د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
مستصغر الشرر( حديث في جذور الفتنة )

 

لأن معظم النارمن مستصغرالشرر كماتقول بذلك الحكمة السائرة ،فإن حديثي عن الفتنة التي جرت بين المسلمين والأقباط في مصر لن يتناول ما آلت إليه  من كراهية وتكفير بل وتفجير وإزاحة إلى جانب حرب متبادلة و معلنة في الفضاء الألكتروني لصب المزيد من الكحول على النيران المتأججة ،التي انتهت بالمشهد المأساوي لجثث الأبرياء الذين تبعثرت أشلاؤهم على أسفلت الطريق بالأسكندرية ليلة رأس السنة ، وهو المشهد الذي يتبرأ منه كل مسلم فاهم لدينه ، بل تتبرأ منه الأديان جميعاً .

 سنعود سنوات للخلف لنرصد ماذا حدث وكيف ولماذا حدث  لعلنا نضع أصبعنا على بداية الخيط لنتأمل أحوالنا المتردية والمرشحة لمزيد من التردي ..

كنا نحن المصريين دائماً متشابهين كحبات مسبحة،إذا نظرت إلى أحمد فلن يمكنك تمييزه عن حنا ،وإذا تأملت وجه فاطمة فلن تجد فرقاً بينها وبين جانيت ..

وإلى عهد قريب كان يدهشنا ذلك التشابه بين المصريين في شكل الجسم ولون البشرة والسمات العامة للشخصية المصرية وتكوينها الجسماني حتى أننا كنا نتندر في غربتنا بأننا صرنا مثل الصينيين من الصعب تفرقة شخص من بيننا عن جاره أو زميله بصرف النظر عن ديانته ومعتقده.

وقد ظل هذا الوضع هو السائد حتى أواخر سبيعنات القرن الماضي وأوائل الثمانينات .

 كان أنور السادات قد أطلق يد الجماعات الإسلامية بل وسمح للمتطوعين بالذهاب لجهادالسوفييت الملحدين في أفغانستان وقد عاد هؤلاء بعد خروج السوفييت وقد غسلت أمخاخهم تماماً ، وتشبعوا بأفكار عجيبة وغريبة عن صفات وخصال الشعب المصري بشكل عام وبدأت تهب على الوطن رياح عاصفة ،تلقاها الشعب في سكون ورضا ولم يفكر في مقاومتها لأنها تتدثر بعباءة الدين ، ولم يكن يظن  أحد أن الوطن سيؤتى من مأمنه ، فنحن شعب متدين بالفطرة ،بمسلميه ومسيحيه  ومظاهر التدين الفطري تجدها حتى في الممارسات التي لايرضى عنها الدين ، فاللصوص والخارجون على القانون يخططون لسرقاتهم مستعينين بالله ،فلاينسون حشر عبارات ذات دلالة دينية حتى وهم يخططون لجرائمهم من مثل " ربنايسهل " ،"توكل على الله" ،"ستنجح العملية بإذن الله " 

عبارات يطلقونها دون وعي أوإدراك مع أنها خارج السياق تماماً فالله لن يساعد في جريمة  ولن يرعى لصاً أومجرماً ،ولكنه الشعورالديني الفطري الكامن في لاوعي حتى المجرمين..

ومن عجائب المفارقات أن الأقباط شاركونا هذه الألفاظ والعبارات الدينية الإسلامية ، أغلبهم يستخدم"السلام عليكم" و"إنشاءالله" ،  بل إن منهم من صار يسبحل ويحوقل ويتعوذ دون غضاضة ، وكان ذلك أيضاً من مظاهر الاندماج والتمازج بينهم وبين المسلمين .

اشترك المسلمون والأقباط في كل مناشط الحياة تقريباً ابتداءً من تسمية أبنائهم بأسماء واحدة وانتهاءً يالاحتفال المشترك بأعياد كل منهما ومروراً بالاستفادة المتبادلة من النشاط الاجتماعي الذي ترعاه المساجد والكنائس على السواء لخدمةالمجتمع ، يحدث ذلك والمسلم يذهب إلى مسجده والقبطي إلى كنيسته ،بل إن كثيراً من المساجد والكنائس تجاورت وارتفعت مآذنها وقبابها جنباً إلى جنب دون أن ينكر طرف على الطرف الآخر ذلك.

هذه الصور الجميلة من العيش المشترك بدأت في التلاشي تدريجياً حين بدأت الأفكارالمستوردة من الشرق تغزو المجتمع المصري وبصور منظمة وغير لافتة للنظر في البداية ، وفي أبسط وربما أتفه الممارسات الحياتية بدءاً من :لاتقل "آلو " حين ترد على التليفون بل قل السلام عليكم وانتهاءً بتغيير شكل المجتمع وأفراده رجالاً ونساءً وحتى أطفالاً ... أشياء بسيطة في البداية وغير مؤثرة والمفروض انها لاتعني شيئاً من الناحية الدينية إذا كان الشخص ثابت العقيدة راسخ الإيمان ،

مامعنى أن أخالف الدنيا كلها في الرد على التليفون ؟! ..أليس ذلك إعلاناً عن فشلنا وخيبتنا الثقيلة في الإسهام بأي قدر في الحضارة الحديثة حتى اننا صرنا نستورد الجلباب والعباءة بل والمسبحة وسجادة الصلاة من الصين !! .. أليس الغرب هو من قدم لنا كل المخترعات التي نستخدمها من أول الدعوة إلى الله عن طريق أجهزة الاتصال الحديثة  وانتهاء بالأسلحة والمتفجرات التي نتقاتل بها ؟!.

 وبدلاً من أن نجاريه في استرداد مجد حضارتنا الغابر رحنا نتمسك بتفاهات لاتقدم ولاتؤخر  فنحرم قول "آلو"مع أننا لم نخترع الهاتف ، ونحرم لبس "دبلة ذهبية" للرجال  كإعلان زواج وهي خاتم ذهبي رفيع بمقدور أفقر فقير أن يشتريه والحجة في ذلك  أن الذهب محرم دون أن نفهم حكمة تحريمه ، ثم بدأت دائرة المحرمات تتسع شيئاً فشيئاً حتى صارت عيشتنا كلها حراماً في حرام .

 ودائماً تبدأ المسألة بأمور بسيطة وتافهة والشعب المسكين يصدق مايسمع ويخشى الوقوع في الحرمات وكأنه يمشي على سلك رفيع ، وكأنما ليس في الشريعة الغراء سعة لشيء ، صار الشعب يسمع ولايعي وينفذ ولايدرك العواقب ومايدبر له بليل .

 

 وهكذا شيئاً فشيئاً صار المسلمون في مصر شعباً غريباً في مظهره عما عاش عليه سنين طويلة فصرت تعرف  الرجل المسلم  بلحيته الطويلة وسرواله الأفغاني أو الباكستاني ، وصارت المرأة المسلمة تعرفها بحجابها ونقابها وتفننها في الظهور بمظهر قبيح لأن الجمال في ظنها لاترضى عنه الشريعة وليس هبة من الله . 

وماحدث في الجانب المسلم حدث مثله أو شبيهاً له في الجانب القبطي ، فمع انتشار أسماء ذات مدلول ديني عند المسلمين كحذيفة وبلال ومعاذ، انتشرت على الجانب الآخر أسماء بطرس ومرقص وحنا .. وبدأت الأسماء المشتركة تتلاشى من خارطة الأسماء،ومع انتشار القنوات الفضائية الإسلامية ظهرت كذلك قنوات فضائية مسيحية ،ومع ظهور الدعاة الجدد بتدينهم التحريضي العدائي ظهر قساوسة يكيلون بنفس المكيال ويبثون الفتنة والأحقاد بدل الحب والتسامح حتى وصلنا إلى محنة الصراع على الأفراد وخطف المواطنين والصراع على هويتهم الدينية  مرة من الشيوخ ومرة من القساوسة ،حتى صار من السهل على أي امرأة مسيحية أن تشعل حرباً شعواء  بين المسلمين والأقباط إذا نطقت فقط بالشهادتين حتى ولو كانت مدفوعة من قوى تريد الإساءة لهذا الوطن ، لأنها تصير على الفور أختاً مسلمة ينبغي القتال من أجل استردادها، وحتى لو كان نطقها بالشهادتين بسبب كراهيتها لزوجها القبطي ورغبتها في الانفصال عنه ،أو لتلحق بعاشق أو حبيب مسلم ودون النظر إلى سلامة معتقدها وحقيقة إسلامها ، ونفس الشيء يحدث في الجانب القبطي ..

إنه في النهاية مستصغرالشرر الذي يوشك أن يشعل النيران في كل الوطن.

  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز