نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لا تلغى اللغة العربية من المناهج التربوية؟

 اللغة العربية كلعنة وعقبة كأداء ونكداء في مسيرة حياة الطلاب معظم ما يسمى بالدول العربية، تعتمد اللغة العربية كلغة رسمية للتحدث والنطق بها، وتعليمها لأبنائها. ولكن ما يهو حاصل على أرض الواقع أن نسبة عالية من سكان المنطقة لا تتقن اللغة العربية الرسمية، وتصاب بهلع حين ترى حجم الأخطاء النحوية المريع، ليس للإنسان العادي، بل حتى لمن يسمون بكتاب عرب في لغتهم الأم. ولا يستطيع كثيرون، حتى ممن يسمون بالزعماء العرب، من كتابة أو التحدث بجملة عربية واحدة مما يسمى بالفصحى، (يتندر كثيرون بوصفها بالفصعاء أو الفصعى والعياذ بالله) ، من دون الوقوع بكم هائل من الأخطاء، ولكن أعتقد أنه، في نفس الوقت، لو طلب منهم إلقاء كلماتهم باللغة الإنكليزية لتفوقوا وأبدعوا.

 فهذه اللغة الصحراوية هي اللغة الوحيدة في الهالم التي لا يتقنها أبناؤها، وبالتالي لا يكنون أي نوع من الاحترام لها، لأن احترام أية لغة يتأتي من درجة اتقانها، ولا يستطيعون التكلم بها، وكم أقهقه وأضحك حين أستمع لمسؤول عربي كبير، أو إعلامي، أو متحدث عربي، أو واحد من أولئك المستعربين في إفريقيا، أو ما يسمى بالمغرب العربي وهو يتحدث باللغة العربية، فينصب المجرور، ويجر المرفوع، ويرفع المكسور. ومن النادر أن ترى أناساً يتقنون هذه اللغة اتقاناً كاملاً وقد تستعصي حالة واحدة أو كلمة أو تركيب وإعراب على أساتذة و"بروفيسورات" كبار في اللغة العربية، ويختلفون فيها، ويرجعون لمراجع ومصادر من أجل كلمة تافهة لا تقدم ولا تؤخر في مسيرة الشعوب ونهضتها الحضارية، وهذا ما لا يحدث في أية لغة أخرى.

 ويعتبر الكلام باللغة العربية الفصحى في الشارع والبيت ومع المعارف والأصحاب، أو في المقاهي، أو في الأحاديث الخاصة نوعاً من الدعابة والتندر ويثير السخرية والضحك كما الدهشة والتعجب، ويعزف كثيرون عنه. ويقضي مستشرقون في ديار العرب، ودارسو لغة عربية، ومهتمون آخرون، عشرات السنين بين ظهرانينا في محاولة لدراسة وتعلم اللغة العربية، فيفشلون، ولا يستطيعون إتقانها إتقاناً تاماً ويظهر تلعثمهم، وعجزهم وتطفلهم عليها من أول جملة ينطقون بها بسبب عدم وجود أحرف شبيهة في أي من لغات العالم الأخرى ولاسيما المحكية والمتداولة كالإنكليزية والفرنسية وغيرها، ومن هذه الأحرف الثقيلة التي تكشف متحدثها هي الضاد والظاء والقاف والعين، إذ يستحيل معها لأي إنسان من غير أهلها أو المتحدثين الأأصليين بها أي الـNative Speakers، لفظها بشكل جيد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى،باتت هذه اللغة عقبة كأداء أمام تفوق ونجاح الطلاب، وهي مادة مرسبة ومفروضة على الطلاب المساكين رغم صعوبتها وإبهامها وكونها باتت تشكل عبئاً ثقيلاً ومرهقاً ومحبطاً، وعدم قدرة الطلاب على استيعابها والتعامل معها وكم سمعت طلاباً يرددون ويناجون ربهم "بس ننفذ من العربي".

 وترى طالباً متفوقاً ذكياً يستحصل على أعلى الدرجات في مواد معقدة في مناهج متطورة وعصرية جداً كالرياضيات المجردة الحديثة، وبالرموز اللاتينية،الفراغية والتحليلية والمثلثات والجبر والفيزياء الكهربائية والميكانيكية والنسبية وغيرها وعلوم الأحياء والبيولوجيا (التي تجعل لوحدها من الطالب المتفوق نصف طبيب، وأنا أتحدث ها هنا من خلال خبرة ومواكبة لصيقة وطويلة للمناهج السورية)، ناهيك عن إتقانه للغات الفرنسية والإنكليزية التي تدرس لها كمادتين إضافيتين في المناهج التربوية السورية، وتحصيله لدرجات كاملة في هاتين المادتين وقدرة البعض وهو لمّا يزل بعد في المراحل الابتدائية والإعدادية على التحدث باللغة الإنكليزية والفرنسية والتواصل بها، مع غرباء وهذا من واقع ملموس، فيما يعجز نفس هذا العبقري عن تركيب جملة واحدة في اللغة العربية من دون أخطاء.

وقد تعرفت على حالات مفجعة ومؤلمة من خلال طلاب "شبه عباقرة" ومتفوقين، حصلوا على درجات كاملة في جميع المواد الدراسية للثانوية العامة، بما فيها التربية القومية الاشتراكية، ما غيرها، ولكنهم في مادة اللغة العربية تعرضوا لـ"فصل ناقص"، و"كم" كبير كما يقال في سورية، أي نكسة أو مقلب، وخسروا ما بين 10-15 علامة في مادة لغة أهل الجنة، وخرجوا من مولد الثانوية بلا "حمّص"، وانهارت أحلامهم وأمانيهم في دخول الفرع الجامعي الذي يرغبون، وذهبت كل أتعابهم وجهودهم ومصاريفهم الضخمة أدراج الرياح، وجرى تحول عميق وبنيوي قسري وبالإكراه على مجرى حياتهم وما يصاحب ذلك من أزمات نفسية وشعور بالألم والمرارة، وكم دمرت هذه اللغة النكداء مستقبل أجيال وأجيال وطلاب وطلاب؟ فهل الخلل والعيب ها هنا في المادة الدراسية أم في الطالب المتفوق العبقري؟ وكم سمعت طلاباً صغاراً يشتمون ويتذمرون من اللغة العربية، ويلعنون "ساعتها" نظراً لصعوبتها وتعقيدها ووقوفها حائلاً أمام نجاحهم وتفوقهم ودخولهم الفرع الجامعي الذي يريدونه، ويصبح الأمر كارثياً وأكثر تعقيداً حين الغوص بعيداً في مواد النحو والبلاغة والشعر حيث يطلب من طالب في الألفية الثالثة معرفة أي نوع بيت من الشعر قاله، مع تقطيعه، عنترة، أو النابغة الذبياني، أو طرفة بن العبد، وغيرهم من بدو الجزيرة الذين عاشوا في القرن السادس وربما الخامس الميلادي، وحشو ذهن هذا الطالب المسكين بأوزان شعرية، لن تفيده في مسيرته الحياتية، ولن يكون بمقدورها إطعامه كسرة من الخبز، بينما تتطلب وظيفة "كارسون" في أي مقهى شعبي من إياهم، إتقان اللغة الإنكليزية.

ولو حفظ طلابنا كل التراث العربي وعرفوا تقطيع كل الشعر العربي، فلن يستطيعوا الحصول على وظيفة محترمة، أو التسجيل في جامعة محترمة إلا إذا اجتازوا امتحان التوفل باللغة الإنكليزية، (لماذا لا يدرس التوفل في المراحل الثانوية بدل لغة أهل الجنة مثلاً أليس في ذلك خدمة عملية هائلة لمستقبل الطالب؟)، حتى في تلك الدول التي ترفع رايات التوحيد والاستعراب خفاقة وعالية في السماء، ولسبب بسيط أن اللغة العربية في طورها إلى الانقراض، ولم تعد تناسب متطلبات واحتياجات الحياة، وباتت في مراحل متدنية ومتأخرة عن كثير من اللغات العربية، التي لا يحاول تعلمها إلا سكان كشمير وقندهار ووزيرستان وولاية كيرالا الهندية. فحتى مسلمو تلك البلدان لا يستطيعون قراءة فاتحة القرآن باللغة العربية، من دون تكسير و"بلاوٍ زرقاء".

 وهل لاحظتم أو سمعتم عن أن أية وظيفة محترمة في أي دولة "محترمة" في العالم، تشترط إتقان اللغة العربية للحصول عليها، ومن يفكر بتعلمها أصلاً فلم نرهق أبناءنا الطلبة بتعلمها، وهم لن يفلحوا مهما حاولوا؟ فلم نثقل أذهان ونستنفذ طاقات أبنائنا في عبث وفراغ لا قيمة له؟ وطالما أن نسبة عالية من طلابنا يتخرجون شبه أميين وجهلة بهذه اللغة، يعني مثل قلتها، كما يقال، وطالما أن لغات "المشركين والكفار" هي السيدة والمتسيدة على الساحة العالمية وليست لغة قريش ولغة أهل الجنة؟ ولماذا كل هذه القسرية والإجبار والإكراه في عملية تربوية ونفسية بنتهى الدقة والتعقيد تنعكس لاحقاً سلباً على العقل والتفوق والإبداع؟ وبذات الوقت نرى ذات الطالب الصغير يذهب إلى المدرسة وفي خطواته الأولى ومن الحصص الأولى والبدايات قد أتقن اللغات الإنكليزية والفرنسية وصار يتحدث بطلاقة متباهياً بهما مع انتهاء المرحلة الابتدائية، وصار يحصل على درجات عالية وتامة في هاتين المادتين، وحين يكون قد وصل للمرحلة الثانوية، يستطيع أن يتحدث بها بكل طلاقة، ومنهم من يوفد إلى بلاد أجنبية، ليجد نفسه بسهولة ويسر قد دخل في المنهاج ونجح في دراساته حتى بغير لغته الأم، وتفوق، ويقدم أطروحته بكل إبداع وإتقان باللغة الإنكليزية، فيما سيحتاج إلى خبير ومدقق لغوي، ومصحح، ومراجع ومستشار فيما لو اضطر لكتابة مجرد "بروشو" صغير باللغة العربية، ولماذا يستطيع الطفل الإنكليزي إتقان لغته بدرجة الـPerfect، وهو في مراحله الدراسية الأولى فيما لا يستطيع أحدنا، ومهما "عرضت" أكتافه، و"ثخنت" شواربه، إتقان لغتنا حتى بعد أن يبلغ من العمر عتياً؟ فما السر في ذلك، هل هو في هذا الإنسان أم في تلك اللغة العقيمة المتحجرة المتصحرة، اللغة الوحيدة بالعالم التي لا يتقنها ولا يتحدث بها أهلها، ولا يمكن لأكبر شنب لغوي فيهم أن يحيط بهم. وكم تعرضت لإشكاليات لغوية، أو معاني كلمة من الكلمات، أو مرادفة ومفردة ما، أو حالة إعرابية، (تتعلق بالإعراب)، وذلك من خلال عملي الكتابي والتحريري والترجمة، وكنت ألجأ لخبراء ومختصين باللغة العربية، فأرد خائباً على أعقابي، بجهل مطبق من أولئك "المختصين" والفطاحل حول تلك الحالات المبهمة التي لا يكون أحدهم قد سمع بها من قبل.

 تصوروا وضع مصر، وتشكل وعيها وعقلها الجمعي العام وثقافتها، وبالتالي شخصيتها الوطنية، فيما لو اعتمدت اللغة الفرنسية من أيام نابليون، أو الإنكليزية منذ أيام الاحتلال البريطاني حتى اليوم، بدل لغة وثقافة البدو والصحراء، هل كان حالها وحال أهلها كما هو الآن؟ ولنتخيل وضع ما يسمى بالمغرب العربي، ثقافياً، واجتماعياً، وفكرياً ومدنياً وتقنياً ...إلخ قبل الهجمة الصحوية الأخيرة، وتقويض ثقافة ولغة فولتير وبودليير ومولييرعلى أيادي الجنرالات المستعربين، لصالح لغة الصحراء لغة عنترة وقسورة وحنظلة، كيف كان حالها اليوم لو بقيت على تلك اللغات الراقية وفكرها المرموق بدل لغة الجفاف والقحط والتصحر المريع؟ وقد فعلت هذا الأمر دول كثيرة في العالم، أي يبنب لغات حية وديناميكية فانعكس ذللك على التفكير والوعي والعقل الجمعي العام وهذبته ومدنته، كالولايات المتحدة، ونيوزيلندة، وجنوب إفريقيا، والهند، حيث اعتمدت اللغة الإنكليزية كلغة رسمية، ناهيك عن الدول الفرانكوفونية الفرنسية الإفريقية التي تبدو أكثر تطوراً وممارسة حضارية وسياسية من قريناتها الإفريقيات اللواتي تمسكن بلغات بائدة ومنقرضة وجافة وغير عصرية كحالتنا مع اللغة العربية.

 لتلك الأسباب، وأسباب أخرى، أليس من الأولى والأجدى إلغاء تلك اللغة من المناهج التربوية، وإحلال اللغات العصرية والديناميكية لغات التكنولوجيا، والعصرنة، والتحديث والغد والثورة الرقمية الهائلة، واقتصاد المعرفة، وصناعات المستقبل، بدل تلك اللغة العقيمة الصحراوية القاسية والجافة، العصية على الفهم، كما هي عصية على التعلم والعلم.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز