رسمي السرابي
alsarabi742@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2009

كاتب وشاعر وقصصي من خربة الشركس – حيفا - فلسطين مقيم في الولايات المتحدة ، حاصل على درجة الماجستير في الإدارة والإشراف التربوي . شغل وظيفة رئيس قسم الإشراف التربوي في مديرية التربية بنابلس ، ومحاضر غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة بنابلس وسلفيت

 More articles 


Arab Times Blogs
واحترقت الرموز ... قصة أدبية

                    نادرا ما جلس " سهيل " في مكتبه الذي يشرف على البوابة الرئيسة للشركة ، فهو دائم الحركة ، يفيض جسمه حيوية ونشاطا ، يدقق في الأوراق ، ويفتح الأبواب الخلفية للسيارات الداخلة والخارجة ، لكنه في صبيحة هذا اليوم دخل مكتبه قبل ساعة ، لا يتزحزح من مكانه ، يكثر من التثاؤب ، وكأن النوم لم يغز عينيه على مدى يومين ، وبدا كسولا إلى درجة تثير التقزز ، يمارس عمله كآلة صماء ، فتراه يشير بيده للزائرين بمتابعة سيرهم دون أن يسألهم عن القسم الذي يتجهون إليه ، حري به أن يتحقق من بطاقاتهم الشخصية . وملاحظة ما دون من مواعيد على الحاسوب لهم ، وبدلا من ذلك كان يكثر من حركة أصابع يده اليمنى جيئة وذهابا على جبينه وعينيه يفركهما ؛ ويهز رأسه يمنة ويسرة ليطرد النعاس عن نفسه ، وعندما تقترب شاحنة من البوابة يمد ذراعه بتكاسل ليضغط بإبهامه على واحد من مفاتيح ثلاثة كهربائية مثبتة على جدار المكتب أمامه ؛ ليحرك عمودا حديديا ضخما يصعد في السماء ، يعطي الإذن للشاحنة بالمرور .

   من المعتاد أن يطلب سائقو الشاحنات من " سهيل " تحديد البوابة التي سيخرجون منها ، من خلال جهاز اتصال خاص بالشركة لا ينقطع الصوت الذي يصدر عنه دقيقة واحدة ، ويتوجه السائق دون مناقشة للبوابة التي يحددها " سهيل " ، وغالبا ما تستخدم البوابة الرئيسة للدخول والخروج ، ولا تستخدم البوابتان الأخريان إلا في حال وجود عدة شاحنات في آن واحد تنوي الخروج من الشركة أو الدخول إليها إلا أن ذلك لا يكون متيسرا إلا بوجود رقيب أمن عند البوابة للتحقق من حمولة الشاحنة من خلال الأوراق التي بحوزة سائقها .

      سمع  " سهيل "من جهاز الاتصال شخصا يطلب منه بصوت ممزوج بنبرة حادة أن يفتح البوابات الثلاث معا لدخول ثلاث شاحنات محملة بالعلب الفارغة التي تشتريها الشركة لملئها بالمواد الغذائية المصنعة ؛ لأن سائقي الشاحنات في عجلة من أمرهم ، يريدون تفريغ حمولة شاحناتهم دون تأخير ، عكرت هذه اللهجة مزاج " سهيل " ، ولم تَرُقْ له ، وحاول أن يوضح لمن اتصل به أنه ليس بمقدوره فتح البوابات الثلاث ، وقبل أن يذكر له مبررات ذلك ، سمعه يصيح بصلافة وحزم يخبره أنه المدير الإداري فهو لا يستأذنه ، بل يأمره بفتح البوابات الثلاث معا . رفض " سهيل " طلبه لأن أحد زميليه تغيب عن العمل منذ الصباح ، وزميله الآخر أخذ إذن مغادرة لنصف ساعة ، وبهذا ستكون البوابتان معطلتين لعدم وقوف رجلي الأمن عندهما ، لا شك أنه زهز جالس في مكتبه يستطيع التحكم بالبوابات يفتحها ويغلقها كهربائيا ، لكن عملية التأكد من حمولتها غير مستطاع في هذه الحالة ، وهذا ما اضطره لرفض طلب المدير الإداري ، وإصراره على تحويل الشاحنات للمرور من البوابة الرئيسة التي يشرف عليها ، إلا أن تدخل المدير العام لوى ذراعه .

    دخل الشك في نفس " سهيل " وأخذ يتساءل ما الذي استدعى نائب المدير أن يتدخل في الأمر مع أن المعروف عنه أنه متكبر متعجرف ؟ لم يسمعه في يوم من الأيام يلقي تحية عليه أو على أحد من العاملين في الشركة ، ولم ير ابتسامة تلوح على وجهه ، هل تَهُمه راحة سائق شاحنة ؟ فالشخص الجدير بأن يهتم بأمر سائقي الشركة هو رئيس قسم الحركة ، أينحدر المدير الإداري إلى مستوى سائقي الشاحنات ؟ ويدفع المدير العام ليتدخل من أجلهم . إن هذا الوضع ينطبق عليه المثل " لأمر ما جدع قصير أنفه " . قد تكون إحدى الشاحنات فارغة ودخلت الشركة على أنها مملوءة بالعلب الفارغة ، واستبعد " سهيل " هذا الأمر ، لأن السائق يجب أن يقدم أوراقه التي أخذها من الشركة المصدرة بمقدار حمولته من العلب الفارغة لرئيس قسم المستودعات ، الذي يوقع على تسلمها بعد أن يقوم عمال المستودعات بتفريغ حمولتها ، كما أنه لا بد من تواطؤ مسؤلي الشركة المصدرة معه ، حاول "سهيل " تبسيط الأمر ، يقنع نفسه فما دام أن كرامته لم تجرح وكبرياؤه لم يخدش فالأمر بكل جوانبه لا يستحق أن يشغل ذهنه فيه .
    وبعد ساعتين سمع " سهيل " أحد السائقين يقول :
-
نريد فتح البوابات الثلاث لتخرج كل شاحنة من البوابة التي دخلتها .
استغرب " سهيل " من الأمر إذا كان السائقون شخصيا في عجلة من أمرهم فلماذا انتظروا جميعا حتى يتم تفريغ الشاحنات جميعها ؟ في العادة كل شاحنة تنتظر دورها ليتم تفريغها بعد الشاحنة التي سبقتها ، فلم لمْ يغادر السائق بعد تفريغ شاحنته ؟  رد عليه ليتأكد من الأمر :
-
هل فرغت الشاحنات جميعها ؟
-
نعم ، وأنا توجهت إلى البوابة الثانية . وأنا أقف أمامها . الآن
-
لن تفتح البوابة الثانية ، فهي ليست مراقبة .
-
من مكانك تستطيع فتحها ، وجميع الوثائق تم توقيعها من رئيس قسم المستودعات ، سيقوم السائق الذي سيمر من البوابة التي تقف عندها بتسليم أوراقي لك ، ويمكنك الاتصال به للتأكد من وجودها معه . نحن متعبون أمضينا سبع ساعات سياقة ، نريد أن نرتاح في بيوتنا .
-
إن كنت مرهقا ، لم انتظرت بقية الشاحنات ليتم تفريغها ، كان يمكنك الخروج من الشركة قبل نصف ساعة ، لن أؤخرك سأطلب من الشاحنتين الأخريين التوجه للبوابة الثالثة .
-
لن أغادر إلا من البوابة الثانية أو الثالثة ، وإلا سأضطر بالاتصال بالمدير الإداري .
ولم ينتظر السائق رد " سهيل " حيث اتصل بنائب المدير العام ، فسمع " سهيل " زمجرته يصيح به :
-
من أنت حتى تتحكم بالداخلين والخارجين ؟ افتح جميع البوابات حالا ، وإلا حصل لك ما لا يحمد عقباه .
-
حسنا ، سأسمح له بالمغادرة من البوابة الثانية .
   وما أن أنهى " سهيل " حديثه مع المدير الإداري حتى كان سائق إحدى الشاحنات ينزل من شاحنته ، ويسلمه أوراق شاحنته وشاحنة زميله التي وقعها رئيس قسم المستودعات على أنه تم تفريغها ، وما أن غادرت الشاحنة البوابة الرئيسة حتى ترك " سهيل " موقعه وتوجه سريعا بسيارته نحو البوابة الثانية ، فوجئ السائق بنزول " سهيل " من السيارة يطلب منه فتح أبواب الشاحنة الخلفية ، رفض







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز