سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الإعلام الحديث والفشل في إحداث التغيير/ح3

 

 

 

في هذه الحلقة سأسلط الضوء على الإنترنت التي تمثل أحد أبرز مظاهر الإعلام الحديث وأثبتت،عالميا،مدى قدرتها على تغيير مفهوم الصحافة والإعلام بشكل جذري..وكان لها عندنا معشر العرب قصة لا تزال تسرد...

تطويع الإنترنت:-

اخترت البدء في الحديث عن شبكة الانترنت ،المعروفة أيضا بالشبكة العنكبوتية،كناية عن التشعب والترابط،لأنني شخصيا تعاملت مع الإنترنت قبل أن أقتني صحنا لاقطا للقنوات الفضائية بحوالي خمس سنوات.

الإنترنت ثورة في عالم التواصل الإنساني بكل معنى الكلمة،بل لو كان هناك تعبير أشد من الثورة لاستحقته هذه الأداة،ومثل سائر بلاد العالم دخلت الإنترنت بلاد العرب،في البداية من أبواب خلفية أو مواربة،أو من أوسع الأبواب لبعض الدول،وفي نهاية المطاف دخلت الإنترنت بلاد العرب عموديا وأفقيا،وأرى أنها لم تعد من الكماليات وإن كانت كذلك بالنسبة للبعض،فإن التطور المتسارع سيجبر الجميع على اعتبار الإنترنت مثل التيار الكهربائي على الأقل.

إعلاميا..وكما قلت في الحلقة الأولى،فقد سارعت الصحف المحلية العربية إلى إطلاق مواقع انترنت تستنسخ الصفحة الورقية لها،دون تحديث  وتغيير،مما دل على البدائية في التعاطي مع الإعلام الإلكتروني المقتحم بخطى سريعة وثابتة لعالمنا،ومع الزمن حدث تطور في شكل ثم محتوى الصفحات الإلكترونية للصحف المحلية المختلفة،سواء تلك التابعة للنظم السياسية،أو المعارضة لها،أو المستقلة،لكنه ما زال ضعيفا.

هذا أمر ليس بالبسيط؛فقد سهل على الفرد الاطلاع على عدد كبير من الصحف بتكلفة بسيطة للغاية،وحطمت الإنترنت بالضربة القاضية الحواجز الجغرافية والموانع الأمنية على الإطلاع.

حدثني أحد أقاربي بأنه وقبل حوالي عشر سنين انتقل بين بلدين عربيين برّا،وكي يسلّي نفسه في الطريق الطويل جدا،وساعات السفر المرهقة، اشترى مجموعة من الصحف من بلد انطلاقه،وأخذ يقرأها في الباص،وحين وصل إلى نقطة الحدود،كان يحملها بيده ونزل من الباص،فاندفع نحوه بعض رجال الأمن بغضب وسألوه ما هذا الذي تحمله..جرائد؟فأجاب:نعم، فأخذوها من يده،واقتادوه إلى أحد الضباط في مكتب هناك،فعاتبه بشده على حمله لهذه الصحف من بلد انطلاقه،وأنه إذا كان لابد يريد أن يقرأ ويتسلى فعليه أن يتخلص منها قبل الوصول إلى هنا،قريبي استغرب هذه الشدة في موضوع الصحف،خاصة  أن البلدين العربيين الجارين بينهما علاقات دافئة وليس ثمة توتر يذكر،فقال للضابط:أنا لا أعرف أنه ممنوع حمل الصحف،لكن أنا أستغرب هذه الحدة واللهجة في التعامل مع الأمر وكأنني أحمل مخدرات،وهنا لم يتردد الضابط بالقول:أحيانا قد تكون المخدرات أقل ضررا مما تحمله،وسأله بلهجة قاطعة:تريد أن تدخل بدونها أم تعود بها من حيث أتيت؟!طبعا أجاب بأنه يستغني عن هذه الصحف،فحملها الضابط أمامه وطواها وألقاها في سلة المهملات أمام ناظريه.

وقد سألت قريبي بنوع من الدهشة عن هذا التصرف وما سببه خاصة أن الصحف لها مواقع إلكترونية على شبكة الإنترنت ولم يعد هناك مجال لمنع تدفق المعلومات بهذه الطريقة؟قريبي الغير مغرم بالانترنت أو الصحف على الإنترنت أجاب بأن قلة هي من تتابع الإنترنت أو الصحف على الانترنت،وأن السبب في منع إدخال الصحف بتقديره يعود إلى احتمال أن يكون خبر معين منشور فيها لم تنشره صحف البلد الآخر،فيريدون تجنب ما يحسبونه مشكلة.

هذه القصة تلخص أشياء كثيرة حول عقليتنا التي لا تزال في مرحلة ما قبل الإنترنت،ولهذا عمدت العديد من الدول العربية إلى حجب مواقع إنترنت معينة عن المتصفحين وهي تعلم يقينا أن كسر الحجب أمر متيسر خاصة عند الشباب،كما أن طريقة النفاذ للشبكة أصبحت غير محددة،منطق الوصاية والأمن بقي متمسكا بالعقل العربي،رغم التطور العابر للقارات،وأحيانا يكون الحجب،بحجة منع بعض المتصفحين من مشاهدة المواقع الإباحية،وبرأيي أن الحجب ليس الأسلوب الأمثل لمعالجة تلك الظاهرة،لأن زوار تلك المواقع من العرب كثيرون،وتقوم الجهات الرسمية أحيانا بمراقبة ما يتابعه المتصفحون بأجهزة وبرمجيات خاصة.

أًصبح المواطنون يطلعون على صحافة العالم،ومواقع إخبارية كثيرة ومتنوعة،وأصبحوا يشاركون في محتويات تلك المواقع،بل لدى المواطن إمكانية إنشاء مدونة خاصة به أو المشاركة في إحدى المنتديات.. وما أدراك ما المنتديات،وهي تحتاج لحديث خاص.

المنتديات والعقل العربي:-

المنتديات شكلت متنفسا للفرد العربي ليعبر عن مشاعره وآرائه ويطرح خبراته ومعلوماته المختلفة،ولكن ،مع الأسف، فقد كان العرب على غير ما يتوقع المتفائلون.

فقد امتلأت المنتديات بالتعميمات،وإطلاق الأحكام الجاهزة،واصطبغت بالتشنج،والحرب الطائفية عبر صفحاتها وأقسامها المختلفة؛فالمسلمون إما«روافض» وإما «نواصب» وكلاهما في النار والعياذ بالله..إذن لمن الجنة...للوثنيين؟ولم تسلم أمهات المؤمنين ولا الصحابة الكبار والخلفاء الراشدون من القدح والشتم والتطاول،ولم يسلم العلماء الكبار أمواتا وأحياء من التهجم والبذاءة التي تكشف عن عقل عربي عُمد إلى تخريبه وقلب أولوياته،وأًصبح كل شيء يفسر من منطلق طائفي؛فإسرائيل انسحبت من الشريط المحتل في جنوب لبنان وأظهرت أنها هزمت صيف 2006م  لتشجيع نشر التشيع،والجامعة الحديثة التي تعج بالكفاءات والخدمات الكثيرة المقدمة للحجيج هدفها دعم الوهابية...والأمثلة أكثر من أن تحصى، فقد اختزل كل شيء في بلاد العرب بمسألة السنة والشيعة؛النواصب والروافض...حسب التصنيف المقيت و بشكل مقزّز. وأنا أؤكد أن هذه الظاهرة كانت منذ إنشاء المنتديات العربية،وليس بعد احتلال العراق،وطغت الطائفية والحوار اللاعقلاني على المنتديات،ولم تقتصر على مسألة السنة والشيعة،بل بين الماتريدية والصوفية والسلفية والصحوية والأشاعرة ووو!

المشهد كان يبعث وما زال على الغثيان؛ولعل هذا ما يشجع الشباب الصغار إلى إراحة عقولهم والتوجه نحو منتديات متخصصة في الفنون الرياضية والترفيه،ومواقع الدردشة،وحتى المواقع الإباحية.

أنا هنا لا أتراجع عن مقالي الذي كتبته قبل أكثر من سنتين عن وضع المنتديات العربية « منتديات تستر العورات...وتقي من الغرق!» فهناك شموع تضاء في ظلمة التشاتم الطائفي والإقليمي ،وتحاول إنارة حلكته التي تصطبغ بمتابعة أخبار الفنانين والرياضيين.

المواقع الإخبارية والتشاركية:-

مواقع إخبارية تتكاثر كالانقسام في الخلايا،ويخضع الخبر أو المقال المنشور فيها في الغالب إلى عوامل عدة منها حجم الحرية المتاح في منشأ الموقع،ورغبات الداعم أو المموّل،وكثير من المواقع إما أنها أغلقت لعدم توفر الدعم الكافي لاستمراريتها أو بضغط من جهة معينة أو غيرت سياستها.

وأتاحت المواقع للمتصفحين التعليق على المواد المنشورة،وبنظرة على التعليقات المنشورة فإنك تشعر بمدى السطحية والحقد،ولو قدر لك أن ترى ما يحظر نشره لشعرت بالغثيان الشديد!

بعض المعلقين يرسلون تعليقات متناقضة لإثارة الجدل العقيم،والبعض يرسل تعليقات حول خبر عن أبحاث تتعلق بمرض السرطان تتحدث عن حروب مباريات كرة القدم أو تعليقات طائفية،وفي التعليقات أخبار لا تدري ما مصدرها،وعلى هذا المنوال تضيع الطاسة!

فالحوار أو المشاركات العربية على شبكة الإنترنت سواء أكان عبر المنتديات أو المدونات أو تعليقات المتصفحين،والذين يبدو أنهم لا يقرءون أحيانا ما يعلقون عليه،تتسم بالتعميمات والأحكام الجاهزة،والإفراط في العنصرية الطائفية،والحديث عن أحداث،لا تدري من ضخامتها،كيف علم بها ناشرها وتفرّد بها دونا عن كل إعلام الدنيا،ومطلوب منك التصديق لأنها من مصادر خاصة وموثوقة!

ومع تطور الإنترنت التي لم نخترعها ولم نسهم في تطويرها؛ ظهرت المواقع ذات الطابع التشاركي مثل الفيس بوك وتويتر ويوتيوب،وكانت المشاركة العربية فيها عموما تجري وراء الفضائح أو توافه الأمور أو تعزيز الطائفية والعنصرية أو حوارات الطرشان،ومن لديه شك فليخصص نصف ساعة من وقته الثمين ويتأكد بنفسه.

الخلاصة أن الإنترنت جاءت لمجتمعنا المملوء بالمشاكل الذاتية أو التي تسبب فيها من اخترعها وصدّرها لنا ،ولم تطرح القضايا الهامة للبحث وإيجاد الحلول المنطقية ،بل ما زالت تعالج على نطاق محدود «انترنتيا» بأسلوب عاطفي لا يخلو من السطحية إلى حدّ إشعارك بالبلاهة،وأهم القضايا برأيي هي:-

1)    قضية فلسطين واحتلالها.

2)    احتلال العراق.

3)    مخاطر التقسيم والتفتيت.

4)    قضية الاستبداد السياسي،التي صرخ الكواكبي محذرا منها منذ قرن ونيف.

5)    قضايا الفقر والبطالة وتوزيع الثروة.

6)    قضية بناء الدولة المدنية بعيدا عن العصبيات بأنواعها.

فهل فعلا هذه هي القضايا التي تهم جيل الإنترنت أم «شورت» ليونيل ميسي،وزواج مادونا،وحبل نانسي وزواج إليسا وألبوم سعد الجديد؟!

ولا يختلف حالنا مع الفضائيات وهي موضوع الحلقة القادمة.....يتبع

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز