غادة عبد المنعم
ghada_amoneim@yahoo.com
Blog Contributor since:
27 February 2010

كاتبة وصحفية عربية من مصر

 More articles 


Arab Times Blogs
مقدمة فى نظرية القوة المقبولة – المقال الأخير

(نظرية نفعية وليست مثالية أو غير قابلة للتنفيذ) للأسف .. لا يمكن أن ننكر ما له القبول بقوة الآخر، وما قد يؤدى له من أثار ايجابية فى المجتمعات، خاصة مجتمعاتنا الفقيرة سواء فى علاقتها الدولية مع غيرها من الدول أو داخليا بسبب تحسن توجهات الأفراد فى الاتصال وما ينتج عنه من أثر حسن فى علاقتهم ببعضهم بعضا، فرفض تصور امتلاك كل منا للصح الوحيد، والسلوك الايجابى فى البحث عن جوانب للاتفاق مع الآخرين، ومنحهم موافقتنا للاختلاف معنا، يعنى تقبل الديانات والثقافات المغايرة، بل وتقبل الجنس الآخر، وطبيعته ومنحه من الحقوق ما لنا وهذا التقبل الذى يبدو بديهيا لكل مثقف متحضر، يواجه الكثير من التعثر فى المجتمعات ذات الثقافات والحضارات المغرقة فى القدم والتى تعانى حاليا من مشكلات حضارية نتيجة الفقر و سوء وتخلف التعليم، و نتيجة أخطاء التربية.

 هذه المجتمعات المتدنية حضاريا، كمجتمعاتنا فى الشرق الأوسط، لدي معظم سكانها رفض قوى لثقافة المساواة، ومواطنيها فى كثير من اتصالاتهم يسعون للتصادم لا للتناسق ولا للبحث عن أرضيات مشتركة، وهم وهذه شهادة بحكم الانتماء، لا يتقبول لأول وهلة التسليم بفرضية التساوى فى الحقوق فلماذا قد يقبلون وهم المضغوطون بظروف حياة صعبة، حقيقة التساوى مع غيرهم ويتخلون بذلك عن مسلمة تفوقهم بسبب الدين أو العرق أو الجنس لماذا يرفضون ما يملكونه من أمان نفسى بسبب تسليمهم بتفوقهم ؟!! خاصة وأن غالبيتهم لا يملكون من الثقافة ما يعرفهم بحقيقة أن هذا التسليم هو ما يؤدى بهم لخسران قضايا تنمية بلادهم وتنمية وذواتهم حيث، يركنون لهذا الأمان دون القيام بفعل ايجابى من شأنه حل مشكلاتهم.

 وليقبل هؤلاء بالتساوى يحتاجون لخوض نقاش طويل متعب، والسبب فى طول نقاشاتهم يعود لسببين أولا انتفاء المنطقية كأساس لطريقتهم فى التفكير، وثانيا حاجتهم النفسية للشعور بالتميز والتفوق على من يخوضون معه الحوار حتى يمكنهم تعويض مشاعر خيبة الأمل بسبب أوضاعهم الحضارية المتدنية – حيث يدركون فى قرارة أنفسهم درجة التخلف التى يعانون منها - وسيادة نمط النقاش السفسطائى والذى يدور ويمتد بلا هدف سوى الانتصار على الآخر والذى لا يتم الالتزام فيه بموضوع النقاش حيث يقفز فيه المناقش من موضوع لموضوع آخر غير مرتبطة به وبشكل عشوائى تاركا الموضوع الأول مفتوحا لا بهدف توسيع الحوار أو ضرب أمثلة مرتبطة به ولكن فقط ليجد ا لموضوع المناسب الذى يتيح له احتجاز مناقشه فى قفص عدم درايته بما يناقشه وبالتالى يمكن لهم هزيمته. هذا النوع من المناقشات لا يبنى على هدف معرفى إذن ولكن فقط بسبب حافز نفسى للانتصار وتعويض الشعور بالنقص نتيجة الافتقار للمعلومات والثقافة ولخطة النقاش الناجحة وللقدرة العقلية على التناقش والتحليل والفرز والخروج بالنتائج لذا فإننى أتصور أن قبول هذا النموذج من الاتصال فى الدول الفقيرة سيواجه عدم تفهم هذا على الرغم من كونها أكثر احتياجا ومصلحة لتطبيق هذا النموذج من الاتصال والقبول بهذه النظرية ( القوة المقبولة). وبسبب حاجة المجتمعات الأفقر لاتصال عادل، يبقى من الضرورى تنمية مواطنيها فكريا والأهم تنمية جيل أبنائهم بتعليم مختلف يخلصهم من أزمة التفوق، فالتنمية الفكرية لمواطنى الدول المتخلفة هو الضمانة التى تراهن عليها هذه الدول لتتمكن يوم ما من اكتساب تحضرها ونموها الاقتصادى.

 وبعيدا عن عدم تفاؤلى فيما يخص تبنى هذا النموذج للاتصال فى منطقة الشرق الأوسط فإننى فى الصفحات التالية سأحاول تقديم تبريرات لتصورى عن صلاحية نموذج اتصال القوة المقبولة للتطبيق على مستويات عدة ونفى تهمة المثالية عنه وتوضيح نقطة هامة وهى أن القبول بهذا النوع من القوة الممارس ضدك يؤدى فى النهاية لزيادة مجال حريتك وإضافة العديد من الخيارات لمجال اختيارك؟ كشخص وكجماعة كبيرة أو صغيرة، وكما هو بديهى فإننى غالبا ما سأستخدم مصر وأوضاعها على أكثر من مستوى، كمثال افتراضى.

 فى العلاقات الدولية.. تقوم العلاقات الدولية على أساس سيادة الغنى على الفقير فدول كدول الاتحاد الأوربى أو الولايات المتحدة مثلا، تملك إمكانية الاستيراد من الدول الفقيرة بأسعار رخيصة وتملك إمكانية التصدير لهذه الدول بأسعار مرتفعة، كما تملك إمكانية شن حرب عليها وإمكانية إبقاء أنظمة فى السلطة ببعض دولها وإمكانية اعتماد سياسة لرفض أو عقاب لأنظمة مستقرة بدول أخرى منها، هذه الصورة القديمة أثبتت الأحداث والعقود الماضية عدم صحتها!! فواقع الحال يؤكد أن قدرة هذه الدول الأغنى على فرض إرادتها ليس مطلق وأنها فى مقابل ما تتبعه من نماذج اتصال مبنية على أحادية القوة – هذا فى حال إتباعها لتلك النماذج – تخسر كثيرا، فهى فى المقابل تضع سقف لنموها الاقتصادى لا يمكنها تعديه، سقف يقل كثيرا عن السقف الحقيقى الذى يمكنها الوصول إليه، كما أنها تغلق أسواق مهمة وهى فى طريقها للحد من قدرات دول أفقر على النمو، هذا فضلا على تهديد مصالحها الاقتصادية والأمنية أثناء محاولتها فرض قوتها السياسية.

 وكلنا نعرف سلوك ورد فعل المسلمين المتشدد مثلا على النظرة الثقافية المتعالية التى مورست ضدهم من جانب الغرب الغنى والتى ربطت بين المعتقد الدينى وبين الأوضاع الحضارية المتدنية فى كثير من الدول الإسلامية، كما نعرف أن مصالح الولايات المتحدة تهددت كثيرا بإصرارها على فرض إرادتها بالقوة فى منطقة الشرق الأوسط وهو السلوك الذى مازال للأسف مستمرا من جانبها حتى فيما بعد عهد بوش الابن، ربما ليس بالشدة التى كان بها فى عهد بوش تجاه العرب، ولكنه مازال مستمرا، فتقبل الولايات المتحدة لبلد كإيران مثلا، وحيث هذا التقبل يعنى منحها فرصة للنمو، لم يزد..؟ ورفض الأنظمة غير الديمقراطية الأخرى التى تحكم فى الشرق الأوسط، والتى قد يؤدى زحزحة سيطرتها على السلطة فى بلدانها منح فرصة أكبر للنمو فى هذه البلدان، لم يزد..؟!!

هذا ناتج ربما عن تمسك مؤسسات الرئاسة العتيدة فى الولايات المتحدة بنماذج قائمة على ممارسة "القوة الجبرية" فى علاقتها الدولية وهو سلوك قد أدى لإضرارها كثيرا - خاصة اقتصاديا - حيث تسبب فى ركود أسواقها وتوقف تنميتها الاقتصادية، وهو ما يزداد مستقبلا مع محاولات دول أفريقيا لتحرير موادها الخام من عبء الاحتكارات الأمريكية. وربما كان من صالح الولايات المتحدة تغيير الفكر الحاكم فى مؤسستها الرئاسية والتوجه لخيار منح الفرصة للدول الآخذة فى النمو ( الدول الفقيرة التى تملك أسس تمكنها من النمو الاقتصادى إذا تم تطبيق سياسات تنموية بها) لتحقيق مستويات أعلى فى النمو وتحقيق مستوى أعلى لدخل أفرادها و اعتماد الشراكة الاقتصادية كحل لتنمية سقف تصنيعها ونموها الاقتصادى بدلا من التحكم فى المواد الخام المستخرجة من دول أخرى كطريقة لتحقيق المزيد من النمو والدخل.

 ما يمكن أن تكون عليه المعاملات الدولية الاقتصادية؟ مع الحد من استغلال دول الغرب للمواد الخام بالدول الأفقر، ومع الحال الدولية الحالية حيث معظم مستهلكى العالم يقطنون دول فقيرة، ويحصلون على متوسط دخل محدود، لا يمكنهم من شراء سلع غربية، ستجد الدول الكبرى أنها مضطرة للقبول والمساهمة فى إعطاء الفرصة للدول الفقيرة فى النمو حيث قد تمنح الدول الآخذة فى النمو نوعا من الشراكة، فى صورة عقود لصناعة أجزاء من صناعتها، أو نوعا من التسهيلات يجعلها المقصد السياحى لمواطنيها حيث يلزم مواطنى الدول الأغنى على السفر لقضاء أجازتهم لعدد معين من الأيام فى دول بعينها - كلها من الدول الأفقر- أو أن تدفع برؤوس الأموال الوطنية للاستثمار فى دول بعينها ولكن مع حث تلك الدول التى تملك وفرة من مواد خام بعينها ووفرة مماثلة من السكان ( أيدى عاملة قابلة للتدريب، ومستهلكين مفترضين) للتخصص فى صناعات بعينها، حيث وهو ما قد يحدث مستقبلا حيث ستتجه حركة التنمية تجاه البلدان التى تملك إمكانات للتنمية ولديها عدد كاف من السكان يجعل منها سوق ممكنة فحيث ينتشر المستهلكين ويتوفر العمال، ستذهب المصانع وتذهب رؤوس المال والدول التى ستمثل أسواق وليدة للمنتج الغربى المرتفع السعر تحتاج للكثير من التنمية ليتم تأسيس أسواق حقيقية بها، ذلك لتمكن رؤوس الأموال القادمة إليها فى صورة شركات عابرة للقارات من القدرة على العمل ومن الاستقرار، ذلك أنه سيصبح الانخفاض النسبى القليل فى ما تكلفة الأيدى العاملة والانخفاض القليل فى سعر المادة الخام بسبب توافرها فى منطقة التصنيع، عاملى جذب كافيين لرؤوس الأموال، ذلك أنه بالتدريج سيختفى ما دأب عليه السوق الدولية من تحديد أسعار مرتفعة للمنتجات الصناعية الجيدة، وأسعار منخفضة للمادة الخام المستخدمة فى التصنيع، وستزيد أسعار المواد الخام – والتى سيكون من المناسب عدم إهدارها فى صناعات رديئة أو بيعها بأسعار بخسة حفاظا عليها للأجيال القادمة – كما ستزيد أسعار المواد الفكرية المتمثلة فى الاختراعات والأيدى العاملة البشرية وتقل نسب الكسب عن التجارة*.

 وهذا التطور الثقافى حول ضرورة الحفاظ على المادة الخام سيحل محل ما تم من نهب مستمر لثروات بعض البلدان الطبيعية لمصلحة دول متقدمة اقتصاديا والذى أدى فى النهاية لما نراه من عجز عن الاستمرار فى الثروة التصنيعية فالأعداد الكبيرة من المنتجات الصناعية المختلفة لم يعد يتوفر لها مشتر، حيث تم تصنيع ما يكفى حاجة مواطنى الدول الغنية وبقى المطروح من منتجاتهم الثقيلة ( وهو النوع الذى يكلف البيئة ويستهلك خام أكثر) كبيرا حيث أن الكثير من المستهلكين المفترضين لهذه السلع أكثر فقرا من شرائها وهو ما أدى لضرورة توسيع سوق منتجات الدول الغنية بمد هذا السوق للدول الأفقر وبالتالى صار من الضرورى تحقيق قدر من الثراء والرفاهية لمواطنى هذه الدول ليتمكنوا من شراء منتجات صناعية مرتفعة السعر وهو ما لن يحدث إلا بدرجة من التنمية فى هذه البلاد، تنمية تتطلب تحقيق ثلاث شروط ضرورية:

 • أولا إنهاء تكديس ثروات الدول الأفقر فى يد قلة من السياسيين بها.

 • ثانيا تكوين أنظمة سياسية – فى الدول الآخذة ف النمو - تسعى لزيادة دخل الفرد ( وبالضرورة تملك خطة تنموية)

 • ثالثا زيادة دخل الأفراد فى الدول الأفقر، وهذا لن يحدث إلا بتحقيق احتمال من الثلاث التى طرحتها قبلا (اتجاه هذه الدول لنوع من التصنيع الجزئى، وبنفس جودة الصناعات الغربية ونفس أسعارها ف شراكة مع الدول الأغنى، أو تركيز السياحة العالمية فى الدول الأفقر، أو رفع أسعار المواد الخام ليزداد دخل الدول ذات البيئات الغنية ويقترب من دخل الدول الصناعية) والحقيقة أن تطبيق هذه الشروط الثلاث سوف يساعد كثيرا على استقرار السوق العالمى والقضاء على الهزات التى تؤدى لانهياره كل فترة، حيث سيخلق سوق نشطة مستقرة بالعالم الثالث، وهذا يعنى ببساطة أن تجد فى مصر مثلا 40% على الأقل من السكان فى إمكانهم شراء عربات بى ام دبليو أى أن إنتاج هذه العربات سيزداد ليغطى أسواق بهذه السعة.

 أما السيطرة على سوق المواد الخام وما أدى له فى فترة سابقة من تحقيق ثروات طائلة لعدد من الدول الغنية فهو الاستعمال الثانى والذى أتصور انه فى طريقه للانهيار حيث ستنشط دول العالم الثالث فى تأميم شركات التعدين الاحتكارية الأمريكية والبحث عن شركات بديلة – تمنح لتلك الدول مزايا أكثر وهو ما ستجده ربما فى شركات الدول الأسيوية كالصين والهند وباكستان وغيرها. إذن قد يجبر المستقبل الكثير من الدول الأغنى للدفاع عن تنمية الدول الأفقر ليتوفر لها بذلك سوق أوسع تستطيع فيه بيع منتجاتها حيث يبقى عدد سكان الدول الغنية اقل كمشترين مفترضين من إمكانية الحفاظ على مستوى المعيشة الحالى لسكان هذه الدول فيما بعد نهاية احتكارات المواد الخام. هذه النبؤات حول مستقبل العالم اقتصاديا تبقى مجرد رؤية شخصية، رغم كونها مبنية على ما يدعمها من تحولات عالمية حالية، لكنها لو كانت رؤية دقيقة كما أرجو فإنها تحقق اتصال يتبنى نظرية القوة المقبولة: " حيث يتم فيها اتصال عادل، أى علاقات اقتصادية قائمة على مصالح مشتركة، يسعى فيها الطرف الأقوى لاستمرار العلاقة بتوفيره لمزيد من الوسائل، حرصا على بقائها وبهدف تحقيق مصالح للطرف الأضعف، إلى جوار ما سيحققه من مصالح".

 فى المعاملات الدولية السياسية: علينا أن نلاحظ انه فى المعاملات الدولية فإن الطرف الذى يملك أكبر قدر من المرونة هو الذى يتمتع بميزة تغيير موقعه وتجديد قوته واكتساب زوايا تمنحه نقاط تشكل قوة جديدة له باستمرار القوة المقبولة لابد أن تتميز بكونها قوة غير جبرية وبكونها تمثل للطرف الذى تمارس عليه مصلحة وهو ما يعنى منح الطرف الممارس عليه فعل القوة القدرة على القيام بردة فعل، ليس من الضرورى هنا أن تساوى فعل القوة الممارس ضده، فحجمها يتحدد بحجم مصدرها، ولابد أن ندرك أن فكرة النصر النهائية أو الاستحواذ على كل المكاسب هى فكرة مستحيلة فى هذا التصور وكذلك فان هذه النظرية تدرك حقيقة أن كل الأطراف المشاركة فى أى تعامل لن تصل أبدا لمرحلة الرضا التام عن نتائج التعاملات بينها وبين الطرف الآخر. من هنا يظهر أن امتلاك قدر من المرونة، للسعى لتغيير الأهداف النفعية من وراء القيام بالاتصال، وامتلاك القدرة على المواربة أى عدم المواجهة واتخاذ موقف يكون الطرف القائم بالاتصال فيه غير مواجها لغيره من الأطراف بشكل مباشر ( حاكما على أطروحاته بالرفض أو القبول ) ولكن متخذ زاوية أكثر مرونة تتيح له تأجيل أو ترك النقاط الحادة جانبا والبحث عن نقاط تبادلية بحيث يمنح الطرف الآخر مصالح غير متوقعة فى مقابل حصوله على مصالح تهمه وسوف أطرح نموذجا واحدا فى العلاقات السياسية يوضح رؤيتى، ففى المشكلة الفلسطينية مثلا، واسميها المشكلة لأن كلمة قضية كثيرا ما تكون مناسبة جدا لرغبات الطرف الإسرائيلى، حيث يرتكن إليها مشيرا لأن العرب فى تناولهم لمسألة فلسطين يميلون لمغالاة عاطفية واستخدم مصطلح مشكلة يؤكد أيضا، على وصفها كمشكلة دولية كبرى، تهم الدول كلها لأسباب يعود معظمها للأوضاع الإنسانية السيئة لسكان فلسطين والتى تعتبر مسئولية دولية، وتهم كل الأطراف فى الشرق الأوسط حيث تؤثر فى مصالحهم كل طبقا لنوعية مصالحه المتصلة بها.

 إذن دعنا نتصور أننا كمجتمع دولى من النزاهة بحيث نتبنى نموذج لاتصال عادل وأن هذا المجتمع راغب فى حل هذه المشكلة، كيف إذن قد يمكنه إنهاء الوضع المتفجر فى فلسطين؟ فى إجابتنا على هذا التساؤل لابد أولا أنه سيرى فلسطين كجزء من العالم العربى ( وكلمة عالم هنا استخدمها للدلالة على المنطقة العربية لأن المصالح الفلسطينية يمكن أن يتم ضمانها برؤيتها ككل ضمن مصالح الدول العربية كلها، وهى فرضية ممكنة فقط فيما يخص فلسطين، حيث أن شحنة عاطفية لدى كل الجماهير العربية تجاه أزمتها المعقدة تحميها من تيار تضارب المصالح بين مختلف الدول العربية والذى يحول فى كثير من الأوقات من استفادة الدول العربية كأجزاء من استخدام "مجموع الصالح الكلى للدول العربية" لحماية مصالحها.

 ثم علينا ثانيا أن نفهم المجتمع الإسرائيلى "مواطنين ودولة"، فهو مجتمع يسعى للثراء ولتحقيق مستوى دخل مرتفع وهذا المجتمع سيستجيب إلى حد كبير لحافز مده بمصدر لزيادة دخله، ولا أقصد هنا فتح الأسواق العربية للمنتجات الإسرائيلية وهو المتحقق حاليا فى كل الدول العربية تقريبا، حيث تدخل منتجات إسرائيل لأسواق هذه الدول على أنها منتجات أسيوية، واستخدام الاستيراد من إسرائيل كحافز اقتصادى لها للوصول لتسوية سياسية تحقق صالح الجانب الفلسطينى كان ليكون ميزة يمكن استخدامها لصالح حل المشكلة الفلسطينية ولكن للأسف هذا ما لم يحدث، حيث تم فتح الأسواق العربية لمنتجات إسرائيل مجانا، ونتيجة لعمالة أفراد لا يهمهم الصالح الوطنى، أفراد لا يهمهم سوى تحقيق قدر كبير من المكاسب تجاريا وهو ما يحققه لهم المنتج الإسرائيلى المنخفض الجودة، والسعر والذى يتم عند تسعيره تحديد مكسب مرتفع لتاجر الجملة.

 أما ما يمكن استخدامه كحافز معقول فهو (السياحة العربية + الأيدى العاملة الفلسطينية الرخيصة) وهما حافزان يمكنهما حل المشكلة الفلسطينية ولكن مع استخدامهما بشكل حقيقى كحافز فورى للقيام بالخطوات الدقيقة المطلوبة من الجانب العربى للحل.

 وهذه الخطوات لن تخرج عن الاتفاق على فصل تأشيرات دخول فلسطين عن تأشيرات دخول إسرائيل، منح أى عربى يرغب فى الذهاب لفلسطين تأشيرة تلقائية أى قبول دخوله لإسرائيل بلا تأشيره دخول لزيارة المناطق المقدسة المسيحية والإسلامية الواقعة داخل حدود إسرائيل ولمدة يومين. حيث أن السماح بدخول العرب من مختلف الدول العربية الأراضى الإسرائيلية بلا تأشيرة إضافية لتأشيرة فلسطين، ولمدة 48 ساعة سيمنح إسرائيل حافز قوى للاستيلاء على حصة دول شرق أوسطية أخرى من السياحة العربية، خاصة الحصة التركية، بهذه الخطوة يمكن ضمان فتح تدريجى ولكن فى تزايد للحدود الإسرائيلية الفلسطينية، ودخل قومى مناسب لدولة فلسطين ناتج عن تنشيط السياحة العربية لها، وما قد يصاحبها من بناء منتجع أو أكثر للسياحة الرخيصة على شواطئ غزة، والذى يمكن مستقبلا الإقبال عليه كمصيف من جانب المواطنين الإسرائيليين.

 ثم أن الثبات على تسهيل الانتقال ما بين فلسطين وإسرائيل سيؤدى لنفع الجانبين حيث يتقاسما شراكة اقتصادية قائمة على تبادل استخدام الجانب الإسرائيلى للأيدى العاملة الفلسطينية الرخيصة فى مقابل انتشار المنتج الإسرائيلى فى أسواق فلسطين الأكثر ازدهارا بسبب ازدهار السياحة العربية بها، واستخدام الخبرة الإسرائيلية فى مشاريع تعمير فى فلسطين. ثم يجب كخطوة هامة تقنين قبول الدول العربية لتواجد المنتج الإسرائيلى فى أسواقها بحيث يتم بشروط تحدد درجة عالية من الجودة فى المنتجات المستوردة منها، وتشدد الرقابة على الواردات من إسرائيل ولبنان وغيرها من الدول التى قد يتم تزوير شهادات أصول للمنتجات الإسرائيلية بها حيث يتم عن طريقها نسب هذه السلع لدول أخرى بإدعاء أن التوريد من دولة المنشأ قد تم على أكثر من مرحلة فى النقل. إن هذه الخطوات فى تصورى يمكن أن تؤدى بالحكومات والمواطنين فى إسرائيل لتعديل توجهاتهم فيما يخص فلسطين حيث ستتدخل مصالحهم المتمثلة فى مصدر جديد للدخل كعنصر فى نزاع سياسى تم استخدامه كثيرا لإلهاب المشاعر الوطنية والدينية لتحقيق أغراض متباينة للساسة الإسرائيليين ولجماعات الضغط داخل إسرائيل، ولإسرائيل دوليا من خلال جماعات الضغط اليهودية المنتمية لدول غربية والتى كثيرا ما تستخدمها إسرائيل للوصول لأهداف سياسية ولتحقيق مصالح اقتصادية.

 ولاشك أن تدخل لقمة العيش كعنصر فى نزاع يساعد على سرعة حسمه وعلى لئم الجراح العاطفية الناشئة عنه، وهو ما قد يؤدى فى النهاية لانتهاج سياسة عادلة من جانب إسرائيل مع السكان والمواطنين الفلسطينيين ومع عرب الداخل المواطنين التابعين لدولة إسرائيل، ثم أن ربط دخل السياحة فى إسرائيل بمجمل السياحة العربية التى تستقبلها، وربط دخلها من التصدير بمجمل ما تستورده الأسواق العربية منها، والقوة التى ستملكها الدول العربية الغنية على اقتصاد إسرائيل والتى تعنى إغلاق السوق العربى أمام المنتج الإسرائيلى بمجرد نهج الجانب الإسرائيلى لسياسة غير عادلة تجاه الجانب الفلسطينى أو منع السياحة لها بمجرد انتهاجها لأى نهج يضر بمصالح فلسطين. وإلى جوار ذلك فإن هذه الخطوات فضلا على قدرتها على ربط مصالح إسرائيل بعناصر يمكن للعرب كمجموع التحكم فيها فإنها من جهة أخرى ستفيد فلسطين اقتصاديا بدرجة كبيرة، حيث ستفتح للعمالة الفلسطينية سوق فى إسرائيل، وتفتح للسياحة لفلسطين سوق فى إسرائيل، وتؤدى لمزيد من التنمية العمرانية فيها ومزيد من تدفق الأموال العربية لها وحيث يمكن استخدام أموال المعونات المقدمة لها فى التنمية بدلا من التسليح وتسربها بسبب موجات الغلاء التى تنتج عقب كل إغلاق للمنافذ، ومشكلة فى هذا الطرح تكمن أولا انه لا توجد جهة بما فى ذلك حكومات الجهتين فلسطين وإسرائيل تجد فى دافعها الانسانى من القوة ما يدفعها لتحريك مثل هذه الخطة تجاه التنفيذ، ثم ثانيا أنه لا وجود لقدر قوى من الوطنية لدى كثير من الأنظمة العربية ليدفعها لاستخدام هذا الطرح وتنفيذه ليهدف ويؤدى لنفع الجانب الفلسطينى الحل التدريجى لمشكلته.

 القبول بمساهمة الجميع وإسناد المهام للجميع.. لاشك أننا لاحظنا أن هذه النظرية تدور حول اتصال حر يتوفر فيه تكافؤ للفرص وهو ما يحتاج لقدر مناسب من الديمقراطية وتتصور هذه النظرية اتصال عادل قائم على تنمية الجوانب المشتركة وعدم نفى أو التصارع نتيجة وجود جوانب للخلاف، لا أن يتم ذلك بإهمال هذه الاختلافات ولكن بالاعتراف بها والاعتراف بحق المختلف معنا فى الاختلاف وعدم السعى لتعديل تصوراته لتتوافق وتصوراتنا. وقد تبدو هذه النظرية قالب مثالى للتواصل، وغير واقعى ولا نفعى، وهو ما أحاول نفيه فى هذا الفصل بوضع الحجج وفرض الفرضيات لتوضيح قدرة هذا الاتصال على تحقيق نفعية تساوى أو تزيد ربما، على اتصال قائم على نفى حق الآخر فى الاختلاف وتقديم أطروحات تصور الصح على أنه وجهة النظر التى يتبناها القائم بالاتصال.

 ولنتصور وجود جماعة سياسية تتبنى هذا النموذج للاتصال ( حزب سياسى مثلا ) وليكن اسمه على سبيل المثال (حزب القوة المقبولة).. لاشك أن حزب كهذا سيكون مجبرا عقائديا على تبنى تشجيع قيام الكثير من الأحزاب السياسية كطريقة من طرق التعبير السياسى عن توجهات الجماعات المختلفة فى المجتمع، حتى وإن كانت هذه الجماعات جماعات ذات وجود محدود بسبب قلة المنتسبين لها – 5% من عدد السكان كحد أدنى مثلا - وبالطبع ندرك أن خياره هذا بتشجيع قيام أحزاب صغيرة، هو خيار فى غير صالحه، حيث كلما قلت عدد الأحزاب كلما استطاع الحزب – كل حزب - اجتذاب أعضاء من توجهات متعددة قد يتفقون معه فى كثير من رؤاه، لكنهم لا يتفقون معه فى رؤاه كلها، مجموعات قد تفضل الانتماء لأحزاب أخرى فى حالة إنشاؤها، حيث ستكون الأحزاب الجديدة ذات قدرة أكبر على تمثيل قناعاتهم. وعلى الرغم من تلك الحقيقة فإن حزب القوة المقبولة سيسعى بسبب قناعاته وقيمه المبدئية لمناصرة تكوين الكثير من الأحزاب حتى ولو كانت صغيرة، ذلك لتتمكن كل الجماعات ذات الانتماءات السياسية المختلفة فى التعبير عن أرائها، لاشك إذن أن هذا الحزب يبدو كأنه مضطر طوال الوقت لاتخاذ مواقف مثالية تشبه الموقف السابق، مواقف لا تدعم الجانب النفعى له، ولا تؤدى لتحقيق مصالحه..!! الحقيقة أن هذا غير صحيح، فحتى فى الموقف السابق والذى يبدو شديد المثالية فإن الحزب المشار إليه يحقق الكثير من المصالح، حيث:

 1- سيمكنه توجهه الديمقراطى من خوض غمار ومعترك الحياة السياسية والنيابية بضراوة مدافعا عن وجوده ومستخدما الوسيلة وراء الأخرى لتأكيد أحقيته فى مواجهة أحزاب كان مع إنشاء الكثير منها.

 2- سيقوم ببحث شامل لمشكلات مصر واحتياجات المصريين وكيفية تحقيقها ليقدم جدول انتخابى قائم على حاجات الناخبين، لا على نفى غيره من الأحزاب. وهو ما سيقوى وضعه فى مواجهة بعض الأحزاب التى لا تملك دراسات ولا تتقدم بحلول.

 3- جهده التنموى ومناقشاته المفتوحة لرؤاه قد يؤدى للتقليل البطىء ولكن المستمر من قدر الجماعات المنافسة.

 4- الأحزاب المنافسة القريبة فى التوجه منه لن تجد طريقها السياسى ممهد، ولن تستطيع أمام الاتصالات المفتوحة لهذا الحزب أن تستعير من أجندته حلول جاهزة دون التعرض للسخرية والفضح.

 5- يملك هذا الحزب القدرة على الانضمام لوزارات وتكتلات عديدة دون أن يخالف ذلك أجندته الأساسية. على الجانب الآخر.. دعونا ننظر على الجهة الأخرى لنتائج عدم تطبيق الجماعة الحاكمة فى مصر بواجهتها (الحزب الوطنى) لنموذج اتصال عادل لا يستخدم القوة الجبرية لنفى الآخر، ولننظر لنتائج ذلك فى مسألة واحدة هى رفض الحكومة لقيام حزب سياسى يمثل الإخوان المسلمين. وهو ما لم ليكن لو كانت هذه الجماعة الحاكمة تطبق نظرية القوة المقبولة فى تعاملاتها حيث لكانت قبلت بقيام أحزاب دينية تمثل الإخوان المسلمين وأخرى تمثل غيرهم من فئات الإسلام والمسيحية السياسية والتى تطالب بتكوين أحزاب دينية.

 وكان هذا ليفيد الواقع السياسى المصرى وكذلك ليفيد الحزب الحاكم نفسه وكما يلى: - كانت لتظهر محدودية جماهيرية الإخوان المسلمين والتى لا تزيد فى حقيقتها على 15% من مجموع المتفاعلين مع الأحزاب والاتجاهات السياسية داخل مصر – وهذا بالطبع مجرد تقدير قائم على حسابات متصورة وليس على إحصاء دقيق – والتى كثيرا ما يتم تضخيمها فى ظل محاولات نفيها وما يمارس ضدها من قهر، فتقدم على أنها المعارضة الوحيدة فى مصر أو على الأقل التيار الساحق ضمن تيارات المعارضة السياسية مما يعطى انطباع للجميع مصريين وغيرهم بأن حجم أنصار هذا التيار فى الشارع المصرى لا يقل عن الـ 60% . - سيكون للحزب الحاكم مصداقية عند توجيهه لانتقادات كثير منها حقيقى لبرنامج الإخوان الانتخابى. - الاعتراف من جانب النظام الحاكم المصرى بالإخوان سيؤدى لتقوية خطاب تيارات اليسار المصرى حيث تجتهد فى تدعيمها لخطابها السياسى مما سيؤدى للتقليل من حجم اليمين الدينى السياسى. - الانفتاح فى تكوين أحزاب دينية أخرى غير الإخوان سيفتت الإجماع على هذا التيار كتيار دينى إسلامى سياسى وحيد. - الانفتاح فى تكوين أحزاب دينية مسيحية مع الأخذ فى الاعتبار حجم وعدد السكان ذوى الديانة المسيحية فى مصر سيؤدى لتكون أحزاب لا هم لها إلا مناهضة الخطاب الإخوانى الذى يقوم بنفى الكثير من حقوق المواطنة للمسيحيين وعلى رأسها حق تولى رئاسة الجمهورية. - مع الأوضاع الاقتصادية الضاغطة وإذا تم استخدام هذا الجانب بشكل ذكى من الحزب الوطنى خاصة ( حيث أنه وريث النظام الذى ناصر عمل المرأة فى الخمسينات) سوف يجذب أصوات المرأة التى ليس من صالحها مناصرة الإخوان حيث أن خطابهم قائم على سيادة الرجل ومنع المرأة من الكثير من حقوق مواطنتها كحق الرئاسة والانتخاب وتحديد حق العمل وغلقه عن كثير من المجالات وإلزام الرجل والمجتمع بوصاية عليها. - يعانى تنظيم الإخوان المسلمين من فلسفة تجمع متناقضات شتى فهو مثلا ينادى بالديمقراطية ليتمكن من اكتساب حق الوجود ويعترض عليها كنتاج لثقافة غربية ويرفضها لما ستعطيه من حقوق لفئات يرفض منحها هذه الحقوق كالنساء وغير المسلمين وهذه المتناقضات عند طرحها فى العلن فى جو سياسى مفتوح كان قد منحهم حق الوجود سيضطر الجماعة للعكوف من جديد على فلسفتها وقناعاتها، والعمل على إعادة صياغتها حتى لا ستتعرض للكثير من الخسائر السياسية وإعادة النظر هذه هى ما لا يضطر الجماعة شيئا للقيام بها حاليا مع وجودها السياسى النصف شرعى.

 

هامش *: لا شك أن ثقافة ترشيد التصنيع ستنتشر فى العقود القادمة للحد من التلوث بكافة أشكاله ولترشيد استخدام المادة الخام حفاظا عليها للأجيال البشرية القادمة. للسادة القراء ممن لم يطلعوا على المقال الأول والثانى، يمكنهم مراجعة الرابط http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=18504







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز