سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
الإعلام الحديث والفشل في إحداث التغيير/ح1

-الحلقة الأولى-

 

 

في أواخر تسعينيات القرن الماضي وصلت إلى بريدي الالكتروني رسالة/مقال من الكاتب العراقي المقيم في لندن «أحمد الكاتب» وكانت هي أول رسالة تحمل مقالا من أي كاتب تصل إلى صندوق بريدي الإلكتروني،وليس كما هو حال هذا الصندوق حاليا والذي يعج بالرسائل الإلكترونية التي تحمل مقالات وأخبارا وتقارير وإعلانات من شتى أنحاء الأرض...كان الصندوق يتلهف لأي رسالة مهما كانت لدرجة أنني كنت أعيد قراءة الرسالة مرات متكررة؛نظرا لشحّ ما يصل إلي من رسائل في ذاك الوقت.

مقال الكاتب «الكاتب» كان بعنوان لا أتذكره كاملا ولكن أتذكر الجزء الأهم منه:«الإنترنت تفتح الملفات النائمة في البلاد العربية...» وفحوى المقال هي أن شبكة الإنترنت ساهمت في تفعيل النقاش حول كثير من الأمور في البلاد العربية والتي كانت غائبة بل مغيبة مثل الديمقراطية وغيرها..ومرت السنوات وازداد تفاعلي مع الانترنت وارتفع عدد مستخدمي هذه الأداة في العالم عموما وفي عالمنا العربي خصوصا أضعافا وأضعافا يضاف لها أضعاف!

وكثرت التحليلات والمقالات والدراسات والندوات التي تؤيد ضمنا ما جاء في مقالة «أحمد الكاتب»،من دور شبكة الإنترنت ووسائل الاتصالات والإعلام الحديثة الأخرى كالفضائيات في زيادة الوعي وتفاعل الجمهور مع القضايا العامة وظهور أصوات جديدة وإنتاج ثقافة شعبية موازية،وانتهاء عصر الجدار أو الستار الحديدي في العالم وكيف أن المعلومة تجد طريقها إلى صاحبها المعني بها أو المستهدف منها رغم كل الحواجز الجغرافية والإجراءات الأمنية.

لكن النتيجة الحقيقية وبعد سنوات طويلة نسبيا تؤكد أن المتفائلين أفرطوا في تفاؤلهم،عربيا،فلا نمط تفكير جديد وبنّاء ساد بلاد العرب،ولا الاستبداد اندحر
أو تراجع،ولا التغيير الايجابي المنشود تحقق،ولا حتى بقي الوضع السيئ الذي كان بل انتقل وينتقل بسرعة كبيرة نحو الأسوأ!

وأنا حين أطرح هذه النتيجة لا أهدف إلى الحصول على درجة علمية ،أو إثارة قضية للنقاش،أو اتباع نظرية خالف تعرف؛بل أعبر عن حالة إحباط،وشعور بالأسى والمرارة،وأيضا رغبة في دعوة من تفاءلوا وما زالوا  على تفاؤلهم القديم إلى إعادة دراسة الوضع من جديد وتحت عنوان:كان تفاؤلنا مبالغا فيه...لقد فشلت الفضائيات والإنترنت في إحداث تغيير ايجابي حقيقي يمكن البناء عليه في المجتمع العربي!

كان المتفائلون،وربما كنت واحدا منهم،مع تحفظ قد يكون من طبيعة شخصيتي،يبشرون الجمهور بأن العصر الحديث هو عصر المعلومات،وبأن النظم تضع أيديها على قلوبها ولا تدري ما الذي تفعله أمام سيل المعلومات الجارف،ولم يعد بإمكان النظم الاستمرار في الاستغفال الطاغي لعقول الناس،لأنها وباختصار شديد لم تعد مصدر المعلومات الأول أو الثاني أو حتى العاشر،فهناك مصادر كثيرة أخرى ولم تعد صحف النظم ومحطات تلفزتها المحلية وإذاعاتها الرسمية ذات صلة بالمواطن الذي وجد ضالته في وسائل أخرى،وبات يشبع غريزة المعرفة لديه من حيث شاء هو،لا من حيث تريد وزارة الإعلام في بلده أو من جعلوا أنفسهم قيمين على عقله وتفكيره عنوة؛والآن أصبح المواطن مطلق الحرية في تكوين الرأي،بل المساهمة في وضع الحدث أو الخبر والتفاعل مع مختلف القضايا،ولديه الوسيلة والتقنية ليرى ويسمع ما يريده وما يناسب ذوقه وليس ما يريده النظام أو الحزب أو المشرف الإعلامي...هذا جزء يسير مما ردده المتفائلون ومازالوا عن دور الإعلام الحديث ووسائل الاتصالات في قلب حال المواطن المسكين.

وقد قسمت مقالتي الداحضة لرأي المتفائلين  إلى حلقات لأن الموضوع يحتاج لشيء من التفصيل،وقبل الانتقال إلى مناقشة حال الإنترنت والفضائيات عربيا،أحب أن أضع ملاحظات عامة حول تعامل النظم،عموما،مع الإعلام الحديث والثورة التكنولوجية،رغم أن كل قطر تعامل بطريقة قد تبدو مختلفة عن الأقطار الأخرى،وذلك كي لا يظل المتفائلون غارقين في أحلامهم الوردية،وأوهامهم الطموحة في تغير المضمون الذي حسبوا أنه قد تغير،بينما الشكل هو ما تغير وبقي المضمون على حاله،كما هو قبل الانترنت والفضائيات وقد مر تعامل النظم مع الإعلام الحديث بالمراحل التالية:-

أولا:مرحلة الارتباك والانزعاج

لا شك أن النظم السياسية قد شعرت بنوع من الارتباك أمام هذا التطور النوعي والكمي في المعلومات وحجمها وسرعة نقلها وإمكانية وصولها،ومن الطريف أن الارتباك قد أصاب أيضا من كانوا يحتكرون الإعلام سواء برغبة وتخطيط أم بطبيعة الظروف التي كانت سائدة،حتى لو كانوا على خلاف وعدم تطابق مع النظم السياسية؛وهذا الارتباك كان مصحوبا بالغضب والحنق لأن النظم أصبحت تسمع وبوضوح صوتا آخر غير صوتها،وترى رواية أخرى مغايرة لروايتها،ورغم أن الأصوات والروايات الجديدة كانت معروفة إلى حد ما، إلا أنها انتقلت بفعل الإعلام الحديث من السر إلى العلن؛تماما كما في قصة الحلاق الذي اطلع على سر الأمير الذي له أذنين كبيرتين وكتم سره خوفا على رأسه الذي خاف أن يطير بسيف الجلاد،كما هدده وتوعده،فذهب لأنه لم يحتمل كتمان سرّ أذني الأمير الكبيرتين،إلى حفرة في فلاة وأخذ يصرخ في هذه الحفرة بما يعلم...وبعد مدة هطل المطر ونبتت أعواد القصب في  الحفرة واصطنع راع منها الناي الذي أخذ يصدر لحنا يشي بالسر الخطير،مما اضطر الأمير إلى الكشف عن رأسه للعامة ليروا أذنيه الكبيرتين؛وهذا حال الإعلام الحديث مع الأنظمة؛فلم يعد الزمان يسمح بالنشرة الإخبارية المكرورة ولا الصحيفة التي لو راجعت أرشيفها لوجدت نفس المحتوى، وعليه سلمت النظم،على مضض،بالوضع الجديد من حيث أن ثمة أصوات وآراء أخرى؛وانخرطت بطريقة طفولية في التكنولوجيا الجديدة بتحويل محطات تلفزتها المحلية إلى البث الفضائي وبإنشاء مواقع على شبكة الإنترنت لصحفها الحكومية ووكالات أنبائها الرسمية،بنفس النمط القديم والصياغات التي عفا عليها الزمن.

ثانيا:مرحلة ردّات الفعل العنيفة

أمام السيل الجارف كانت هناك ردات فعل اتسمت بالتشنج والعنف الأمني أو الكلامي والإجرائي؛فبعض الدول لم تسمح ولسنوات لمواطنيها باقتناء الصحون اللاقطة للبث الفضائي،فكانت بعض الصحون تهرب وتباع بأسعار مرتفعة،كما لجأت بعض الدول إلى أسلوب حجب مواقع انترنت معينة،رغم أنها تعلم أن ثمة برامج مجانية يمكنها تجاوز البروكسي وتمكين المتصفح من دخول المواقع التي تم حجبها،وهناك دول لجأت إلى جعل النفاذ إلى شبكة الانترنت في أماكن معينة تشرف عليها.

وقد عمدت العديد من الدول إلى إغلاق مكاتب لفضائيات واعتقال مراسلين،وقدمت البعض إلى المحاكمة،وكما نعلم فقد نالت قناة الجزيرة النصيب الأكبر من المضايقات.

وضمن ردّات الفعل الارتجالية أوعزت النظم لصحفها وكتبة أعمدتها ومتحدثيها بالهجوم على الإعلام الجديد الذي يحمل نقدا أو معارضة لها أو كشفا لبعض أسرارها ،من قبيل رمي التهم الجاهزة بالعمالة للإسرائيليين والأمريكيين والحصول على تمويل منهم،وأوعزت لبعض خطباء المساجد بالتشكيك في الإعلام الجديد وتقنياته من باب أنه موقظ للفتنة،ووجوب اعتزال هذه الوسائل إلا بما يفيد وما يفيد هو الذي يتجنب التعرض للأنظمة وممارساتها حسب هؤلاء.

وقد اكتشفت الأنظمة باكرا أن هذه الدعاية المضادة القائمة على الاتهام والتشكيك والغمز واللمز غير مفيدة؛لأن النظم –بمعظمها- مرتبطة بعلاقات متينة مع أمريكا،وبعضها يقيم علاقات مع إسرائيل بمستويات مختلفة،وأن شغف الناس وولعهم بمواكبة ومتابعة الإعلام الجديد يفوق أي دعاية مضادة أو هجوم أو اتهام فانتقلت لمرحلة أخرى....يتبع







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز