نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
تعقيب على مقال إلغاء اللغة من المناهج الدراسية للدكتورة انعام نور

 الزميلة الفاضلة الدكتورة إنعام نور

 تحية طيبة

 وكل عام وأنت بخير مع الجميع شكراً جزيلاً لك على الاهتمام وإثراء المقال بمعلومات بحثية عامة ومقتضبة، لكنها قيمة جداً، وهي في ذات الوقت موضوع استطراد كبير لو خرجنا من موضوع المقال –الوجيبة الخفيفة- إلى موضوع البحث –الوليمة الفكرية الكبيرة، ولاشك، كوني خريج آداب إنكليزية، أتفهم كل حرف وكل مرجع وكل معلومة قيمة تفضلت بها، وكانت في مكانها، وتدل على ثقافة لغوية أتت في مكانها وفي السياق تماماً. وقد حاولت كتابة تعليق لكن شعرت بأنه لا يكفي فكانت هذه "المعلقة" المطولة الذي أرجو أن تتحمليها، وأجرك على الله. سيدتي الفاضلة، مع كل ما تفضلت به وأنا معك به تماماً، وهذا ليس رداً على مقالك القيم الراقي، بقدر ما هو تعقيب وبعض الإيضاحات الضرورية، ويمكن لي إيجازها عبر النقاط التالية:

 1- أولا لنعترف أن هذه اللغة الصحراوية هي ليست لغة شرعية فهي لغة المستمر البدوي الغازي الذي غزا الحضارات المجاورة، ودمرها وفرض عليها هذه اللغة الإشكالية المعقدة التي لم تنبع من واقع هذه الأرض، وطبيعتها، بل كانت لغة "جلب" ومفروضة بالقسر الإكراه، ويبدو أن إشكاليتها التاريخية تنبع من هنا. هل لك سيدتي الفاضلة، وقبل كتابة هذا المقال، أن تسألي عن تلك اللغات والثقافة والإرث اللغوي الهائل والحضاري الذي كتب جلجامش، ونقش رسوم ماري، وحفر اللغة المسمارية ماذا جل به وأين ذهب وكيف يمكن استرداده والتعرف عليه، ومقارنته عند ذلك بلغة الصحراء هذه.

ما حدث كان جريمة إبادة وتطهير ثقافي، أحل ثقافة ولغة محل ثقافات ولغات كانت سائدة وجرى طمسها ولم نعد نعرف عنها أي شي على الطلاق. في سوريا اليوم، وفي منطقة معلولا ما زالت اللغة الآرامية محكية، ويطرب المرء ويسكر حين يسمع مخارجها وموسيقاها، وينتابه شعور غريب بروعة تلك اللغة، كما أن اللغة السريانية والآشورية لا تقل سحراً وطرباً حين أسمعها من فم صديقتي الآشورية الرائعة، لم لا ندرس تلك اللغات، وذاك التراث وتلك الحضارات، وتصر وزارات التربية والتعليم العربية أن تتحفنا بسير السيافين والقتلة العرب وغزواتهم العاطفية ومغامراتهم النسائية وسبيهم للصغيرات وكل تلك القصص المرعية عبر تلك اللغة الجافة والقاسية.

 ثم ماذا يعني أنه لا يوجد أي عالم لغوي عربي من الجزيرة العربية وأن سيبويه الفارسي هو أبو اللغة العربية؟ هل في هذا أية رمزية أو دلالات لجهة عدم أصالة هذه اللغة، وتهذيبها، وتشذيبها وقوننتها عبر الآخر وليس على يد أبنائها، وأنها لم تكن بهذا الشكل المتكامل-وبافتراض تكاملها- لولا امتداد يد النحاتين الغرباء عنها، ولذا أتت مبهمة ومعقدة وعصية على الإتقان. واللغات التي لا تتكيف ولا تتطور تنقرض وتتخلف، فلغة اليوم هي لغة الاختصارات السريعة لا الاستطرادات والاستفاضات واللتعقيدات الكثيرة، وهناك اليوم عشرات الآلا من المفردات العصرية واليومية التي لا يوجد مثيلاً لهل في لغة الصحراء، ولا يمكن ترجمتها للغة الصحراء، وحين تتم ترجمتها إلى لغة الصحراء تصبح أكثر من نكتة مبكية مثل كلمة الساندويتس التي تحولت بفعل عبقرية أهل الغة إلى الشاطر والمشطور والكامخ بينهما، وهكذا. نهياك عن عشرات المفردات الغربية العلمية المتداولة التي دخلت لغة أهل الجنة قسراً وبالإكراه وغصباً عن ديناصورات المجمعات اللغوية ممثل التلفزيون، والموبايل، والريسيفير، والباص، والتليفون، والتراين، والهي واي، والسفن آب...إلخ. والسؤال لماذا هرب الناس من هذه اللغة نحو اللهجات المحلية توالدت عشرات اللهجات المحلية عن العربية كالشامية، والمصرية، والمغاربية، والسودانية..إلخ، وكل واحدة من هذه لا تفهم على الأخرى.

 2- أنت تعلمي ما للغة ومخارجها ومضامينها وتركيبتها الفينولوجية من انعكاس على ثقافة الإنسان وتحديد وعيه الحضاري والمدني وقولبة فكره وتحديد شخصيته العامة وساهمت هذه اللغة الصاخبة الغاضبة المدمرة ذات النبرة العالية والمخارج الصوتية الفاقعة _الضاد، القاف، الظاء، العين، الصاد، في بروز متحديثها على المسرح الدولي باعتبارهم ظاهرة صوتية لا غير، لم يقدموا للبشرية سوى الخطابة والكلام الفارغ و"اللعي"، والتهديد والوعيد.

 3- مع كل ما تم إيراده من معلومات قيمة وهامة في مقالك الأكاديمي الجاد والرصين، إلا أن الفكرة الرئيسية لمقالتي، وكل العذر منك، كانت غائبة عن المعالجة، وهي كون هذه اللغة باتت عقبة كأداء في طريق نجاح الطلاب، وعقدة "المنشار" في موادهم وامتحاناتهم المدرسية وسبباً في رسوب كثيرين منهم، وتدني معدلاتهم ونسبة نجاحهم، وبالتالي خسارة مستقبلهم العلمي، وفشلهم التعليمي وتحقيق أمانيهم الخاصة، وما لذلك من انعكاس على المستوى العام، فهؤلاء الطلاب هم الحامل الرئيسي لتطلعات أية أمة من الأمم، وحين يفشلون، فلا شك سيكون مستقبل أية أمة، في خطر وعلى المحط. وحين طرحت هذا الموضوع، فقد كان من واقع تجربة شخصية وعملية، حين أن العلامة التامة في اللغة الإنكليزية أو الفرنسية بالنسبة للطالب هي كشربة ماء وأمر سهل ويسير، ولكنها بالنسبة للغة العربية، أمر شبه مستحيل وبعيد المنال إلا بالنسبة لفئة تعد على أصابع اليد الواحدة بالنسبة لبلد متطور تعليمياً كسوريا، وهذا كان محور مقالتي. أي أن هناك إشكالية واضحة في الأمر يجب التوقف عنده ومعرفة الحلول الناجعة، والعلة ليست في الطالب بقدر ما هي في اللغة، وطريقة تدريسها والامتحان بهت، ولن أكرر عليك معلقة استحالة إتقانها نحويا وأكاديمباً، ومن قبل الغالبية العظمى من أبنائها، وأكاد أجزم بأنها اللغة الوحيدة في العالم الت يلا يتقنها أبناؤها على نحو أكاديمي وبلاغي وقواعدي سليم.

صحيح كما أوردت أن الطفل الصيني يتقن لغته وكذا الفرنسي والإيطالي والإنكليزي على نحو جيد وأكاديمي وحين يتحدث بها تعتقد أنك أمام خريج أكاديمي، ولكن هذا الأمر من تاسع المستحيلات بالنسبة للطفل العربي، ولا حتى الراشد العربي الذي يعيش ويموت ولا يستطيع تركيب جملة سليمة باللغة العربية، إلأا إذا كان أكاديمياً مختصاً، ومع ذلك قد تبهم عليه الأشياء وتستعصي كما حدث مع سيبويه على ما أعتقد حين قال أموت وفي نفسي شيء من "حتى". وإذا كانت النخب في بلادنا لا تتقن لغتها ولاشك أنك تتابعين المسؤولين والنخب العربية وهي "تعجن" و"تخبز" في هذه اللغة، فلا شك أن الأمر يصبح وباء وكارثة وفضيحة "قومية" وإنسانية، حين الانتقال للطبقات والشرائح الشعبية، التي نكاد نجزم بأنها لا تنتمي لهذه "الأمة" من خلال تعاطيها "المتوحش" واللامبالي مع هذه اللغة، وعدم إقامة أي وزن لها. (مع التحفظ الشديد على كلمتي قومية وأمة، لأن امبراطوريات الغزو العسكرية لا يمكن أن تشكل أمة ولا قومية واحدة والدليل ما هو أمامكم مما يسمى بالوطن العربي والذي يضم خلائط إثنية وديمغرافية وعرقية ولونية ولغوية فونولوجية متباينة ولا حصر لها وما يجمعها ويربط بينها فقط هو خلفية أسطورية ورؤية تاريخية سردية مقدسة للكون والحياة متفق عليها فيما بين الجميع غير كافية لتصنع منهم لا أمة ولا قومية ولا تاريخ وهذا هو السبب في العجز عن توحدها في قالب قومي وجغرافي مكاني محدد كالأمة الروسية والفرنسية والإنكليزية، فحسب العقيدة الصحراوية أي مكان في العالم هو حدود مستباحة أمام المد الصحراوي ولا يوجد مكان حصين وممتنع عليها).

 4- إن مقياس نجاح أو فشل أية لغة متأت، زميلتي الفاضلة، من خلال ديناميكيتها، ومرونته وقدرتها على الانتشار، وسهولة اتقانها، ويسر ووضوح قواعدنا، ونحوها، وعبورها للزمان والمكان والمحيط، ولقد اعترفت بمقالك أن هذه اللغة محدودة على الصحراء، بقولك "أفصحهم اصحرهم"، أي أن هذه اللغة هي لغة الصحراء وحين تخرج من الصحرء تفقد قيمتها وأهميتها، ولا يمكن لها التواصل ولهذا السبب توت وتتلاشى خارج تلك البيئة، ولنا هنا أن نتساءل عن السر في عدم انتشارها في المستعمرات الاستيطانية البدوية حتى اليوم في ما يسمى بالمغرب العربي وقسم من السودان، ناهيك عن المستعمرات البدوية في آسيا، وجنوب أوروبا البلقان وتركيا وروسيا, وباكستان , وأفغانستان، وإلى اليوم نميز المسلم غير العربي حين يتكلم تلك اللغة، أي أنها لغة غير قابلة للانتشار، ومحاولة فرضها بالقوة والإكراه فشلت وأفشلت معها كل من فرضت عليه، وهذا هو حالها.

 5- أدرك البعد الأسطوري والغيبي والميتافيزيقي واللاهوتي المقدس لتلك اللغة، وأقدره، لكن هذا شيء والحاجة العملية للغة شيء آخر. وهذا ما حصل أيضاً مع اللغة اللاتينية التي خرجت من التداول بسبب صعوبتها وانحصرت في الأديرة وبين الرهبان. ويحن درست تلك اللغة في الجامعة كمادة ثانية ورأيت مدى تعقيدها اللغوي وصرامة قواعدها النحوية عرفت السبب لخروجها من التداول مثل اللغة العربية ففيها حالات Objective، وDative، وAblative forms، لكل كلمة , ومثلا كلمة Puella في حالة الرفع التي تعني الفتاة تتغير إلى Puellam, وPuelli في حالات أخرى، وعليها أن تتبدل شكلاً ولفظاً مع ورودها في كل مكان من الجملة وحسب إعرابها، وحتى الفعل amore مثلا بمعني يحب يتغير عشرات المرات وحسب الفاعل، والجملة والزمن وهذا ما يخلق لخبطة لذهن المتلقي والمتعلم، وليست الغاية من اللغة سوى التواصل والتفاعل والتفاهم باعتبارها أداة اجتماعية وليست مسرحاً وملعباً للكهنة ومشعوذي القواعد والنحو. وللعلم اللغة الفصحى غير متداولة البتة في عموم ما يسمى بالوطن العربي عكس الفرنسية والإنكليزية المحكية التي لا كبير فرق بينها وبينها الفصحى.

 6- ما يهمنا من اللغة القدرة على التعبير بها، ومعرفة أن هذا الطالب بإمكانه توصيل معلومة أو فكرة أو معالجة موضوع معين، وليس ذبحه وتنكيله من خلال جملة من القواعد والنحو الصارم الذي يفقده القدرة على التنقل والجري في ربوع هذه اللغة. ومن هنا باتت الحاجة ملحة لوضع لغة للتداول العلمي واليومي والأكاديمي تلاءم التطورات والقفزات الخيالية في هذه المجالات، وليس محاول فرض أية قداسة على هذه اللغة، واعتبارها أداة للتواصل والإنتاج الفكري، وليست مرسلاً سماوياً لا يأتيه الباطل من أمامه وخلفه، ويجب أن تبقى كما كانت في الصحراء، وهذه العقلية والديناميكة التي تتعاطى مع اللغة من هذا المنظور هي التي تحكم عليه بالإعدام والموت. فاللغة هي حاضن العقل ومحركه الرئيسي وحين تكون عاجزة ومتكلسة ومتحجرة وعصية على الفهم والانتشار، ستصيب العقل ولاشك بنفس أمراضها، وهذا ما حصل معنا، بالضبط.

قد يكون لموضوع بقية، ولكن الوقت يحاصرني، ويكبلني، ولك مني أجمل وأرق وأعذب تحية، معذ بداية العام الجديد، وكل عام وأنت بألف خير سيدتي الفاضلة. ويبقى السؤال الكبير لماذا لا يتحدث أهل هذه اللغة بها، ولماذا يفشل طلابنا بها، ونخبنا لا تجيدها بشكل كامل Perfect كما يجيدون اللغات الأأخرى على نحو كامل. الإشكالية موجودة والسؤال قائم مؤرق، وينبغي إيجاد خلول له، بعيداً عن الرؤي اللاهوتية والقدسية والغيبية.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز