سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الإعلام الحديث والفشل في إحداث التغيير ... الحلقة الاخيرة

-الحلقة الخامسة-

في هذه الحلقة،وهي الأخيرة،سأناقش بعض الأفكار حول الإعلام الحديث،والتطرق لبعض وجهات النظر المضادة لما ذهبت إليه في الحلقات الماضية.

أولا:لسنا وحدنا

لا يجوز لي  أن أعيب على العرب انشغالهم بمواقع إباحية أو غرف الدردشة أو متابعة الرياضة والفنانين،فيما لو ألقينا نظرة سريعة على وسائل إعلام أمريكية أو غربية سنجدهم وبأسراب كالجراد يتابعون الجولف وألبومات مايكل جاكسون وأخبار المنتخبات الرياضية وحتى الحياة الخاصة للرياضيين والفنانين.

وهذه حجة تبدو برأيي مثل من يلبس ملابس خفيفة وقصيرة في  جو بارد وماطر،ويقول لك في البلد كذا الحرارة مرتفعة والشمس ساطعة،فنحن لسنا كغيرنا لاعتبارات عدة،أهمها أن المشاكل التي نعاني منها كبيرة وفي غاية الخطورة وتتهدد مصيرنا ووجودنا ومستقبل أجيالنا، ولم نصل بعد إلى مرحلة الاستقرار والازدهار المؤدي عادة، حسب علماء الاجتماع، إلى التراخي الممزوج بالترف بشتى  أنواعه.

ورغم ما يقال عن غرق المجتمعات الغربية بما هو تافه،فإن تفاعلهم مع القضايا العامة أكثر مما هو لدينا بلا أدنى شك؛لديكم المظاهرات الضخمة التي تستنكر اشتراك جيوش بلدانهم في حرب العراق،ولديكم النشاط الإعلامي المكثف حول قضايا حقوق الإنسان،ولديكم المظاهرات أمام مقرات قمم الأغنياء ضد العولمة،وحركات النقابات الضخمة المتمثلة بإضرابات واحتجاجات قد تشل دولا بأكملها احتجاجا على قوانين التقاعد أو الحد الأدنى للأجور...فهم ،وإن كانوا كما تقولون، إلا أنهم يتفاعلون مع القضايا الكبرى بحيوية واضحة بعكس الحال عندنا؛فحتى لو انشغلوا بمتابعة الموضات والمباريات فإنهم ينتفضون وبشكل لا تخطئه عين أمام ما يرونه تجاوزا.

ثانيا:لا إضافة لنا

نحن نتلقى التكنولوجيا ونستهلكها فقط،فحين نعلم أن الهند تخترع جهاز آي باد ثمنه لا يتعدى الأربعين دولارا؛فإنك تصاب بالإحباط..فما الذي أنتجتاه؟صفر إنتاج في مجال التكنولوجيا وتطويرها،نحن لدينا طلبة وخريجين أذكياء،لكنهم لأسباب كثيرة يخرجون إلى دول أجنبية تستفيد من إبداعهم،وهم في المقابل يستفيدون مما تمنحهم إياه من العيش الكريم والاحترام بل حتى المساهمة في اتخاذ القرار،فنحن لا ننفق ما فيه الكفاية على البحث العلمي،واستثماراتنا في معظمها ذات طابع استهلاكي آني الربح،وكان يفترض أن يغير الإعلام الحديث هذا النمط الاستثماري ولكن هذا لم يحصل ،ولا يبدو في الأفق ما يبشر بذلك.

فنحن نحتاج إلى الانتقال من دور المتلقي إلى دور المنتج الفاعل في الإعلام الحديث،لعله بعد ذلك يحصل التغيير الإيجابي المنشود..صحيح هناك بعض التحسن،إلا أنه لا يذكر أمام حركة التكنولوجيا السريعة.

ثالثا:حركة القراءة

لا تزال أمة «اقرأ»  لا تقرأ،رغم وجود بعض الجهود المشكورة لتعزيز وزيادة القراء كمّا ونوعا،ووجود العديد من الأعمال العربية الجديرة والصالحة للقراءة مؤخرا،فيما تجد أن الغربيين أكثر ما يشترونه عبر الإنترنت هو الكتب حسب إحصائيات مختلفة،فالكتاب سار بالتوازي مع الإنترنت والفضائيات لدى الآخر،فيما تراجع الكتاب ها هنا لذات السبب؛هذا الأمر يقرع ناقوس الخطر،لاسيما حين نتأكد من حركة تصفح الإنترنت والمتابعة للقنوات الفضائية،فحالنا كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى،فلم نفلح في هضم النصوص الورقية من الجانب العلمي والمعرفي،والمواد الإلكترونية والمرئية التي ننشغل بها لا تنير عقلا ولا تزيل جهلا ولا تنمي مجتمعا.

رابعا:وثائق ويكيليكس

قد يكون رجل  العام  2010م هو جوليان أسانغ،ويعتبر البعض أن من أهم أحداث العام هي وثائق ويكيليكس،ومما لاشك فيه أن أسانغ وموقعه قد صعدا بالإنترنت إلى مرحلة حتى الدول التي تدعي التحضر والتقدم وحرية الرأي والفكر لم تستوعبها، وسعت حثيثا لمحاربته،في السر والعلن،ورأت أنه يجتاز جميع الخطوط الحمراء.

نحن نظرنا،ولا أعمم بالطبع،للأمر من زاوية نظرية المؤامرة،فنحن وبسبب قرون الاستبداد الطويلة،نفسر كل شيء من زاوية المخابرات والتآمر والمخططات السرية،وأنا هنا لا أنفي ولا أؤكد وجود جهات سرية خلف تلك التسريبات،ولكن هذا لا يعفي أي فرد عربي من التدقيق والتساؤل حول هذه التسريبات والتحقق من صحتها...هذا لم يحصل،وانهالت علينا الوثائق كوابل من المطر فجأة،وحتى الآن لا يزال الارتباك يسود أوساطنا،أو أننا نتعامل مع الأمر بأسلوبنا الطفولي العاطفي المعتاد والقائم على ردات الفعل..وفي النهاية لا تغيير يذكر بسبب أسانج ووثائقه على الساحة العربية.

هذه أهم النقاط التي أحببت أن أثيرها في هذه الحلقة،وهناك رأي يقول بأن عشر سنين ليست كافية لإحداث التغيير،فالأمر يحتاج إلى عشر أو عشرين سنة أخرى،كي يتغير الواقع بسبب التكنولوجيا الإعلامية الحديثة؛ولا أدري كيف أرد على هذا الرأي،إلا أنني أرى أنه وقتها ستكون دولنا قد قسمت وجزئت،ومقدساتنا قد هوّدت،وطاقاتنا المنتجة الذكية قد هاجرت أو يئست وانعزلت تماما.

المشكلة أن الإنتاج والمال بيد فئة قليلة،وهي لا تهتز من حركة المعلومات وزخمها الكبير،لأنها تمسك بخيوط اللعبة،وترسم السياسات وأنا لا  أقول بأن هذا الحال سيستمر،فدوام الحال من المحال،لكن كل يوم بل كل ساعة تمر دون البدء بالتغيير مضر بنا وعلى مختلف المستويات الوطنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية،وحتى لو بدأ التغيير فسيكون لترميم الخراب الحاصل وليس للنهوض،فمشروعنا النهضوي في مهب الريح..ولكن قد تحصل المعجزة برحمة من الله،ونسأل الله أن نكون جديرين برحمته وأن تتنزل رحماته علينا!

ملاحظة: هذه الحلقة هي آخر مقالاتي للعام الميلادي 2010 ،وأحب أن أختمها بمقال حول نفس الموضوع كنت قد نشرته بتاريخ 20/4/2008م :-

هل يلعب «الإعلام الحديث» دورا تضليليا ؟

بقلم:سري سمور-جنين

إعلام عصرنا وتحديدا هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تميز بانتشار واتساع نطاق البث الفضائي الذي شمل قنوات متنوعة تتكاثر وتتنافس،وبات جهاز «الرسيفر» في البيت أو حتى المتجر  والصحن اللاقط فوق أي مبنى بغض النظر عمن يشغل هذا المبنى من حيث المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو العلمي علامة مشتركة أو من الضروريات لا الكماليات؛وكذلك انتشار وازدياد مواقع الإنترنت الإخبارية،وهي زيادة تناسبت طرديا مع الارتفاع الملحوظ في أعداد مستخدمي شبكة الإنترنت عموما ولخدمات الشبكات الإخبارية الإلكترونية خصوصا؛ووجود خدمة إيصال الخبر ونشره من خلال الهاتف النقال (الجوال الإخباري) انطلاقا من وكالات إخبارية ومحطات فضائية وشركات وشبكات إعلامية مقابل رسوم مالية ،وأحيانا مجانا لفترة محدودة على سبيل الترويج والدعاية والإعلان لهذه الخدمة والقائمين عليها.

 

هذا الإعلام المعاصر طغى على الإعلام التقليدي السابق الذي ساد طوال القرن الماضي؛من محطات تلفزة أرضية لم تكن أحيانا ترى بوضوح في بعض مناطق القطر أو الإقليم الذي تبث منه وله،ومحطات إذاعية مختلفة وصحف ومجلات مطبوعة،وهذا اضطر جميع وسائل الإعلام التي سادت في القرن العشرين إلى التكيف أو محاولة اللحاق لمواكبة التقدم الهائل في وسائل الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات،فشرعت معظم محطات التلفزة الأرضية بإيجاد نسخة فضائية ،وقامت الإذاعات المسموعة بإيجاد خدمة بث عبر الشبكة العنكبوتية وحجزت ترددات للمحطات المسموعة عبر الأقمار الصناعية ،وبات لكل صحيفة مطبوعة نسخة إلكترونية.

 

هذا التقدم والتطور يأتي في سياق التغير الإنساني لشتى وسائل المعيشة ولجميع أدوات العلم والتعلم ومنها الإعلام،وقد ساهم هذا التطور المتنامي في زيادة أهمية الإعلام وفي دور الإعلاميين والصحفيين،نظرا لأنه لم يعد بالإمكان فرض «جدار حديدي» على عيون المشاهدين وآذان المستمعين رغما عن كل محاولات الوقوف في وجه هذا الطوفان الإعلامي عبر وسائل تقنية وتشريعات وقوانين ستبوء بالفشل،نظرا للظروف الموضوعية الإنسانية لعصرنا وحياتنا ،والإعلام الذي تميز بسرعته الفائقة في الوصول إلى كل مكان،وخفته عبر نجاحه في اختراق أي جدار!

ولكن هل المحتوى أو المعلومة التي يقدمها هذا الإعلام الحديث أو العصري المتطور يتسم بالبراءة والحيادية والسعي المطلق نحو نشر الحقيقة؟وهل المواد الإخبارية التي تصل للمتلقي تتجنب التضليل؟!

إعلام العصر سلاح ذو حدين ؛وللأسف فإن هذا الإعلام أصبح في جانب منه وسيلة تضليل مبرمجة يقع ضحيتها ملايين المتلقين؛ولهذا أسباب عدة منها طبيعة القائمين والممولين لكل أداة أو وسيلة إعلامية فهم بالتأكيد لديهم ارتباطاتهم الأيديولوجية أو العرقية أو القطرية أو الاقتصادية التي تلعب دورا محوريا في طبيعة ما ينشرون ؛واشتداد المنافسة بين مختلف الوسائل الإعلامية الحديثة يدفع الكثير منها للوقوع في خطأ أو خطيئة التضليل ؛وسبب آخر لا يقل أهمية وهو دور الناقمين والمنزعجين من انهيار فكرة «الجدار الحديدي» المانع للأفكار والمعلومات  وعجزهم عن وقف التدفق المستمر للمعلومات ،وقد اكتشفوا أن خير وسيلة لمواجهة هذا الخطر هي امتلاك ما يمكن من وسائل الإعلام الحديثة وتوجيهها وبرمجتها وفق رؤاهم ومعتقداتهم السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

التضليل في إعلام عصرنا متعدد الملامح،والخطر في هذا التضليل أنه في أحيان كثيرة يصعب اكتشافه لأنه تضليل يتفنن في التخفي والتنكر،ومما يساعد على التضليل تلك المقولة المكررة الثابتة أن عصر الديجيتال والإنترنت والبث الحي والمباشر يعطي المتلقي فرصة الاختيار ليميز الغث من السمين ،وأن حرية التنقل من محطة فضائية إلى أخرى بضغطة على زر «الريموت كنترول» وحرية التصفح عبر بحار الإنترنت بضغطة على زر الفأرة(الماوس) أو لوحة المفاتيح (الكيبورد) ،وغيرها من التطمينات الواثقة وهي نظريا صحيحة ولكن الركون إليها خطأ يزيد في انتشار التضليل،لأن الحالة التنافسية والعرض الإعلامي قد حدد  للمتلقي مجموعة أو غَرفة اغترفت له برضاه من بحر المعلومات الموجود أمامه ،فبات لكل متلق مجموعة فضائيات وصفحات ويب «حازت على الثقة» ويمكنها أن تقوده حيث تريد ولو تظاهر أو حاول اتخاذ جانب الحذر والتيقظ؛فقدرة المتلقي تبقى محدودة ومتواضعة في مواجهة الوسيلة الإعلامية التي يقف خلفها طاقم متخصص وممولون بل باحثون عن أفضل الوسائل للهيمنة على طريقة تفكير ووعي المتلقي ،لا سيما إذا أتقنت الوسيلة الإعلامية فن  استخدام «الماكياج الإعلامي» بحيث تتجنب إثارة النقاط الحساسة التي يحرص المتلقي على حراستها وحمايتها،وتنشط في استثارة وتحفيز مدروسة وخفية ومتأنية ومتراكمة للنقاط غير المحروسة في وعي المتلقي.

التضليل الإعلامي المعاصر ربما انكشف جزء منه مثل التضخيم لبعض القوى والشخصيات التي يقارب وجودها على أرض الواقع الصفر بالمئة،ويمارس التضليل من خلال القلب المبرمج لأولويات العرض مثل تقديم خبر مهم على الخبر الأهم أو تقديم غير المهم على المهم من حيث النشر والمتابعة والتحليل والتركيز ،وتضليل آخر تمثل في التقليل من أهمية وخطورة حدث ما عبر إشغال المتلقي بخطر آخر أقل شأنا…ولا يقتصر التضليل على الجانب السياسي مثلما قد يوحي سياق الحديث ،بل يتعداه إلى شتى جوانب المادة الإعلامية المبثوثة ؛خذ مثلا مسألة التركيز على مرض انفلونزا الطيور ونشر حالة من الاستنفار والرعب من هذا المرض ،في الوقت الذي يغض الطرف –نسبيا- عن مرض السرطان،علما بأن المرض الأول لم يقتل منذ استنفر العالم لأجل مواجهته،وسخرت أوقات طويلة ومساحات واسعة من الإعلام بشتى أشكاله في هذا الاستنفار، ما يقارب المئة إنسان فيما السرطان فتك في عام 2007 بحوالي 7.6 مليونا من الناس!

 

لا يخلو الإعلام المعاصر من التضليل بغض النظر عن النوايا والدوافع وبأساليب متقنة قد لا يكتشفها الكثير من المتلقين ،ووجود إعلام غير مضلِل لا يحتاج فقط إلى وجود مخلصين من الإعلاميين مع قدرات ووسائل تقنية ،بل هناك أمر أهم من هذا وهو وجود المال الكافي لتمويل إعلام غير مشروط إلا بشرط واحد:البحث عن الحقيقة وإظهارها…فمن لهذا الإعلام؟!...أ.هـ

كان هذا ما كتبته ونشرته قبل عامين وبضعة شهور،وللأسف لا زلت أنتظر الإعلام الباحث عن الحقيقة،أسأل الله تعالى ان يكون العام القادم 2011م هو عام إعلام الحقيقة من أجل الحقيقة،وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز