نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الفقهاء والدعاء بالمقلوب

استكمالاً لما بدأناه في المقال السابق المعنون "لماذا لا يستجيب الله لدعائهم"، فما يلاحظ أن آلهة الصحراء لا تتنكر لدعواتهم كلها، ولا تستجيب لها، وحسب، وإنما تعمل على النقيض منها، رغم دعم أولي الأمر وأصحاب الشأن للفقهاء، وفتح المنابر والشاشات الوطنية للفقهاء على مصراعيها لهم كي يكيلوا بشتائمهم على شعوب الأرض وترذيلها وسبها وقدحها بأبشع الصفات.

 فهم يسمون أولياء نعمتهم الغربيين، مثلاً، في أدعيتهم بحفدة القردة والخنازير، وبعد ذلك يذهبون متذللين إلى ديارهم لطلب حمايتهم وتقديم المساعدات العسكرية، والاستشفاء والاستنقاه في مشافيهم، ومن دون أي إحساس بالخجل والحرج، أو أي نوع من الحياء. ويتصرف الفقهاء والشيوخ، ومن ورائهم أنظمة الدمار الشامل، ويحاولون الإيحاء لهذه الشعوب المنكوبة، بأن لهم خطوطاً ساخنة مع السماء ويملكون مفاتيحها، وأن العلاقات فيما بين السماء وبينهم هي "خوش بوش"، وعلى "أبو موزة"، وبمجرد أن يطلبوا أي شيء من السماء فإنها ستستجيب لهم على الفور، لأنهم خير أمة أخرجت للناس، وفضلهم الله هم وأنظمتهم ورموزهم الكبار على كل بني البشر، الذين-بني البشر- لا يساوون ذرة تراب في نعال بدوي جاهل، كما عبر أحد رموز الصحوة في إحدى مقالاته اللوذعية مؤخراً. ولكن، وبكل أسف، ما يتأتى بعد كل تلك الخطب الدينية الرنانة الطنانة النارية التي تبث على الهواء، هو حدوث العكس تماماً، وبروز نوع من الدعاء بالمقلوب.

 أي أن آلهة الصحراء لا تقبضهم ولا تعبّرهم ولا تقيم لهم وزناً، وتناكدهم وتناكفهم، و"تكيد لهم كيداً"، وتفعل، تماماً، عكس ما يطلبون ويتمنون. فهم مثلاً باتوا يصلون كل سنة بما يعرف بصلوات الاستسقاء، من دون علم أو دراية، بطبيعة وسبب انهمار الأمطار وخضوعها لقوانين فيزيائية وطبيعية بحتة لا علاقة لها بالسماء، وتوزعها يتعلق بطبيعة وموقع المنطقة الجغرافي من العالم، ولكن وبعد كل صلاة استسقاء يحل القحط والجفاف وانحباس الأمطار في بلدانهم المتصحرة، ويطلبون المدد والعون فيأتيهم العجاج والغبار و"الطوز".

 ويطلبون الرحمة والعطف والبركة لشعوبهم من آلهة الصحراء فينزل عليهم الفقر وغضب أجهزة الأنظمة العربية والطواغيت الديناصورية والجلادين العرب الذين يسمونهم القهر والعذاب. ويطلبون النصر على أعدائهم فتنفذ إسرائيل وأمريكا العمليات العسكرية ضدهم وترتكب مجازر الإبادة وعمليات القتل الجماعي ضدهم، وتسود حالات من الرعب والخوف واللا استقرار في معظم بلدانهم المهزوزة والقابعة على براميل بارود.

 ويطلبون من آلهة الصحراء الرزق والعطاء، فتمص الأنظمة العربية دماءهم، وجلود شعوبهم، وتجوعهم، وتقهرهم وتذلهم، وترسل لهم لصوص العرب الكبار النهبويين الذين لا يشبعون ولا يرتوون الذين يحلبونهم حلباً وينهبونهم بلا هوادة ويحيلونهم إلى شعوب فقيرة جائعة مهمشة تعاني الفاقة والقلة و"العزا والشحار".

 ويطلبون السلام والأمن فتندلع الحروب الأهلية في بلدانهم وتسفك الدماء، ويطلبون الوحدة الوطنية لبلدانهم فتصبح معظم منظوماتهم مهددة بالتشرذم والانقسام وتتفكك الأوطان وتتفسخ وتتداعى كالشمع أمام النار، ولم تبق في حقيقة الأمر، حروب أهلية مستعرة في العالم، إلا في بلدان الشيوخ والفقهاء الذين يؤججون غضب الناس ويحرضونهم على الكراهية والحقد والعصيان فيتناسل الإرهابيون والمفخخون الذين يقتلون أبناء جلدتهم، وتنفجر تلك النفوس المحقونة والمشحونة بالغل والسموم في وجه بعضها البعض. ويدعون بزوال إسرائيل فتتوسع بالمستوطنات وتقضم أراضيهم، ويهزم ستة ملايين يهودي 300 مليون عرباوي يقضون معظم أوقاهم بالصلوات والدعوات و الإنصات لفتاوى الشيوخ والفقهاء وتفسير الأحلام والتنبؤ بالمستقبل المشؤوم لهذه الشعوب في الفضائيات.

 ويدعون بأن ترسل لهم آلهة الصحراء الطير الأبابيل الأسطورية، كما غنت لهم جوليا بطرس في أغنية "وين الملايين"، فترسل لهم طائرات الميراج، والفانتوم والـ F16 والشبح فتقتل أطفالهم وترمل نساءهم وتقتل رجالهم ومعهم زوجاتهم الأربع كما حصل مع نزار نزال الزعيم الحمساوي المعروف في أوائل 2009. ويدعون على حفدة القردة والخنازير بالموت والفناء فتزداد معدلات الأعمار في أمريكا والغرب عموماً ويعيشون شيخوخة محترمة ويحظون بكل أنواع الرعاية والدعم الحكومي والضمان الاجتماعي في دور للعجزة من فئة السبعة نجوم، وتمد السماء في أعمارهم ويحتفلون بأعياد ميلادهم، وأعياد الميلاد ورأس السنة، والأعياد "النصرانية" الأخرى، وهم فرحين جزلين يضحكون ويتبادلون النبيذ والأنخاب، فيما تنقصف أعمار شبابنا في ريعان الصبا وتسحق أحلامهم وتموت أمانيهم ويموتون قهراً وكمداً وبطالة وجوراً، وينتشر الجوع والفقر والنكد والعبوس والتكشيرات والتجهم والعيش في "العشش" وأحزمة البؤس والمقابر التي افترشوها بدل المساكن.

 ويدعون على الغرب الكافر بأن يشتت الله شمله ويفرقه فتتعاظم قوته العسكرية وتعقد الأحلاف العسكرية، وتقوم المجموعات الاقتصادية التي تتحكم باقتصاد العالم، وتتوحد أوروبا (حفدة القردة والخنازير)، مختلفة الأعراق والقوميات والأديان، وتصبح أقوى تكتل اقتصادي وعسكري في العالم من خلال حلف الناتو ومجموعة الثمانية، وتحرم انضمام تركيا المسلمة لها التي تتوسل الانضمام للاتحاد الأوروبي لذلك، وهكذا دواليك في متوالية معكوسة، ويا سبحان الله، لما يطلب ويتمنى ويدعو به الفقهاء. ألا يجدر والحال هذه، من رفض آلهة الصحراء لكل أدعيتهم، أن يعيدوا النظر في فحواها، ومقاصدها، ومضامينها، بعد ذلك كله، وبات عليهم أن يدعوا أدعية بالمقلوب، أي عكس ذلك كله، فلعل وعسى يتحقق، عندها، شيء من أمانيهم.

 ويبقى السؤال الغريب والعجيب، لماذا لا تستجيب آلهة الصحراء لأي من أدعيتهم على الإطلاق.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز