نبيل السيد
hilmy.nabil@gmail.com
Blog Contributor since:
29 June 2010



Arab Times Blogs
خط الفقر مرسوما بالصلصة

و الآن ها هو خط الفقر الذى كان يسمع عنه ، و كان يعتبره مجرد خط وهمى و تخيلى . ها هو خط الفقر قد ظهر أمام عينيه واقعاً محسوساً و مرسوماً بالطماطم . الطماطم التى تدخل فى معظم الأطعمة التى تعد فى منزله و التى يحبها و هى مكون أساسى فى السلطة و كان يأكلها طازجة مثل الفاكهة - علماء الزراعة يصنفونها مع الفاكهة . و هو لا يستطيع الاقتراب منها فقد ارتفع ثمنها بشكل يبعدها عن متناول يده و عن حدود ميزانيته . و هناك من يؤكد أن سبب إرتفاع سعر الطماطم هو إصابتها بآفة أثرت فى نموها و هناك من يدعى أنه تأثير تغيرات الطقس و هناك الكثيرين يتهمون التجار بالجشع و الانتهازية و المبالغة فى رفع سعر الطماطم بدون مبرر منطقى .

 و خلاصة الأمرأنه أصبح يرى و يدرك حقيقة خط الفقر الذى كان يسمع عنه من وقت لآخر و قد يكون معنى ذلك أنه قد أصبح فقيرا هو الآخر و صار يعيش تحت خط الفقر ضمن نسبة الــ 40% من الشعب المصرى . ها هو الآن يدرك و يفهم ما كان يحكى عنه صديقه زكى عن الجمبرى ، فقد كان زكى يقسم تاريخ حياته إلى مرحلتين ، الأولى يسميها حقبة ما قبل الجمبرى و الثانية يسميها حقبة ما بعد الجمبرى ، و حقبة ما بعد الجمبرى هذه جاءت بعد أن حظى بعقد عمل فى المملكة العربية السعودية و قد تغيرت حاله بعدها و من ضمن التغير الذى حدث أنه صار يأكل الجمبرى بإنتظام و كلما اشتهته نفسه و ليس بالصدفة العشوائية .

 و كان الجمبرى فى هذه الأيام قد هجر الموائد فى بيوت الطبقة المتوسطة فى مصر و أصبح من الذكريات التى يحكي عنها كبار السن للأطفال . و هو يقر بأنه قد استعار هذه التسمية من علم الجيولوجيا الذى تدرسه إبنته فهم يقسمون تاريخ كوكب الأرض إلى حقب مثلا حقبة ما قبل الكمبرى و حقبة ما بعد الكمبرى ، و هى أشياء قد لا نفهمها و لكن التقسيم الذى اقترحه " زكى " يبدو واضحا و مفهوما للجميع و الذى استخدم فيه الجمبرى بدلا من الكمبرى . و لكن هذا الخط المرسوم بالطماطم هو خط سريع التغير و غير مستقر نظرا لما اشتهرت به الطماطم نفسها بأن أسعارها غير مستقرة و ينعتها العامة بأنها مجنونة - من ناحية السعر فقط - و لا يمكن مقارنة هذا الخط غير المستقربخط الجمبرى - مثلا - الأكثر استقرارا و ثباتا ، و لذلك فليس من الصواب الاعتماد عليه فى تحديد موقعه على الخريطة الإقتصادية فى المجتمع ، أو أن يحدد بشكل قاطع أنه قد إنزلق فعلا تحت خط الفقر و إن كان مازال مؤشرا قويا على أنه صار يقبع على التخوم الفاصلة

. و هو الآن و إن كان قد هدأ قليلا من ناحية إقتراب خط الفقرمنه ، فقد إتجه تفكيره نحو الطماطم ، فقد شعربأن هناك ما يشبه القطيعة بينه و بين الطماطم حتى بعد أن مالت أسعارها للإنخفاض لمستوى مقبول ، تلك الثمرة التى طالما أحبها و كان يعتبرها مصرية رغم علمه بأن أصولها أمريكية . لقد خانت العشرة الطويلة و تعاونت مع الحزب الوطنى الذى يعمل جاهدا على إفقار الشعب المصرى و مطاردة المثقفين و تنكيد عيشهم و لا نستبعد أن خبراء الحزب الوطنى فى النكد قد اكتشفوا من خلال أبحاثهم عن الأساليب المبتكرة للتنكيد على الشعب أن من نكد الدنيا على أطلال الطبقة المتوسطة فى المجتمع أن تُحرم من الطماطم ! ، فلإن ينشغل الشعب و مثقفيه بالطماطم خيرا - للحزب الوطنى طبعا - من أن ينشغلوا بالديموقراطية .

 و الديموقراطية التى نسمع عنها الآن فى مصر هى أيضا ذات أصول أمريكية و هى غير الديموقراطية التى عرفناها فى مصر قبل ثورة يوليو 52 و التى كانت ترجع لأصول أوروبية . و لم يتمكن أى من الناس الذين نعرفهم و نثق بحكمهم من أن يعقد مقارنة بين الديموقراطية الأمريكية و الديموقراطية الأوروبية ، فالديموقراطية الأمريكية لم يحدث أن تجسدت فى الواقع حتى اليوم و إنما هى فقط أفكارا ينادى بها المثقفين و ترد فى إسم الحزب الوطنى " الديموقراطى " و ترد فى أحاديث قادته من وقت لآخر حين يقولون إننا نعيش أزهى عصور الديموقراطية ! رغم إننا لا نراها بأعيننا و الذى نراه بالفعل هو استمرار حكم الحزب الواحد مثل ما كان الوضع أيام الإتحاد الإشتراكى ، فقط تبديل فى الأسماء لا أكثر .

 و الديموقراطية الأمريكية هى من التطبيقات الناجحة للأسلوب الديموقراطى فى الحكم و لكن يظن الكثيرين أن نظام الحكم الأمريكى نفسه قد تلوث بالصهيونية العالمية التى تتسبب للمصاب بها فى ظهور أعراض العنصرية و التعالى و محاولات الهيمنة على شعوب العالم بالإرهاب و الاستهانة بالشعوب و حضارتها . و البعض يؤكد أن الديموقراطية الأمريكية موجودة فعلا رغم أنها ليست فى متناول أيدى عامة الشعب و لكنها مصابة بآفات مثل الآفات التى أصابت الطماطم تمنعها من النمو و الإزدهار و يؤكدون أن إحدى هذه الآفات هى جماعات الإسلام السياسى المتطرفة التى ترفض نظام الأحزاب من أساسه و طبعا ترفض مبدأ تداول السلطة ، فهذه الجماعات ترى أن حزباً واحد فقط يجب أن يكون موجودا على الساحة و هذا الحزب يجب طبعا أن يحمل إسما إسلاميا و يكون على رأسه خليفة المسلمين ليحكم دولة الخلافة الإسلامية .

 و هم يتمسكون بتصوراتهم عن أسلوب الحكم الأمثل بالرغم من رفض علماء المسلمين لهذه الأفكار التى لا تتفق مع إجتهادات العلماء المعاصرين . فدولة الإسلام أيام النبى محمد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و فيما بعده أيام خلفائه الذين سماهم الناس بالخلفاء الراشدين كانت الدولة مدنية حسب مفاهيمنا العصرية ، و لم تكن دولة دينية فالإسلام لم يعرف الدولة الدينية بتاتاً - تلك التى يحكمها الكهنة - كما صرح بذلك كبار علماء المسلمين . و عبارة " الخلفاء الراشدين " التى أطلقها الناس على فترة الحكم التى توالى فيها حكم عدد من صحابة النبى محمد صلى الله عليه و سلم تعنى أن هناك خلفاء آخرين لم يكونوا راشدين و لا خلاف فى ذلك ، فالفترة التى حكم فيها الخلفاء الراشدين مثلا كان يتم تولية رئاسة الدولة بالانتخاب من بين الذين يصلحون للقيام بأعباء الحكم ، أما بعد هذه الفترة فقد أصبح تولى الرئاسة و الحكم بالوراثة أو الصراع المسلح لإنتزاع الحكم و الاستيلاء عليه بالقوة و فرض سلطة الحاكم على المحكومين بقوة السلاح و فرض وراثة الحكم بعد ذلك إلى أن يأتى من ينتزع الحكم بقوة السلاح و هكذا .

و لعل مقارنة سريعة بنسبة الحكام من الخلفاء الراشدين إلى النسبة الأكبر من الخلفاء أو الحكام غير الراشدين تعطينا فكرة كافية عن مدى إتساع إنحراف الحكام عن تعاليم الإسلام و قد يكون هذا أيضا مؤشر عن بعد المجتمعات الإسلامية عن حقيقة روح الإسلام - و إن احتفظت بمظاهره - إذا تمعنا فى الحديث الشريف : " كما تكونوا يولّ عليكم " . و مع إفتراض صحة أن جماعات الإسلام السياسى التى تتبنى مفاهيم جامدة تمثل آفة للديموقراطية الأمريكية ضمن مجموعة آفات أخرى كثيرة ممكن أن تصيبها و تمرضها ، فماذا فعل الحزب الوطنى الديموقراطى (!) الحاكم .. لمعالجة هذا الوضع و مقاومة هذه الآفة ، لقد لجأ إلى أساليب إنتهازية فقد قام بفرض حالة الطوارئ بقانون الطوارئ الذى يعطى لحكومة الحزب الحاكم سلطات مطلقة و قد استغلها فى إرهاب معارضيه و الإطاحة بهم بينما تفرغ هو لنهب ثروات البلد ، و قام بتوظيف مجموعة من الكتاب و المفكرين الذين يطلقون على أنفسهم إسم " كتاب التنوير " و هم مجموعة من الكتاب اليساريين من بقايا فترة الاشتراكية ، و كان دورهم يقتضى مواجهة أفكار جماعات الإسلام السياسى المتطرفة و الجامدة .

 و الفكرة صحيحة فى أساسها ، أى مواجهة الفكر بالفكر ، أو كما يقول دهاة السياسة : " إهزم عدوك معنويا أولا ، ثم يأتى السيف بعد ذلك " ، إلا أن كتاب التنوير كان لهم رأيا آخر و نوايا مبيتة بشرٍ للدين الإسلامى نفسه فهم بدلا من أن يتعمقوا فى فهم الدين و سماحته و تبديد أساس التطرف الفكرى لدى جماعات الإسلام السياسى المتطرفة و إعادتهم إلى الدين القويم ، فإنهم راحوا يكيلون الضربات للدين الإسلامى ذاته و شن الحملات الإعلامية على رموز الإسلام و علمائه الأفذاذ بل و تورطوا فى تسخين الفتنة الطائفية ضمن المخطط الصهيونى لضرب مصر و شغلها بمشاغل داخلية تلهيها عن ما يحدث فى فلسطين و خططهم لإحلال الهيكل مكان المسجد القصى .

 و إذا تأملنا فى خطة الكتاب اليساريين لوجدنا أنهم - مع إفتراض أقصى درجات حسن النية لديهم - مثل طبيب أحمق يعالج المرض بقتل المريض . و أما آفة الديموقراطية الأخرى ذات الأهمية الكبرى فهى إحتكار الحزب الوطنى الديموقراطى للسلطة و الثروة فى مصر والتضييق على ما سواه ، ثم إتجاهه أخيرا إلى توريث الحكم !! . و قد وصف الفنان العبقرى صلاح جاهين لنا السياسة و سقطاتها فى إحدى رباعياته : قالوا السياسة مهلكة بوجه عام و بحورها يا ابنى خشنة موش ريش نعام غوص فيها تلقى الغرقانين كلهم شايلين غنايم و الخفيف اللى عام و عجبى ... و قد خاب أمل الكثيرين فى التجربة الديموقراطية فى مصر و التى كانوا يعولون عليها لتمهيد التربة و توفير المناخ المناسب للتنمية و بعث التنافس الشريف بين أحزاب وطنية تتسابق فى الخيرات لهذا المجتمع .

 و لا يواسيهم تلك المحاولات الصبيانية التى تحاول جاهدة إقناع الناس أن هناك تنمية فى الخفاء ستظهرآثارها قريبا ! ، فالمؤشرات التى ما زالت تتقاطر علينا من هنا و هناك تقول أن هناك خطأ جسيم فى الحالة المصرية و أن الانحطاط فى جميع قواها الذهنية و الجسمانية ترجع إلى وجود مرض عضال تنساب سمومه فى هذا الجسد المنهك من سوء التغذية . ولكن هناك من ظل يبحث عن سرالحالة المصرية محاولا كشفه من العلماء مثل العالم / جلال أمين أو مثل ذلك الشاعر الذى ما زال يبحث و يبحث و لسان حاله يقول :

 فى دأبٍ قد جس و جاس ....
يبحث فى أمرٍ حساس ........
هل فى " السلطة " " خيار " الناس ؟ !! ...
و بماذا عساه يُملح ؟!

............. و أى تنمية فى المجتمع يجب أن يكون هدفها هو الإنسان ، و التنمية تتضمن زيادة الإنتاج و عدالة توزيع الثروة حتى يتمتع الجميع بنتائج التنمية . و نحن لا نرى أى عدالة فى التوزيع حين يكنز أفرادا من المجتمع المليارات بينما لا يستطيع الآخرين شراء الطماطم . و أظن أن هذا الوضع الغريب نشأ من ضعف الشعور بالإنتماء للمجتمع و إندفاع القادة لتحقيق النجاح المادى و إهمال مسؤوليتهم عن بقية فئات المجتمع - طالما تصدُّوا لقيادة المجتمع - و عدم الشعور بوحدة المجتمع و أن المجتمعات البشرية هى وحدات ترتبط مع بعضها البعض فى المجتمع الإنسانى الكبير، فنحن نرى كارثة مثل زلزال يصيب بلدا من البلدان و تقع الخسائر بين مواطنيه و منشآته ، فيهب عددا كبيرا من البلاد الأخرى لتقديم النجدة و المساعدة و تخفيف وقع الكارثة على هذا البلد ، و على رأى المثل العامى : " و كله سلف و دين " ، و المقصود أن هذه الحوادث التى تصيب البلاد و العباد كل البلاد معرضة لأن تحدث بها ، و حين تشارك بلد ما فى نجدة بلد أخرى ، فالبلد الأخرى أيضا تهرع لنجدتها حين يصيبها خطب من الخطوب . و الحديث عن الطماطم يقودنا بطريقة ما إلى الكلام فى السياسة و الإقتصاد و طريقة تنظيم المجتمع ، فمن المعروف أن النظام الإقتصادى فى أى مجتمع هو جزء لا يتجزأ من نظامه الإجتماعى و يسمى النظام الإجتماعى - الإقتصادى ( Socio - Economic System ) و وراء طبق السلطة الموضوع على المائدة هناك نظاما إجتماعيا - إقتصاديا و هو مسؤول عن وجود هذا الطبق و عن جودته ، و هذه النظرة للأمور ليست مستحدثة أو أن جيلنا هو الذى اكتشفها ، بل إننا نجدها فى رؤية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ثانى الخلفاء الراشدين - ظاهرة فى مقولته الشهيرة : " لو أن بغلة تعثرت فى العراق ، لسألنى الله عليها لم لم تمهد لها الطريق يا عمر " .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز