نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
أيهما أولى بالنقد: المسيحية أم الإسلام؟

كثير من الكتابات الناقدة لبعض الكتاب تتعرض لموضوع هام وحساس، يبنى عليه الكثير من الافتراضات والنظريات والتأويلات، وهو ما السر في عدم تعرض بعض الكتاب التنويريين والعلمانيين، غير المتدينين أو لنقل الملحدين، منهم و"منهن" لنقد المسيحية ما يعتبر تحيزاً، ولا موضوعية، وقلة نزاهة، وعداء للإسلام والمسلمين، لا بل والذهاب أكثر نحو أكثر من ذلك في القول بأن هناك تبشيراً مسيحياً من خلال هذه الكتابات، لكتابات وكاتبات، هم و"هن" أبعد ما يكونوا عن الالتزام بأي فكر ديني فرزمة الفكر العلماني والتنويري واحدة، ومبضعه، لا يوفر بين فكر غيبي وآخر، وأسطورة ملحمية دينية وأختها، ولتوضيح هذا الالتباس لا بد من سرد عدة نقاط هامة، ليس دفاعاً عن أحد فباستطاعة أي من الزملاء والزميلات الأعزاء الرد بأطنان من الكتابات على منتقديهم، ولا تبريراً، لنقد الإسلام، والمسلمين بحال، بقدر ما هي محاولة لتسليط الضوء على زوايا وأسباب لنقد الإسلام.

 بات كثيرون يأخذون على البعض نقده للإسلام فيما يعتبر نوعاً من التحيز للمسيحية وتفضيلاً وتبشيراً بها كما يقول البعض. من المعلوم تماماً أن ما تعرضت له المسيحية من نقد من قبل المسيحيين في عصر التنوير لهو أكثر بكثير مما تعرض ويتعرض له الإسلام من نقد وتشرير، وقد قال فيها مصلحون من أمثال مارتن لوثر وكالفن وغيرهم ما لم يقله مالك في الخمر، ما أفضى لاحقاً لانهيار وسقوط الكهنوت المسيحي والأسطورة الدينية في الغرب، وكان قد اضطلع بهذه المهمة ، سابقاً ،ولاحقاً كتاب تنويريون غربيون علمانيون، مسيحيون أصلاً، أصبحت أسماؤهم لاحقاً منارات في الفكر والتنوير، ولم يكونوا مسلمين، أو يهود، أو بوذيين، ما يعني بالدارج أنه على كل فرد أو مجموعة بشرية أن "تقلع أشواكها" بأظافرها، و "أهل الدار" أولى بهذه المهمة من غيرهم.

 ولقد تعقلنت المسيحية، وارتدعت ولجمت جموحها ضد المجتمع إلى حد ما، فيما بعد وخرجت من الساحة السياسية والمجتمعية تقريباً وانفتحت الساحة على مصراعيها أمام كل أشكال النقد والتشريح ووضعت كافة التصورات عن الوجود في إطارها الصحيح. ومن المعلوم أيضاً، أن الغالبية العظمى من سكان هذه المناطق المنكوبة هي من المسلمين، ومن الطبيعي أن يناقش موقع الحوار المتمدن، وكتابه التنويريون، الفكر والإيديولوجية التي تحكم وتتحكم بهذه الشعوب، وأثرها على العقل الجمعي العام، وبالتالي السلوك والأداء الإنساني المتواضع الذي كان السبب فيما أوصلها لهذا الدرك والحضيض البشري المريع والمخيف.

 فالثقافة السائدة والبنية الفكرية في أي مجتمع هي الوحيدة المسؤولة عن رفعته أو تخلفه. وحين كانت أوروبا تعيش بخزعبلات المسيحية وشعوذاتها لم تكن كثيراً بأفضل حال مما نكابد ونعاني اليوم من سطوة الخزعبلات والأراجيف والاتجار بالدين، وتواضع الرؤية والتفسير الديني والغيبي للحياة وانهزامه، في ظل بروز قوة العقل التجريبي النقدي والعلم الذي دحض الكثير مما كان سائداً من أفكار ومعتقدات ما زال البعض متمسكاً بها وهي سبب هلاكه وتخلفه، ومن الطبيعي تعريتها وإزاحتها وتحييدها من طريق هذه الشعوب، وتقديم البدائل العقلانية والمنطقية لها، والتي كانت السبب في تقدم وازدهار وتفوق شعوب أخرى أخذت بهذه الأسباب، أما الإصرار على التمسك بها فما هو إلا سبيل للموت والانتحار، وإصرار على مكابرة فارغة وتعلق بأوهام كبيرة، لم تفلح في ؟أوجها، وكذلك لن تفلح الآن.

 لقد لازم الإسلام السياسي وصراعاته على السلطة هذه الشعوب المنكوبة 1400 عام كانت الأكثر ظلماً وشؤماً وحرباً وسوداوية في تاريخ المنطقة، حيث سادت الحروب والصراعات وأسالت الدماء الغزيرة، وتفرقت الشعوب إلى ملل ونحل وطوائف وعشائر ومذاهب متناحرة، وكانت المسيحية غائبة تماماً خلال الـ1400 عاماً الماضية، ولم تكن بحال مسؤولة عن كل ما حدث، إذ كان القرار إسلامياً وبيد السلالات والعائلات الدينية الراشدية والأموية والعباسية والأيوبية والإخشيدية والفاطمية والمملوكية والعثمانية...إلخ، التي كانت تحكم باسم الإسلام وتضرب بسيفه، ولا نعتقد أن المسيحية كانت متورطة في هذا التيه الحضاري الذي عاشته المنطقة، وإن كانت مسؤولة عنه في القرون الوسطى في أوروبا، أو كانت مسؤولة عن الصراعات الدموية التي نشأت منذ الإعلان عن الدعوة الإسلامية وحتى اليوم.

 لا نبرئ المسيحية ولا نقدسها ولا ننظر إليها إلا في سياق مادي تاريخي وضعي، كان لها دوراً سلبياً، في زمن ومكان ما، ومن خلال استغلال سلبي لها، لكن لم يكن لها طويل يد فيما آل إليه مصير شعوبنا ومجتمعاتنا، ومن هنا لا مصلحة لأي من الكتاب العرب التنويريين بنقدها وتفكيكها، لاسيما بأنها فككت وأخذت نصيبها من النقد والتجريح، وباتت بلا أجنحة ولا نواجذ وخارج دائرة التأثير.

 إن نقد الإسلام السياسي لم يبدأ مع الحوار المتمدن، ولن ينتهي عنده، فمنذ الأيام الأولى تمت مقاومة الدعوة ورفضها وعدم الاقتناع بها، وعلى أيادي أقرب المقربين من نبي الإسلام، وآل بيته، أبي طالب، مروراً ببني أمية، وسادات وزعماء قريش وأفراد آخرين، وليس انتهاء بحروب الردة التي نشبت بعد وفاة محمد، معلنة بشكل علني رفضاً واحتجاجاً سياسياً وفكرياً على المعتقد الجديد، ومن ثم بالطبع تعريجاً على كافة الحركات الاحتجاجية الفكرية الرافضة لرواية أهل السنة والجماعة كالقرامطة والشيعة والإسماعيلية والزيدية وغيرها ، ولا ننسى الحركات العقلانية الأخرى كالمعتزلة التي وئدت في مهدها، والصوفية التي حاولت التوفيق والجمع بين النارين، نار العقلانية ونار الالتزام بالرواية الأسطورية، وصولاً إلى رموز "الزندقة" والهرطقة، كما يطلق عليهم، وأسماؤهم أشهر من علم على نار، تومض بين الفينة والأخرى ومضات حزينة في نفق طويل ومتعرج من الظلام الأبدي، لتبقى شاهداً على مأساة ما يسمى بالعقل العربي والإسلامي، وليس انتهاء بالطبع بكل الأسماء الكبيرة اليوم وفي التاريخ الحديث ممن اسلتوا معاول هدم هذا التراث الحزين والتاريخ المشين، ومن دون التطرق لأية أسماء محددة بعينها، كي لا نظلم غيرها، فاللائحة طويلة وناصعة وتحفل بالكثير.

 وتبقى إشكالية الإسلام السياسي في تلك التبشيرية الأممية التي يسعى الجبرية والقسرية ومحاولة فرض نفسه بالقوة والعنف عبر مبدأ الجهاد المعروف، وما لذلك من اصطدام مع مصالح وتطلعات ونفوذ وأدوار لقوى وتيارات أخرى في العالم. ما هي مصلحة هؤلاء جميعاً بنقد المسيحية، بتشريح ما تم تشريحه وهدمه، وما الذي فعلته هذه المسيحية ضد مصالح وآمال وتطلعات هذه الشعوب، وحتى من دون إخراجها من سياقها الأسطوري في ظل هيمنة مطلقة للفكر الإسلامي وأدواته القمعية؟ ثم إن نقد الإسلام من قبل كتاب مسلمين، ومن خلفيات وأصول إسلامية لهو أقرب للمصداقية، والموضوعية والتجرد والتحرر من الثوب والكابوس الديني وتمرداً على محاولات إخضاع العقل وتدجينه وترويضه من قبل الكهنوت الحاكم، فعندما يروض العقل تسهل السيطرة على الجسد ومن ورائه القطيع ككل، وهذا ما كانت تفعله، بالضبط، المنظومة الكهنوتية تاريخياً، بتحالفها المعروف مع الكهنوت السياسي، ونجحت في تطويع هذه الشعوب ولجم تطلعاتها الحضارية من خلال حقنها وتخديرها بالفكر الغيبي، وإخراجها من دائرة الحياة والمشاركة وصناعة القرار.

 واستثمر الدين أبشع استغلال وجيـّر، وأولت كل نصوصه وتراثه فيما يخدم الكهنوت الحاكم وليس الصالح العام والشارع العريض. وطبعاً كل هذا يحتاج إلى إلقاء الضوء عليه وشرحه، فيما يسمى بعملية نقد الإسلام. شكل الفكر الديني الغيبي والإسلام السياسي، أي استغلال الدين لغايات سلطوية وتسلطية وما رافقه من ممارسات مرعبة في القضاء على الفكر والعقل والإبداع الإنساني وربط كل ذلك بالخروج والمروق من الدين، عقبة كأداء في وجه تقدم هذه الشعوب ونهضتها، وكان على الدوام باعثاً على فرملة نهوضها وتقدمها؟ ولو لعبت المسيحية نفس الدور السلبي الذي لعبه الإسلام السياسي في حياة شعوب المنطقة، لوجب ليس نقدها ونقد آلياتها وحسب، بل نسفها وتقويضها من الجذور، ولكن نبرؤها من كل ذلك في تاريخ المنطقة، ولكن لا نبرؤها من القيام بلعب، في زمن ومكان ما، نفس ما يلعبه الإسلام السياسي اليوم من دور مريب في تضليل هذه الشعوب. فمن الأولى بالنقد، بالنسبة لنا على الأقل، المسيحية أم الإسلام؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز