن تستمر من دون عواصف كعاصفة بن علي الهوجاء؟

 والسؤال الأهم هل يمكن لكل هذا لجور والتسلط والقهر والغطرسة والعربدة والمجون السلطوي والتجويع والحرمان والإذلال وامتهان الكرامات والنهب والسلب والبلطجة وتسييد اللصوص والجهلة والأغبياء والاحتكار المطلق أن يستمر إلا ما لا نهاية وحتى آخر الزمان؟ وهل يمكن للاستثناء أن يصبح قادة على الدوام؟

 أبو القاسم الشابي عذراً وإذا الشعب يوماً أراد الحياة**** فلا بد أن يهرب الجنرال







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز