نورالدين أماريب
namarib256@yahoo.com
Blog Contributor since:
01 June 2010



Arab Times Blogs
القومية العربية , طعنة خائنة في ظهر الإسلام .

           لا نقصد ههنا "بالقومية العربية " ذلك التصنيف العرقي و التاريخي  الخاص بأمة العرب , قاطني الجزيرة و المنحدرين من النسل الإسماعيلي الكريم , و ليس ذلك ما نحن بصدد تناوله فيما يأتي من حديث , فالتصنيف العرقي و الإثني للناس و التحقق من أنسابهم و أصولهم و مواطنهم أمر لم يعترض عليه الشرع ما في ذلك من شك , و قد ثبت عن رسول الله "ص" سؤاله للوافدين عليه عن أنسابهم و مواطنهم , فلم يهدف الإسلام إلى طمس الهويات و تغييب الأعراق و الأجناس , بل احتفى بالفروق بين أتباعه أيما احتفاء , و كانت دوما من أسباب الغنى الثقافي و الحضاري في في هذا الدين .غير أن الأمر سرعان ما ينقلب انقلابا غير محمود إذا نُظِر للعرق و الإثنية كأساس إيديولوجي لصوغ مذاهب الفكر , و منهج لسياسة البلاد و العباد , و معيار لتحديد أفراد الجماعة يدنون قياسا عليه أو يبعدون , إذا تم شحن الانتماء العرقي بشحنة إيديولوجية فتلك بداية النهاية لأحدهما , فلم تقم الأمم يوما على أكتاف عرق , و لا أثبت مذهب قائم على العرقية فاعليته في قيادة الناس,  ما لم يكن ذا منهاج قويم , و على استعداد تام لتقبل الآخر .

      الذي أقصده بالقومية العربية ههنا , هو الانقلاب العرقي الذي قاده أو ( نفذه )العرب على سلطة الخلافة العثمانية باسم قوميتهم , و هو انقلاب أُشيرَ عليهم بالقيام به تحت إيهام أن الترك إنما كانوا يسوسون رعاياهم العرب سياسة فيها من الإجحاف ما فيها بسبب اختلاف الفريقين عرقا و لغة , و لكن الحال كان غير ذلك , و كان أولى بالعرب أن يقوموا قومتهم تلك مطالبين بالعدالة الإسلامية , و مطالبين بإجلاء الظلم عن الرعية بدل ثورتهم بغية حسر السلطان التركي عن العرب , فقايضوا بالشر ما هو شر منه , و استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير , غير أن اللوم لا يقع كلّيا على العرب في هذا الخصوص , لأنا نعلم أن الأيادي الأوربية كانت المحرك الأعلى لكل تلكم المسخرة القومية , و أوربا في ذلك الزمان كانت يسيل لعابها لتركة "الرجل المريض " , و كانت تريد من غيرها أن يخوض عنها حربا بالوكالة , و لم تجد أحسن من جهّال الأعراب للوقوف في مقدمة الصفوف قبل ظفرهم بجزاء "سنمار" الشهير غير أن هذا شأن آخر لا نبتغي الخوض فيه ههنا .

      لقد دخلت القومية العربية حيز المشروعية الثقافية و التاريخية بكل سلاسة , و بنعومة منقطعة النظير , بل صار البعض يراها امتدادا طبَعيّا للإسلام الذي حاربته حربا ناعمة في كل ميدان و قعدت له كل مرصد , و سعت جاهدة لطمس معالمه من على الأرض و في أذهان البشر . لقد كانت القومية العربية هي مصدر الارتدادات الطائفية للمسلمين العجم , الذين رأوا فيها خيانة للميثاق الإسلامي الذي جمع الأواصر منذ قرون , و استاؤوا من هذه الخطوة العنصرية الصرفة كل استياء , و نذكر من عواقب ذلك قيام دكتاتور تركيا مصطفى كمال أتاتورك بطمس كل ما هو عربي و مسلم في بلاده , كإجراء انتقامي ردا على وقوف الأعراب إلى جانب الإنجليز في الحرب الأولى , و أيضا ثورات المسلمين الأكراد المطالبين بأرض قومية لهم , و كذا قيام جمهورية الريف في شمال المغرب على يد القائد الأمازيغي " محمد بن عبد الكريم الخطابي" , أجل لعبت قومية العرب دورا أي دور في إسقاط حبات عقد الأمة سقوطا حرا , و كانت النتيجة فوق ما احتسب آباء القومية العربية من الإنجليز و الفرنسيين , أضف إلى هذا و ذاك , فتح الأبواب على مصاريعها أمام كل ما لفظه الغير من مذاهب الفكر و مناهج السياسة , فأصبحت ديار الإسلام مرتعا للماركسية , و الشيوعية اللينينية , و الاشتراكية الناصرية , و الدموية الغيفارية و هلم جرا , و ما كان أغنى الناس عن كل تلك الشطحات و هم في حمى الإسلام و حصنه الحصين .

      لعل تخوف المسلمين و انشغالهم ببعض الحركات و المذاهب الفكرية و الجماعات التآمرية ناتج عن توجسهم من عملها في الخفاء , فنجدهم يتعوذون من الصهيونية و و يتحاضُّون على الحذر من الماسونية , غير انا لم نسمع لأحد منهم ركزا إذا تعلق الأمر بأخطر أعداء الإسلام جميعا و أشد الجراثيم دمارا على أذهان المسلمين , إنها الفيروس الهدام العامل في وضح النهار , إنها العدو البيّن الذي يصير مِلْء عينيك فلا تراه , و هي صدى الأعداء الذي طال مقامه بيننا فلم نعد نسمعه , لقد تآلف الجسد الإسلامي مع هذا الداء العضال حتى استعصى عليه أن يلفضه , بل صار يحسبه عضوا من اعضائه , و أولى بالقائمين على امر الأمة , الساهرين على سلامتها الفكرية قبل الجسمانية أن ينظروا إلى هذه القومية المشؤومة نظرتهم إلى الصهيونية أو أشد , لأن ما جنته على الأمة لم يجنه علينا سواها , فقد حرّفت العقائد , و شوهت الأخلاق , و وسعت شرخ الانفصام في هوية المسلم , فلم يعد يدري من مقومات كيانه أيها السابق و أيها المسبوق , و قتلته فكريا و روحيا و تركت جسده يمشي في الناس , و وُفّقت في إسقاط تركيبة شخصوية و موروث تم بناؤه على مدى أربعة عشر قرنا .

       كثيرا ما نرى العرب مستائين مستخفين بما أنجزته انظمتهم أو حكامهم في هذا الميدان أو ذاك , أو نسمعهم مؤنبين لقياداتهم لعدم وصولها إلى ما وصل إليه الأسلاف المسلمون في سالف الأزمان , و يوبخون و قوف اولياء أمورهم اليوم وقفة عاجزة أمام أولئك العمالقة و إنجازاتهم الخالدة , لكن الذي لا يعلمه اللائمون أولئك , هو أن سبيل الحكام اليوم غير سبيل حكام الأمس , و دربهم القومي المتعرج اليوم هو غير الصراط المستقيم الواضح المعالم ذي التزكية الربانية الذي سار عليه الأسلاف , فكيف يُرجى خير من أنظمة و "قادة" نبذوا أعز ما لديهم و رموا أقوى ما يملكون ؟ أنّى لنا ان نأمل خيرا ممن جاؤوا إلى الأقطار الإسلامية حاملين ألوية الفتح و ملوحين براية التوحيد , ثم ما إن فُتحت البلاد و حُكم العباد حتى ألقت أرضا بالإسلام الذي جاءت باسمه , و تحولت إلى قومية عربية مهلهلة تتسع معهم لما يبغون من متاع ( و الله شو شاطرين!!!) كما يقول إخواننا اللبنانيون !!!فكان من عواقب ذلك أن وقع اللوم بغير علم على العروبة و الإسلام على حد سواء ,  تراجعت القناعات الإسلامية في أذهان الناس لتحل محلها قيم الجاهلية و قبليتها العمياء , و صار البعض يظن, و بعض الظن إثم , أن ما نراه اليوم في البلاد العربية هو مظهر من مظاهر الإسلام أو بعض منه , و الإسلام الحق مغيب تغييبا تاما سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا و عَقَديا , و الذي نرى هو جاهلية عربية حديثة يُراد لها أن تسد الفراغ الناجم عن غياب الانتماء الإسلامي القويم , جاهلية تواضب على وعدنا بتنمية قد نرى بشائرها بعد ألف عام , و الله مع الصابرين .

    إن مما يحذو بالمرء إلى التنبيه على خطورة هذا اللبس المفاهيمي , و تعرية هذه القومية الجوفاء التي يخيل إلينا أنها مركبنا إلى بر النجاة لهو الوعي بحقيقة كان رسول الله سَبّاقا إلى صرف أنظارنا اتجاهها , و هي أهمية العنصر العربي المسلم  داخل البنية الإسلامية , فقال صلى الله عليه و سلم " الأئمة من قريش" فجعل عليه السلام العرب و قريشا خاصّة نواة التركيبة الإسلامية , و ذلك لعلمه أنهم لو أقاموا شريعة الله و سنة رسوله اعتقادا و قولا و عملا , فلا يبلغنّ احد شأوهم في رفعة الخُلُق , و سداد الرأي و حكمة المنطق , و لنا في صحابة رسول الله من الادلة خيرها و لكن نؤكد , داخل الإسلام و ليس خارجه , فنلمس لدى عموم المسلمين انصياعا لأولي الأمر العرب بشكل لا يتيسر لسواهم من الناس , كما نجد الأفئدة تهوي إليهم و الناس يعصوصبون حولهم أكثر من اي عرق آخر , ما داموا ناصرين لدين الله راعين لحدوده معظمين لحرماته , غير أن قوميتهم التي ابتدعوها و ما كُتبت عليهم , حرمتهم قيادة الأمة و حرمت المسلمين من نواتهم العربية التي طالما استمسكوا بها , فنأت بهم السبل عن السواد الأعظم من المسلمين ( و هم عجم) , و ها قد بدأ القوميون العرب أنفسهم بالانقسام و التدحرج إلى هاوية القبلية و الطائفية , فبعد الاندحار السياسي للجامعة العربية صرنا نرى " دول مجلس التعاون الخليجي" , و " دول اتحاد المغرب العربي " و لا نعلم حجم الكيانات المقبلة الناجمة عن انقسام الكيانات و الطوائف الحالية , و سيأتيك بالأخبار من لم تزود .

      لقد كلفت القومية العربية المسلمين وحدتهم و عقيدتهم و ريادتهم في العالم , و ها هي تكلفهم ارضهم , فها هي تطردهم خارج صحراء المغرب , و جبال الجزائر , و جنوب السودان و شمال العراق و القائمة تطول , ما داموا أرادوا القومية فسيريدها الجميع , و إذا عمت هانت كما يقال , و لكن ينبغي أن نعلم علم اليقين أنه ما إن تستوفي هذه القومية العربية ما يُراد منها , و تعيد الأعراب إلى جزيرة العرب , فآنذاك يبلغ أعداؤهم بعض الذي أرادوا , و لا أظن أعداءهم تاركيهم كما احجموا عن إبادتهم على مر التاريخ , فهذه المرة لن يخلي سبيلهم " أبرهة" و لا ينشغل عنهم " الإسكندر المقدوني " بعدما رأى الناس جميعا ماذا يكون من العرب إذا استقاموا , فلكل القوميين نقول " لا تمسكوا قوميتكم على هون , و لكن دسوها في التراب , و فرّوا إلى الله إني لكم ناصح أمين "







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز