زياد السلوادي
ziadamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 February 2007

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 

See more from this author...

Arab Times Blogs
تهافت المثقفين

عرف بعضهم الثقافة بأنها معرفة شيء عن كل شيء ، تمييزاً لها عن تعريف التخصص بأنه معرفة كل شيء عن شيء . والواقع أن هذا التعريف للثقافة فيه إجحاف في حق المثقف نفسه ، ذلك أن للثقافة بعداً أعمق من أن تكون المعرفة المجردة ، لأنها لو كانت كذلك لأصبح الكمبيوتر الأصم أعظم مثقف في العالم أجمع . فأما هذا البعد الأعمق فيكمن في توظيف المثقف لمعارفه في خدمة مجتمعه وأمته والإنسانية جمعاء ، بمعنى أن على المثقف الحق مسئولية تقضي بأن تخدم ثقافته هذه رسالة سامية يحاول دائماً أن يصل من خلالها بالعالم الى وضع أفضل .

   وقد تختلف الانتماءات العقدية والقناعات الفكرية بين مثقف وآخر ، ولكنهما يلتقيان في هدف الرسالة السامية الذي يتوقان الى الوصول بمجتمعهما إليه . ومما يثلج الصدر أن نجد أعداداً هائلة من الكتاب المثقفين الذين يعمل كل منهم جاهداً على تنوير العقل الجمعي لهذه الأمة ، ولكن ما نعجب له هو أن ينسلخ بعض هؤلاء عن أمتهم ثم لا ينفكوا يهاجمونها في كل صغيرة وكبيرة ، بحجة أنهم ينتقدون الفساد تارة، وبدون حجة في أغلب الأحيان واضعين الأمة جميعها بشعوبها وتاريخها وعقيدتها وثقافتها وقيمها في سلة اتهامهم وهجومهم . والعجيب أنهم يتهمون المسلمين بأن تاريخهم حافل مثلاً بالغزوات ، ويتناسون في المقابل أن للغرب تاريخاً أسود في الأمريكتين وفي آسيا وأوروبا وأفريقيا قام على القتل والنهب والسلب والاستعمار ، والنماذج كثيرة وتشمل العالم كله ( الهنود الحمر ، سكان أمريكا اللاتينية ، أفريقيا ، الحربين العالميتين ، وأخيراً الاستعمار الغربي لعالمنا العربي ) ، ورغم سواد هذا التاريخ الغربي المقيت إلا أنهم لا يذكرونه من قريب ولا بعيد ، لأنهم مشغولون في قدح الإسلام والعروبة بعد أن انسلخوا عنهما وخرجوا من جلودهم .

   ولو أن هذا الهجوم كان ناتجاً عن غضبة عابرة للكاتب لهان الأمر ، ولكننا نجده مستمراً لا يكل ولا يمل ، فإذا وقعت هنة من مسئول هنا أو هناك تناول العرب جميعاً ( رغم أنه كان منهم ) بالذم والشتم وقبيح القول ، وإذا حدثت شبهة في أحد رموز الإسلام ( ولو كان بريئاً منها ) ، تناول الإسلام كله بالنقد الجارح منذ فجر تاريخه والى اليوم ، حتى وصل به الأمر الى التطاول على الله تعالى !!! سبحان الله ! وهل هناك مراهقة فكرية أكثر صراحة من ذلك ؟

   مثل هؤلاء الكتاب ما كنت لأعيرهم انتباهاً ولا لأحفل بتافه ما يكتبون لولا أنني رأيت في بعض من يعلقون على هذرهم اقتناعاً بتفاهاتهم تلك وتأييداً لمذهبهم العجيب ، فرأيت أن أوجه كلامي هذا الى هؤلاء المعلقين لعلي أستطيع أن أوضح لهم من خلال المثل التالي المعنى الحقيقي للدور الذي يجب أن يلعبه الكاتب المثقف في مجتمعه وأمته ، وكذلك الفرق بين المثقف صاحب الرسالة السامية والآخر الذي يعمل بجهله على هدم القيم الإنسانية السامية .

   تخيل معي أخويْن من أمّ واحدة ، أصيبت أمّهما بمرض عقلي جعلها تهيم على وجهها في الطرقات لا تدري ما تفعل ولا تهتدي سبيلا ، وقد أغرى سلوكها المرضي هذا الصبية والسفهاء فجعلوا يتبعونها في سيرها يرجمونها بالحجارة وهم يتضاحكون ساخرين مستهزئين ، فأما الأخ الأصغر فلم يجد حلا سوى أن يتبرأ منها وينكر أمومتها له ، ولكي يقنع الناس بأن لا صلة تربطه بها فقد شارك السفهاء في رجمها بالحجارة والسخرية منها . وأما الأخ الأكبر فقد تألم لحالها أشد الألم ، فراح يدفع عنها السفهاء ، ويطوف بها على عيادات الأطباء المتخصصين محاولاً علاجها بكل السبل الممكنة .

   وإذا تمعنا في الفرق بين هذين الابنين لوجدنا الفرق بين الكاتب الذي ينسلخ من جلده ويسخـّر قلمه في مهاجمة أمته بحجة وبدون حجة ، والكاتب الذي يسخر قلمه في البحث عن الحلول التي تصلح من شأن أمته وتوضح الطريق لكل سائر في سبيل هذا الإصلاح .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز