د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
تحية

في مرآة الآخرين  

تهلل وجه صديقي الأمريكي حين قدمني له صديق مشترك  لم ينس في تقديمي له أن يذكر أنني مصري من الشرق الأوسط ، وقد جرت العادة في التعريف بالبلدان أن يضاف الشرق الوسط إلى اسم البلد ربما لأن كثيراً من الأمريكيين لايعرفون مواقع البلدان على خريطة العالم ، لكنهم يعرفون المناطق الساخنة التي يعج بها عالمنا المضطرب وعلى رأسها الشرق الأوسط الذي تمربه الأحداث الساخنة الطازجة ليل نهار بسبب وجود طفلتهم المدللة أبداً أسرائيل المزروعة بيننا كالخنجر في الخاصرة  ..

  شدّ الرجل على يدي مرحباً بشدة وارتسمت ابتسامة عريضة على محياه وقال في ود حقيقي :

_ بلادكم جميلة جدا ومن حسن حظي أنني زرتها يوماً ، وقضيت فيها أوقاتاً لطيفة .

-       متى كانت زيارتك لها ؟

-       في عام 1971

دفعت مقعدي إلى الخلف قليلاً ، ووضعت ساقاً فوق ساق ،وقلت بثقة وأنا أهز طرف حذائي بفخر :

-       إنها الآن أجمل بكثير .. أنت زرتها في أيام الاشتراكية وقبل الانفتاح علىالغرب .

-       نعم .. كان ناصر قد مات منذ شهور قليلة ، كان ذلك في بداية عهد السادات .

ثم أطرق وكأنه يستحضر في ذاكرته ذلك الزمن البعيد وقال في نبرة أهدأ وكأنما يخاطب نفسه

-  بلاد جميلة فعلاً.

كانت جملته التي كررها بنفس ألفاظها  والتي قالها غالباً على سبيل المجاملة غير كافية لإرضاء غروري وإشباع وطنيتي فسألته لا من باب التزود بالمعرفة وإنما استحلاباً للمزيد من الإطراء

- وياترى ماذا كان انطباعك عنها في ذلك الوقت المبكر بين الحربين .

قال بعد تردد :

-       بصراحة شديدة ،قد لاحظت وجود طبقتين متميزتين بوضوح وكأنهما لشعبين مختلفين ، طبقة شديدة الثراء وطبقة شديدةالفقر ولاوسط لهما .

باخ إحساسي بالسعادة الذي تركته جملته الأولى  وأنزلت ساقي من فوق أختها وقلت متشبثاً بإحساس الفخر المتلاشي:

-       لعلك تتحدث عنها في أيامنا الحالية  فهي بالفعل قد صارت إلى ماتقول.

-       لالالا أنا أتحدث من واقع زيارتي الوحيدة لها عام 1971

ياإلهي..!!

ماذا يقول ذلك الرجل ؟!..1971 كانت قمة المجد البائد ، كان جمال عبد الناصر قد مات قبلها بشهور قليلة وكنا نستعد للمعركة الحاسمة مع اسرائيل لاسترداد الأرض السليبة ، كنا دائماً نطلق تعبير الأرض السليبة على ماضاع من الأرض العربية منذ نكبة 1948 ، حتى تغير الزمن وتبدلت معاني الأشياء والكلمات وصار تعبير الأرض السليبة يخص أرضنا المصرية التي ضاعت منا بهزيمتنا في 1967 وتبعثرت معها كرامتنا مع أشلاء جنودنا على رمال سيناء ، وكان شعارنا في تلك الأيام الصعبة إزاء المطالب الشعبية الملحة في إصلاح أحوال الوطن والمواطن هو " لاصوت يعلو فوق صوت المعركة ".. كل المطالب مؤجلة ، وكل الموارد موجهة للاستعداد للمعركة الفاصلة  وفي سبيل ذلك لم نكن نشعر بأننا فقراء وأننا نحتاج أن نعيش كبقية خلق الله .. كنا شعباً واحداً ، أو هكذاكنا نحس ، أن لافرق  بين غنينا وفقيرنا لأننا نعيش تحت سماء واحدة ، وأمامنا هدف واحد !! وقد عشت أسير هذه المفاهيم  أربعين سنة كاملة حتى أتي ذلك الأمريكي الذي يتحدث بصدق لايعرف المجاملة..

 فهل تراه كان يرى مالانرى ؟!

شعبان ؟ لاشعب واحد.. واحد في القمة والآخر في القاع ؟!

هل كنا هكذا دائماً دون أن ندري ؟ ..ماذا تراه يقول حالياً لو قدّر له أن يزورها من جديد ، حين يرى من يملك الطائرات الخاصة واليخوت  إلى جانب المتاع والضياع والخدم والحشم بل وحتى الجواري والعبيد ؟!.. ثم من لايملكون قوت يومهم وكلاهما يحمل نفس الجنسية  بل ونفس جواز السفر ؟ ..

هل يمكن أن يكتشف الجيل القادم ، بعد مضي أربعين سنة أخرى أن الجنسية المصرية وجوازالسفر كانتا وقفاً على ذلك الشعب الثاني الذي يصفه الصديق الأمريكي بالفقر الشديد وأن الشعب الأول الذي يملك كل شيء له جنسية أخرى ويحمل جوازات سفر أخرى ربما أمريكية أو انجليزية ، أوحتى إسرائيلية .؟! .. من يدري ؟

لكننا لانملك غير الانتظار ، لتبدي لنا الأيام ماكنا نجهله وليأتينا بالأنباء من لم نزود.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز