نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا يجب أن نفخر بالعلوي2؟

تعتبر التبشيرية ونشر أية عقيدة دينية واحدة من أولى مهمات رجال الدين والكهان في أي دين أو مذهب، في محاولة استجلاب وتجميع أكبر عدد لأية عقيدة دينية ما يزيد من أتباعها ومن قوتها وتأثيرها وبالتالي بقائها. غير أن هذا المبدأ وعلى أهميته الإستراتيجية لا قيمة له في المذهب العلوي، ولا يسمح بأي شكل من الدعاية والتبشير الديني والدعوة للناس كي يصبحوا علويين، وذلك من خلال مبدأ هام وحضاري كبير، وهو احترام خصوصيات وعقائد الآخرين، وعدم التدخل بها، وبطريقة تفكيرهم وحياتهم، وعلى المبدأ الديني الإسلامي المحمدي الشهير الي يبدو أن العلويين يطبقونه أكثر من غيرهم وهو لكم دينكم ولي دين. ومن هنا أيضاً، ومن هذا المبدأ الحضاري الرائع، وكما أسلفنا سابقاً لا يوجد أي نوع من أنواع الفتوى ضد الآخر المختلف لإجباره على اعتناق هذا المبدأ، والدخول به "أفواجاً"، أو تكفيره في حال عدم الموافقة بالرأي.

 ولعل من أولى وأهم ميزات المذهب العلوي في العالم هو كونه مذهب فلسفي حياتي ذاتي تأملي خاص غير تبشيري، وطريقة عيش سلمية لا تقترب من أحد ولا تحاول فرض نفسها وقيمها وأنماط حياتها على الغير وبالتالي تقييمها من خلال ذلك، ولا تدعو أحداً للانضمام إليها بالجبر والقهر والقسر والإكراه، وهذا نابع من رؤية علمانية، وما قبل علمانية، حتى، وتعكس اكتفاء وطمأنينة فكرية ونفسية عميقة هادئة غير متوجسة وثقة عالية بالنفس وبالمضامين الفكرية والعقيدية التي يحملها العلوي فلا خوف على عقيدته ولا على مبدئه الديني من التحلل والضياع، ولا يحلم العلوي أو يطمح ويعلن لإقامة كيان سياسي خاص حام لعقيدته أو أي شكل من الإمبرياليات الدينية الشمولية الكيانية السياسية لحماية العقيدة والمبدأ بسبب الخوف الشديد عليه، على الطريقة التي يؤمن بها الـMainstream، والطمع بأراضي الغير وممتلكاتهم وثرواتهم ونهبهم وسبي نسائهم واستعباد واسترقاق غلمانهم حيث يعلن رموز هذا التيار علنا عن رغبتهم بذلك من خلال إقامة إمبراطورية دينية بالقوة يسمونها الخلافة وقد قال القرضاوي ذلك في برنامج الشريعة والحياة، وهذا خلط واضح بين الديانة والسياسة ما حول الدين إلى حزب سياسي أكثر من كونه عقيدة دينية، وذلك عن طريق مبدأ الجهاد المعروف وقتل الآخرين وإجبارهم على الانضمام إليه تحت لواء هذا الكيان السياسي، وهذا ما لم تفعله الشيوعية في أوجها، فهذا المبدأ-الجهاد- هو مبدأ عسكري بحت عدواني احتلالي إحلالي توسعي صدامي مع العالم ومخالف للقانون والشرعية الدولية، ومن هنا نرى اصطدام الـMainstream مع العالم أينما حل ووجد، حيث يحلم ويعمل على إقامة ومحاكاة تلك الإمبرطورية العسكرية النهبوية الاحتلالية الإحلالية التي أقامها غزاة الصحراء البدو بدافع الجوع والسبي والنهب بسبب انعدام الموارد الحياة في الصحراء وكانت سبب خروجهم الرئيس من الصحراء ذات يوم وفي غفلة من التاريخ ساعدهم في ذلك عصر كانت تترنح فيه إمبراطوريتان كبيرتان هما فارس وبيزنطة وتعيشان آخر أيامهما حسب المبدأ الخلدوني الشهير في قيام ونشوء وأفول الحضارات

 ويعتبر الـMainstream هذه المهمة مقدسة ويعظ اليوم من أجلها ليل نهار في الجوامع وحلقات الذكر الدينية، ومن هنا تحولت العقيدة الدينية إلى عقيدة سياسية ما أوقعها في إشكال مع المجتمع الدولي قاطبة لا تستطيع الفكاك منه بسبب التزامها النص الديني الذي لا يمكن لأحد أن يتلاعب به. ولهذه الغاية الجهادية المقدسة توظف المليارات التي تسفح في الفضائيات وفي طباعة القرآن وفقه الـMainstream لنشر عقيدة وأنماط حياة الـMainstream الصحراوية باعتبارها أمراً مقدساً نازلاً من السماء.

 لذا لا مكان لمبدأ الجهاد ولا لآلياته ولا لخطابه ولا لفقهه مطلقاً في المذهب العلوي المسالم الذي لا يدعو لشن الحروب وغزو الآخر لإجباره على اعتناق إيديولوجيته وفكره ولم يرتكب العلويون على مر تاريخهم أية مذابح ذات طابع أو خلفية دينية، أو عمليات قصاص ورجم وجلد وقطع رؤوس على الملأ. ولم يكن هناك قادة عسكريون ومن يسمون بـ"الفاتحين" والغزاة والسيافين الكبار في المذهب العلوي، ولم تلوث أياديهم بأية معارك ودماء أبرياء ومجازر جماعية ضد الإنسانية، من يستطيع اليوم أن يسمى اسم "فاتح علوي"، أو موقعة عسكرية سفكت فيها دماء من أجل نشر المذهب العلوي أو إقناع الناس به.

 ونسمع كثيراً ومن الخطاب العام بعمليات أسلمة جرت هنا وهناك، وأن فلاناً قد دخل إلى الإسلام، بشعور ممزوج بالفرح، والزهو والنصر وتسليط وتركيز إعلامي كبير على هذا من البروباغاندا الهائلة للـMainstream، ولكن هذا ما لم يحصل ولا يحصل في المذهب العلوي، والعلوي غير معني فيما لو "تعلون" فلان أو لم "يتعلون" علان، فتلك قضايا خاصة لا تهم كثيراً، ولم يسبق أن سمعنا أن هذا الرجل تحول إلى المذهب العلوي، أو أصبح علوياً فهذا الأمر غير وارد مطلقاً ولا يسعى له العلوي الإطلاق. فيما نسمع علمانية وشيوعية وإلحاد وتبرؤ هذا العلوي أو ذاك من مذهبه كما فعل أحدهم علناً وجهاراً من على قناة الجزيرة في برنامج بلا حدود مع أحمد منصور في عام 2002 إن لم تخني الذاكرة، حين تبرأ من انتمائه الديني الذي قال أنه ورثه بالولادة ومع ذلك لم يصدر بحقه أية فتوى قتل أو تكفير ولم يثر كلامه أية عاصفة هوجاء في الأوساط العلوية نخباً وعوام فالأمر لا يعدو قضية شخصية لا يحق لأحد التدخل بها، ،و دون أن يتعرض لحملات التكفير والتقريد والخنزرة والتسفيه والقتل في الحالات المشابهة في الـMainstream، الذي لا يكاد يمر يوم من دون إصدار عشرات الفتاوى بتكفير فلان وعلان.

ولقد سمعنا وقرأنا كثيراً عن الحملات المسعورة التي قام بها شيوخ الوهابية وما يسمى بالصحوة عن تكفير عشرات ومئات الكتاب وصدور قوائم تكفيرية ودعوات قتل بحق المفكرين الليبراليين والعلمانيين المتنورين في عموم ما يسمى بالعالمين العربي والإسلامي كان لكاتب هذه السطور، وبكل تواضع نصيب الأسد في الكثير منها وكل الحمد والشكر لله.

 كل هذا لا وجود له في الحياة العامة للعلوي وممارساته اليومية. والأجمل والأروع أن لا وصاية فكرية على العقل العلوي الحر من قبل أي كان، ولا استعمار له، وهو ليس ملكية لأحد يتلاعب به، فلا أحد يستلمه ويبرمجه ويقولبه وفق مشيئته، ولا يضرب العلوي الصغير للقيام بأي طقس ما، ولا وجود لتوجيه ولعمليات غسل دماغ وبرمجة دينية وعقائدية، وتطهير ثقافي في الحياة الثقافية والعقيدية بالنسبة للعلوي ولا توجيه ديني وفق إطار محدد. من بدل دينه فاقتلوه، ومن خرج من الملة ومن فارق الجماعة وخرج عن الطاعة فاقتلوه، ومن لا يتفق مع الـMainstream يواجه بسلسلة لا نهاية لها من التكفير والوصم بالزندقة والهرطقة والشرك والسب واللعن والتبذييء والتبخيس والتقريد والخنزرة ...إلخ، كل هذه المبادئ العقيدية الصارمة التي يحفل بها خطاب الـMainstream الذي لا يعترف بأي نوع من التسامح، وحرية الاعتقاد واللا اعتقاد في الحقيقة لا قيمة لها، وغير موجودة ولا يعمل بها في المذهب العلوي، ومن يرفض المنطق والرؤية الدينية فلن يجد السيوف والسيافين يقفون في طريقه وفوق رأسه، وهذه رؤية وممارسة حضارية علمانية قصوى حين تسود على نحو عام فلن يعود لدينا أية مشكلة على الإطلاق، لأن مشكلة الـMainstream، هي في هذه الجبرية وهذه القسرية ومحاولة الفرض والإقحام والحشر التي تميز آلياتها، وتخلق له هذا الإشكال مع العالم ككل.

 كيف، أو هل يمكنك أن تميز العلوي أو العلوية من بين الآخرين؟ وهل هناك سمات خاصة أو أزياء أو رموز دينية خاصة بالعلويين؟ أو هل يسعى العلوي للإعلان عن نفسه متحدياً مشاعر الآخرين ومستفزاً لهم كما يفعل بعض أبناء الديانات والمعتقدات الأخرى، السيخي بعمامته الشهيرة وشعره الطويل، والهندوسي بلباسه الخاص، والبوذي المتدين بعباءته البرتقالية الشهيره وشعره الحليق على "الزيرو" واليهودي بقلنسوته، والمسيحي بصليبه والـMainstream بالدشداشة والثوب القصيرة واللحى والزبيبة والنقاب والحجاب...إلخ، فالأهم ها هنا، ومن هذا وذاك بالنسبة للعلوي، غياب أي شكل من الطقوسية والشكلانية والتمسك بالمظاهر الدينية وغيابها تماماً من حياة العلوي وعدم الالتفات لها أو ومحاولة إظهار الذات والاعتزاز بذلك وبالتالي استفزاز الآخر.

 فلا يوجد ما يميز العلوي طقوسياً وشكلانياً في الحياة العامة، فلا جبة، ولا جلباب، ولا ثوب قصير، ولا صليب، ولا قلنسوة، ولا زبيبة، ولا دشداشة، أو لون معين، ولا يمكن تمييز العلوي أو العلوية كما هو الحال بالنسبة لأبناء الديانات والمعتقدات الأخرى حين تراه في الشارع كالبوذي والسيخي والهندوسي والمتدينين من المسلمين واليهود والمسيحيين، وهذه سابقة علمانية تطمح إليها اليوم فرنسا والدول الأوروبية وتحاول استصدار القوانين للناس للالتزام بها، فهي ممارسة فطرية ويومية عادية بالنسبة للعلوي لا يحاول إظهار أي رمز ديني لعدم وجوده ببساطه، والرموز الدينية إسطورياً، وعموماً هي ذات أبعاد وثنية ووضعية أرضية، وهذا مبحث آخر خارج عن موضوعنا، بالطبع. من يستطيع اليوم، ورغم كل هذا الضجيج والسعار الطائفي الكريه الذي يطفو على سماء المنطقة، والانفتاح الإعلامي الهائل، أن يذكرنا برمز ديني علوي، أو رجل دين علوي بارز؟ أعتقد أن المهمة صعبة جداً، ولا يحاولن أحد فعل ذلك.

 بعد هذا كله هل يحق لنا أن نفخر ونفتخر بالعلوي ومذهبه، ليس من بعد ومنشأ وميل طائفي تمييزي كما سيحاول البعض التأويل والتفسير، ولكن من مبدأ مقارن وبحثي وعلمي موضوعي حيادي في غمرة هذا الضجيج والفحيح الذي نسمعه ونراه هنا وهناك؟ وهل حقاً هناك ما يميز ويتفرد به العلوي في حفلات التجييش والسعار الطائفي والمذهبي التي تطفو على سطح الإقليم ككل؟ سؤال أتركه برسمك أيها القارئ الكريم النبيه؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز