سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الإعلام الحديث والفشل في إحداث التغيير/ح2

-الحلقة الثانية-

 }أواصل نشر حلقات مقال فشل الإعلام الحديث في تغيير الواقع العربي بعكس ما توقعه الكثيرون،وأرجو أن يكون واضحا أن هذه الحلقة ليست للدفاع عن القوى المعارضة للنظم ،بل تبحث في تصرف النظم مع الإعلام الذي تراه مناوئا لها،وقد لا يكون كذلك بالضرورة،و بطبيعة الحال استخدمه معارضون،وقد يكون هؤلاء أحزابا أو نقابات أو أفرادا.... {

 

ثالثا:مرحلة الامتصاص والمرونة

يبدو بأن الأنظمة قد تجاوزت مرحلة الارتباك وردّات الفعل الارتجالية العنيفة والمتشنجة وانتقلت إلى مراحل أخرى ،كامتصاص الحالة الإعلامية الجديدة وإبداء المرونة في التعامل معها حيث باتت أمرا واقعا يصعب تجاهله،ولاشك أن الثورة التكنولوجية قد أفادت الأنظمة والمقربين منها من رجال الأعمال ماليا،وانتشرت الشركات المزودة لخدمات الإنترنت في بلاد العرب وما يوازيها من شركات ومؤسسات أخرى،وشركات بث فضائي ومدن إعلام جديدة،فأخذت النظم تنظر للتطور الجديد من باب أن له حسنات مالية لا يستهان بها.

وانتقلت النظم من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم على منتقديها والمشككين في وطنيتها أو ديمقراطيتها أو احترامها للحريات العامة أو نظافة يد مسئوليها؛حيث أصبح رجال الأنظمة الرسميين وشبه الرسميين ضيوفا دائمين على الفضائيات المختلفة،وعلى رأسها تلك التي يشككون في أهدافها وتمويلها وغير ذلك،وأخذ هؤلاء يردون على التهم الموجهة إليهم بأساليب مختلفة تطورت مع الزمن؛ففي البداية أخذوا يدافعون على أنظمتهم ويمجّدونها ويسهبون في إبراز دورها في تحرير فلسطين والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه المشروعة والحديث الذي لا يخلو من المنّ والتفضّل عن المساعدات المقدمة للفلسطينيين رغم اتباعه بعبارات نفي أن يكونوا يمنّون!

 وتحدثوا وما زالوا عن دعم أنظمتهم للوحدة العربية،وحرصها على استقرار ورقي العرب،وعن دور أنظمتهم في خدمة الإسلام وافتتاح المساجد والجامعات والمعاهد الدينية،وسماحهم للمعارضة بقول ما تريده،هنا أتحدث بشكل عام يغلب عليه التجميع،ثم انتقل المتحدثون من رجال النظم السياسية إلى مرحلة الهجوم على الآخرين كنوع من تبرير ما يقومون به؛ فمثلا إذا ظهر نشاط تطبيعي مع إسرائيل أثار انتقادات وسخطا شعبيا ؛انبرى هؤلاء إلى القول بأن الدولة الفلانية فيها قواعد عسكرية أمريكية،والدولة الفلانية سبقت في التعامل مع إسرائيل دبلوماسيا أو اقتصاديا،والدولة العلانية أرسلت قواتها إلى المنطقة كذا من العالم..وهكذا، ثم انتقل هؤلاء إلى مرحلة متقدمة تعكس مدى الثقة بالنفس وباستقرار النظم،تمثلت بكونهم يوجهون النقد والنصح لأنظمتهم وزعمائها من داخل أوطانهم وعلى الملأ،ولا يتعرض لهم أحد، ويتلقى المسئولون في دولهم نقدهم بكل صدر رحب،بينما هناك أناس لهم أغراض ونوايا خبيثة يعيشون بعيدا في فنادق خمس نجوم(تتكرر كثيرا هذه العبارة) ويتلقون ملايين الدولارات من السي آي إيه والموساد للعبث بالأمن والاستقرار وهدفهم استحداث الفوضى من أجل مصالح شخصية وخدمة لجهات مشبوهة،وأحيانا خاضوا بالحياة الشخصية لأفراد معينين وتساءلوا بمكر عمن يقف خلفهم...إلخ.

رابعا:مرحلة السيطرة المدروسة

شكلت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001م  فرصة ذهبية للأنظمة للفتك بمعارضيها أو احتوائهم،فتحت يافطة الحرب على الإرهاب،والمعنى الفضفاض لمفهوم الإرهاب وبسبب سياسة جورج بوش المعلنة(من ليس معي فهو ضدي) انقضّت النظم على معارضيها بزعم تورطهم في الإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر،فيما غرق التغريبيون أو أدعياء الليبرالية في الهجوم على العقيدة أو على المناهج الدينية وضرورة تحرر الفكر باتجاه التغريب،ودخل هؤلاء الليبراليون الجدد في حلف ضمني مع النظم القائمة،لأن النظم ضمنت أنها بعيدة عن السجال الطبيعي القائم بينهم وبين من يخالفهم الرأي،فيما تبقى النظم تتفرج بل وتغذي الصراع،لأنها نظم تقول بأنها مع الإسلام لإرضاء الجمهور وضد الإرهاب لإرضاء الأمريكيين وتتخذ إجراءات قد تبدو متناقضة إلا أنها تخدم وجودها واستمرار هيمنتها الشمولية وهو هدفها الرئيس أصلا.

وشكل احتلال العراق وما تبعه من أحداث طائفية مؤلمة فرصة ذهبية لابتعاد النقاش عربيا عن الأساسيات ،فقد انشغل البعض بالحرب الطائفية والتحريض الممزوج  بالشتم ،وانشغل آخرون في محاولة لمنع الثقافة الطائفية من التسرب من الثقوب الكثيرة الجاهزة لها،وسلمت الأنظمة واستراحت،خاصة مع حالة الخوف من مصير كالمصير المأساوي للعراق في شتى أنحاء أقطار العرب.

ويبدو أن النظم اعتمدت على دراسات من خبراء أذكياء محترفين إضافة لوسائلها الأمنية في معرفة اتجاهات الرأي ونمط التفكير، وتوصلت إلى استنتاجات هامة مكنتها من السيطرة على اتجاه الإعلام؛منها أن العقلية القبلية لا تزال تتحكم في عقول الناس وردات فعلهم ومسلكياتهم رغم ما بأيديهم من وسائل تكنولوجية،وعليه يمكن توجيه هؤلاء إلى حروب وخصومات على أساس قبلي أو إقليمي أو طائفي أو طبقي،أو على الأقل الحفاظ على زخم ضخ المعلومات لمن يتجه تلك التوجهات،وهذا ما يلاحظ،ومنها أن الدولة العربية المعاصرة باتت بحكم القبضة الأمنية والتحكم في موارد الدخل تمسك بزمام المبادرة، وقليل من يغامر في تحديها،ولا بأس بالسماح للناس بالتنفيس عن غضبهم عبر الإنترنت والفضائيات بل والسماح لهم أحيانا بتنظيم المظاهرات والمسيرات،فالوضع تحت السيطرة،ومنها أن المعلومات وثورة التكنولوجيا جاءت إلى مجتمع لا يتطور بشكل طبيعي تلقائي وما زال يعيش أجواء الحرب الباردة، وإفرازات الاستعمار ومرحلة التحرر ،وهو مملوء بالمتناقضات ،ومن الصعب أن يتفق المتناقضون أيديولوجيا واجتماعيا وثقافيا على رأي واحد وفكرة متكاملة تتعلق بالأنظمة وسياساتها،ومنها أن الشريحة الأكبر والأهم في المجتمع العربي وهي شريحة الشباب قد اندمجت في استخدام التقنيات الحديثة بما لا ينفعها ولا يضر  الأنظمة بأي حال،فالشباب جزء كبير منهم منشغل في تصفح المواقع أو القنوات الإباحية أو الرياضية وأخبار الفنانين والراقصات، أو إقامة علاقات صداقة بهدف الخروج من بلده عبر صديق/ة إلى ما وراء المحيط،وبعضهم يكتب الأحاديث النبوية بخط جميل وفلاشات وينشر الأدعية عبر المجموعات البريدية ويدعو من تصله إلى نشرها لينال الثواب الكبير مع تهديد ووعيد صريح أو مبطن إذا لم يفعل المتلقي ذلك ،أو يرسلها كمسجات للفضائيات ويظن أنه بذلك قد قام بواجبه نحو دينه وأمته،ولم يبق لا فقر ولا بطالة ولا ديكتاتورية ومخططات تفتيت و مقدسات مهددة ولا ولا...!

وبقيت العصا موجودة وتستخدم في مواسم وأوقات معينة بهدف الترهيب وتوجيه الرسائل،فيتم بين حين وآخر اعتقال صحافيين ومدونين،وحجب مواقع انترنت ثم رفع الحجب عنها لاحقا،وإغلاق مكاتب فضائيات أو التضييق عليها.

وخلاصة الأمر أن الأنظمة لم يعد يهمها ولا يثير حساسيتها ما كانت تعتبره تابوهات أو خطوطا حمراء؛فهي تعلم ما ينشر عنها من معلومات تتعلق بسياساتها وعلاقاتها وطبيعة ممارسات مسئوليها،وتعلم أن مواطنيها يطلعون على ما ينشر ويتابعونه،ولكنها تعلم أن همّ المواطن هو لقمة العيش أو مزيدا من الرفاهية،أو فيزا هجرة و فرصة عمل محترمة،والعقلية الطائفية والتعصب القطري والقبلي والجهوي مترسخ لديه،وربما آخر همّه تغيير الوضع في بلده،فضمنت الأنظمة سيطرة مدروسة ومتكاملة على الوضع،ولم يزل أهل التفاؤل الذين بشروا بخيرات التقدم التكنولوجي وانعكاساته الايجابية على حال الديمقراطية والتنمية وغيرها في حلمهم الجميل.......يتبع







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز