رياض هاشم الأيوبي
riadhayyoob@gmail.com
Blog Contributor since:
11 January 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الطفّ ..بعيون أخرى- ج1

يقفز الكثير من مفكري الشيعة وعوامّهم على الأحجار والوقائع عندما يتناولون موضوع مذبحة الطفّ وتفاصيل مقتل الإمام الحسين . أنّ تسمية (المقتل) هذه هي تسمية شيعية جملةً وتفصيلاً، كذا تقرأها ، على الكاسيتات والأقراص الصوتية ، ولا أحد يعرف لماذا لم يستخدموا عبارة (إستشهاد) بدل(مقتل) طالما هم يؤمنون بأنّ الحسين إستشهد ولم يُقتل، ما لم يكن السبب هو تخيّر عبارات توحي بالألم وتثير المشاعر لإحداث الأثر المنشود !!  ولكن لماذا لا يفعلون هم مثله طالما يحسبونه درساً للبشرية كلها ويطالبون الكل بأن يتعظوا من تجربة الرجل ويعملون وفقها؟ لماذا لا يخرجون بأنفسهم وأهاليهم ثواراً على الحكام الظالمين ، وما أكثرهم ، في كل بقعة من بقاع الأرض ؟ لماذا نرى الكثير الكثير من سفلة العراقيين والإيرانيين ممّن يلاسنوننا على المواقع وينسبون أنفسهم للحسين بدون وجه حق و يرفعون راية لا يرتقون لشرفها، وهو أصل الخلاف مع هؤلاء لا غيرهم  ، فعلاقة هؤلاء بالحسين كعلاقة بُش بالمسيح ، إن كانت هناك أيّة علاقة كهذه!

ركزت كل النصوص المنقولة عن مقتل الإمام الحسين على دور جيش الشام في المأساة  وأغفلت دور الثمانية عشر ألف متخاذل في صنع المأساة،  فهم أجداد اللطامين الحاليين وأنّى للحفيد أن يدين جدّه؟ لا تقرأ شيئاً عن المتخاذلين بل تسمع تركيزاً على حرمان الإمام الحسين وأهله من شرب الماء، ومنعه من العودة للحجاز ، فالسلوك هذا مفهوم أنّه يغطي على المتخاذلين بفعل تضخيم ألوان المشاهد والتركيز على اللؤم والخسة في منع المحاصرين من شرب الماء حتى، وكلّ ذلك حصل أثناء مواجهة جيش جرار يقال أنّ تعداده كان ثلاثين ألفاً من قبل ثلة لا تكاد تذكر بالتعداد ، فمجمل المقاتلة من رجال وفتيان الإمام الحسين كان إثنين وسبعين فرداً لا أكثر ، بعدما تخلى عنه (أولاد الحمولة) الذين أرسلوا له الرسائل والبرقيات وجعلوه يعتمد عليهم ويعقد عليهم الآمال ، فإذا بهم يورطونه بثورة ولدت ميتة من أصلها ، فقد أوفد الحسين إبن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة فطمأنه هذا إلى أنّ الأمور تبدو مطمئنة . ترى ، هل كان مسلم بن عقيل غير دارٍ بإمكانيات الأمويين وجيوشهم بالشام؟ تلك تؤشر خللاً  وتقصيراً ونقصاً في الإعداد للثورة على مستوى الإستطلاع والإستخبارات ، بخلاف ما قرأنا عنه في معركة بدر مثلاً ، حيث خرج المسلمون مع نبيهم لتخيّر أفضل مكان يقاتلون منه وعرّض الرسول(ص) بحديثه مع رجل كان يستفسر ويسأل، توخياً للكتمان، وحرم المسلمون المشركين من مياه الآبار في خطوة محسوبة . كان عدد المسلمين الأوائل أولئك يعادل أقل من ثلث عدد المشركين لكنها معركة حظت بتأييد السماء وتدخلها ، بخلاف واقعة الطف التي لا سند فيها ولا عون فقد  بدأت واقعة الطف إثر إستجابة لبيعة بريدية ، لم يكن شبح المعركة المقبلة يلوح في الأفق القريب من أهلها ، لكنه كان متوقعاً بدون أدنى شك . وهم ، أي أهل الكوفة، لم يكونوا  يملكون من الأسلحة ما يملكه الأمويون ، أبناء شام تصنع الرماح وتسن نهاياتها ، وتصنع السيوف وتقسّيها منذ قرون، يرى العالم البريطاني هكَنز ،أنّهم كانوا يمنحونها فرط القساوة وتحمّل قسوة الضربات المقابلة من سيوف العدو ومن خوذ الجنود ودروعهم ، عبر تغطيسها في جسد عبدٍ مقتول حديثاً وهي ساخنة حد الإحمرار ، وأنا لا أستبعد الدسّ هنا وتعمّد المبالغة، لتقبيح الصورة، لكنه يبقى  دليلاً تاريخيّاً على مدى مهارة أهل الشام ، فما تراهم كانوا بصدده ، أهل الكوفة آنذاك ، وهم حديثي عهد بالمدينية وبكل شيء، مقابل أهل الشام اللصيقين بالروم قروناً طويلة ؟

لا عدة تباري إذن، ولا عتاد، ولا عدد يقف بالضد ، فأيّ تكافؤ هو ذاك إذن، بفرض أنّ الثمانية عشرة ألفاً من هواة الجيميل أولئك نفذوا تعهداتهم البريدية تلك ، وصدقوا بنصرة الحسين ولم يخذلوه كما حصل فعلاً ؟

خمسٌ  من النصوص الحاكمة ، هي آيتان من كتاب الله الحاكم والعزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه  ، وحديث شريف من رسول لا ينطق بالهوى ، ومقتبس من حكم الإمام عليّ نفسه، إضافةً إلى حكمة معروفة ، لا يبدو أنها حضرت بالبال ،جميعها أو بعضها،أبداً! إقرأوها هنا :

1.      ( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل..) أين كانت هذه الآية من تفكير الحسين يوم فكر بمجابهة باطل يزيد وقبيل خروجه من مكة المكرّمة ؟ ألم يتحمل الرسول(ص) كل جور قريش إلى أن فتح الله عليهم بالهجرة وأعطاهم قوة الشوكة؟

2.      ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..)، رغم أنها جاءت بخصوص الإنفاق في سبيل الله ، لكن المعنى العمومي يبقى سارياً على كل حدث .

3.     (الحرب خدعة) ، من حديث الرسول الكريم (ص) ، فأيّة خدعة كانت تلك التي استخدمها الإمام الحسين لربح المعركة؟

4.      (إيّاك وما يُعتذر منه)  كما حكاها أبوه الإمام علي نفسه ، ولا حاجة للإضافة.

5.     ( إستعينوا على  إنجاح الحوائج بالكتمان) ... حكمة، والحكمة ضالة المؤمن، ولكن ثمانية عشر ألف صوت غوغائي لا يمكن أن توحي لأيّ أحدٍ بأيّ كتمان! كان لدينا مشروع مطار سرّي قرب بغداد، وكانت هناك طرفة متداولة، عن سوّاق التاكسيات يتنادون في مرآب العلاوي،( نفرين طالع ، مطار سرّي، مطار سرّي)!!

 أغفلت غالبية البحوث والدراسات التي جرت حول موضوع واقعة الطف ، دور شخصية الإمام الحسين نفسه فيها، وتأثيراتها الغالبة عليه في حتمية ما جرى وتسيير الأحداث نحو الخاتمة المأساوية تلك ، وترى كلّ من يناصر الحسين يدفع بأنّ الأمويين أجبروه على القتال بقصد تصفيته في حين أنّه عرض عليهم عدة حلول تنهي النزاع وتتحاشى المجزرة الرهيبة تلك ، وكان ممكناً أن أتقبّل تلك الروايات لولا حجم المبالغات فيها، ولولا وضوح نَفَس الراوي في متن القصة ، فأنت لا تلمس أيّة حيادية بالسرد والتحليل، وترى الراوي يحكي بالنيابة عن الأشخاص الذين يميل قلبه إليهم ، بالضبط كما يحصل في المسرحيات المؤلفة من قبل أدباء ، يحكون نيابةً عن أبطال القصة ،ويعبّرون هم عما يجيش بدواخل شخوصهم . لذا، فأنا أرى أنّ كل ما تم نقله هو موضع شك كبير وتنقصه المصداقية ، فمعركة كهذه، ما كان لها أن تطول أياماً وتسمح لرهط الحسين بالتنقل إلى قرب الموصل كما يقولون، وجيش الأمويين يحاذيهم ،يُقاربهم ولا يقاتلهم كما لو كانت لعبة كرة قدم والفريق الرابح يضيّع الوقت على راحته ، والحسين ما كان له أن يناشد ويطلق النداءات لتبقى في ذاكرة أتباعه بعد قرون كما منقول بالمقتل ، بدون معرفة من ذاك الهارد  دسك الذي تلقاها ووثقها !!!!  وهو ما كان له أن يقتل عشراتٍ من خصومه أو آحاداً حتى ، كما يغرّد المقتل ، لقد أجهزوا عليه بهجمة عاتية لا رحمة فيها، وقضي الأمر في دقائق محدودة كما هو واضح ، وكلّ تلك الإطالات والحوارات والبكائيات، إنما هي من نسج الرواديد واللطامة ، لأغراض الإستهلاك المحلي، لا أكثر .   الحماسة شيء، وتحريف التاريخ شيء، وليست هكذا تحريفات في صالح العقيدة دائماً كما تصوروا، وإليكم تبعات تلك الأكاذيب والمبالغات :

لقد كرست تلك المبالغات واقعة المقتل كمسرحية وملهاة تستدر الدموع والعطف وتطلق مشاعر الكراهية بدل مشاعر الإرتقاء بالذات نحو التأسّي والتقليد والحذو نفس حذو الشهيد الثائر ، أصبح المقتل مسرحية وليس درساً تعبويّاً ينفع الأجيال القادمة والتي سيتكرر دور يزيد فيها في كل شأن ، لكن من دون حسين مفرد يجابهه ، لأنّ تلك المجابهة لم تنجح أصلاً . كذلك، فتفاصيل المقتل التي تصب في آذان الجموع المنصتة لقرون متتابعة، لم تفلح بتخليق صفة الثورية تلك في دواخلهم كما شاهدنا هنا في العراق، ولم تفلح ، وهو الأهم برأيي ، باجتذاب مخالفيهم من بقية المذاهب، للوقوف بجانبهم وتأييدهم ، بسبب كثرة الوضع والدسّ في أحداث الرواية ، وبسبب تعمّد لعن الصحابة وتحميل الغير مسئولية ما جنته أيديهم هم أنفسهم ، فهم يلعنون (الأمة التي قتلتك) ، ممّا جعل الرواية فارسية بالكامل ، ولعيونك، شاه زنان !!! لقد نجح الحسين بتحصيل شرف الشهادة وهذا لا يشرّف الروافض من أمثال علي سوداني ومنسي الطيب وخالد شبيل لأنه ليس منهم ولا علاقة لهم به، وهو لو كان حياً لما تشرف بهم ، والدليل هو ، مقولة أخته في أجدادهم !!! إنّ مَن يهتفون اليوم بإسمه من أمثال حيدر أبو آية وبقية الشلة المتأيرنة لم ينجحوا بنيل شرف النصرة والإتّباع ولم يفعلوا شيئاً للإرتقاء إلى مستوى واحد بالألف من خلق الحسين ، بل يغلب عليهم مغادرة قضيته ومخالفته بكل شيء كما تنبئ ألسنتهم الساقطة وأدمغتهم المتشربة بسوالف المنحرفين من قوم لوط في القرن الحادي والعشرين ،  لقد خلق دهاقنتهم  صنفاً آخر من التشيع مثابته قم وطهران، بؤرة الحقد الشعوبي ، ودهاقنته هم أعداء العروبة وأعداء الدين على السواء من شيرازي إلى حنقبازي ، لذا بقيت تضحية الحسين تجربة منفردة ومسوّرة بالهوية الشيعية فحسب ، معزولة عن الإعتبار والتأسّي من قبل أتباعهم، ومن قبل كل الناس ،  لقد إستمرّ يزيد بالحكم عقب مجزرة الطف  ، تاركاً من لا يعجبهم الأمر يسكتون مرغمين ، فقد شهدوا كيف فعل بسبط الرسول ، فما بالك بعامة الناس إن خرجوا عليه ؟ تركهم يختارون الصمت، أو (يلهّون) حالهم باللطم وجلد الذات، وللصبح !! لقد سمح الأمويون للمقتل بالتداول ، لأنه خير وسيلة لتعليم الأتباع على الخوف والإنكفاء للوراء وهو ما نشهده اليوم من هؤلاء الرعناء الذين يلصقون أنفسهم بالحسين إفتراءاً عليه !! فهم حبيسو الرهبة والخوف ، وأسارى الحقد والبغضاء، لا أكثر، فهل هذا هو ما أراده الإمام الحسين من وراء إستشهاده هو وآله؟

لا أحد من المفكرين و القادة العسكريين في العالم كله يمكنه أن يوافق على أسلوب الإمام الحسين في الثورة  كما ورد بالمقتل وبروايات التاريخ الموضوع هذا. إنه يبدو إنتحاراً لهم  وليس ثورة ، فهم يحللون المواضيع هذه بإعتدال وبلا إسفاف .  وهي عبثية أن يتوخى إسقاط نظامٍ متكاملٍ ومتسلحٍ بقوة أهل الشام منذ عقود من خلال بضعة نفر لا يُعتمد عليهم ولا مصداقية لوعودهم، كان أجدر به أن يطلق ثورته من اليمن كما نصحه عبد الله بن عباس،  بدلاً من محاولة تنفيذ (مهمة مستحيلة) كالتي خاضها بعدما علم بنكوص مؤيديه ، لكان عندها جنّبَ الأجيال اللاحقة له مغبّة السجالات والنقاشات التي لا طائل منها، و وفر على أتباعه المستقبليين الشعور بالتناقض، والتمزق بين إحتضان موقفه، وعدم القدرة على تقليده ،فهي كانت إتاحة مجال كاملة للخصم، وإنكشاف مطلق للعدو المتفوّق عدةً وعدداً ،كي يربح أكثر ممّا كان بصدده، فقد أباد أبناء الإمام كلهم معه بدلاً منه وحده كما كان يرتجي ، رغم كون الإمام الحسين على حق كما أؤمن ، لكنّ الباطل لا يُجابه هكذا، لا يتم تمكينه من كل فروع الخصم بحيث يربح الخصم أكثر ممّا كان يطمح إليه، فالوحيد الذي بقي على قيد الحياة كان علي زين العابدين، كونه كان مريضاً جداً فلم يخرج كمقاتل ، كذا تجري الروايات، لكن هل تتصورون أنّهم كانوا ليتركونه  حياً لهذا السبب فقط ؟ من يَقتل سبط الرسول(ص) ويبيد بقية عائلته وأبناء أخيه معهم، هل تعتقدون أنّ لديه من الرحمانية ما يجعله يُبقي صبياً لم يبلغ الحلم ، بداعي الرحمة بالمرضى ؟ هذا كلام لا يستقيم مطلقاً ، والحقيقة هي خلاف ما يحكون .

الحسين هو الأخ الأصغر للحسن ، لكن هناك فرق  بين شخصيتيهما، من خلال الآثار المنقولة عنهما  و أرى أنّها تعطي هذه الفكرة عن شخصيتي الإمامين الجليلين هذين:

الإمام الحسن، يبدو وسطيّاً، و أكثر ميلاً للواقعية ، (De Facto ) والقبول بالأمور على علاتها طالما تعذر الإتيان بخير منها ، ومن ثم العمل وفق ما متاح له ، وهو نصّ ما أوصى الإمام علي إبنيه به من قبل ، أن لا يجزعا لفوات شيء من الدنيا . والحسن رفض أن يقبل بيعة أول مبايعيه ( قيس بن سعد بن عبادة)  وفق ثلاثة شروط أملاها قيس ، رفض الحسن الشرط الثالث وكان (قتال المخالفين)، وقصر البيعة هكذا كبديل :" على كتاب الله وسنة رسوله فهما ثابتتان"، لقد كان يتجنب الدم والقتال كما هو جليّ  هنا.

بالمقابل، تبدو شخصية الإمام الحسين إنفعاليّة و ثورية، فهو أشبه بأبيه ، وأنت لا تجد آثاراً كثيرة من مقالاته وآرائه، كما لو كانت حياته اقصر من أخيه بكثير، و كأنما بدأت حياته من يوم خرج إلى الكوفة، وإنتهت باستشهاده ، فلا روايات مأثورة عنه قبل خروجه، بخلاف الإمام الحسن، الأكثر  مقولاتٍ و تراثاً ، فهو (الحسن) يبدو أشبه بجدهما لأمهما، الرسول محمد(ص)، وتحضر هنا تلك الرواية عن قول أبي بكر الصدّيق في الإمام الحسن ( بأبي شبيه بالنبي، ليس شبيهاً بعلي ) ، وهي نفس مقالة السيدة الزهراء في إبنها الحسن، كانت تقول ( إبني شبيه بالنبي، ليس شبيهاً بعلي). الأولاد ينقسمون لجهة الأب ، أو لجهة الأم في الغالب، يخولون، أو يعمّمون كما يقال هنا، وهذا ما حصل مع الإمامين هذين أيضاً . لا ترى الشخصية الثورية  الحسينية نفسها في تفاوضات أو حلول وسط ، ولا ترى خلاف الفوز بكل شيء بديلاً يمكن أن تتقبله ، بينما الشخصية الوسطيّة للإمام الحسن تستمزج آراء المصاحبين، فقد إستفتى جنده في مسألة الصلح مع معاوية فأجازوا ذلك ، وهي تتعامل مع الخلافات والنزاعات وفق نظرة ذات طول موجي أشدّ إتساعاً من تلك القيمة المحددة للشخصية الثوريّة الحسينية ،تلك المقفلة عند قيمة محددة أو عند حيّز ضيّق جداً من الطيف الموجي، فهي شخصية قليلة الخيارات، محددة القرارات. إذن ، فشخصية الحسن هي شخصية قائد وزعيم ، بينما شخصية الحسين هي شخصية محارب ، كأبيه بالضبط ، إنتبهوا لأسماء بنيه : (علي زين العابدين، علي الأكبر، علي الأصغر، و جعفر)، أيّ أنّ ثلاثة أرباعهم هم تكرار لإسم أبيه (علي) ، أبوه الذي يشابهه هو أكثر من أيّ شخص آخر ، كذلك ، فليس هناك بين بنيه إسم واحد من أسماء الرسول (محمد) ! بينما تفرز مراجعة أسماء أبناء الإمام الحسن شيئاً مختلفاً مقابلاً ، فهو لم يطلق إسم أبيه على أيّ من أبنائه، بل أفرد لهما إسمين لجدّه لأمّه ، النبي محمد (ص)، لاحظوا: ( محمد الأكبر، محمد الأصغر)، والبقية لا علاقة لأسمائهم بإسم جدّهم علي، فهم على أسماء أنبياء أكثر شيء ، وهذا له معنى كبير وتعلق بما أحكيه هنا عن تنافر شخصيتي الإمامين هذين فيما بينهما .. الحسن ، توجهه نبويّ ، لجهة أمّه ، والحسين توجهه علويّ، لجهة أبيه فهو مثله الأعلى، وليس الرسول . المثير للإهتمام هنا هو كيفية وفاة الإمامين، ومدى تشابه وفاة كل منهما مع المثل الأعلى له !!

والآن، إلى إفتراض حصول ما لم يحصل ، أنا مع ثورة الحسين ومن جانبه بادئ ذي بدء ، لكنني  لا أصدّق التفاصيل التي يحكيها (المقتل) مطلقاً، ولا أعقل أن يتم تحميل الأمويين وحدهم  كامل مسئولية قتل الإمام الحسين هو وأهله ، فمن خذلوه هم الأسبق للإدانة ، وكلاهما مجرم ملعون .. لقد كان الأمر كله إستفزازاً للحسين من جانب يزيد ، وكانت بيعة إجبارية طلبها منه بدون وجه حق، لأن البيعة لا تؤخذ إجبارياً، ولأنّ توريث الحكم في الإسلام باطل ، ولأن نصوص الصلح بين الحسن ومعاوية لا تسمح بتولية يزيد بعد أبيه، ولأنّ يزيد لا يستحق أن يقود المسلمين حتى بغياب الحسين ، لكن ماذا لو؟  :

ماذا لو كان الحسن هو من شهد واقعة الطف وعايش يزيد ؟ وهو مَن توجّه للكوفة، لتزعّم أولئك الخسيسين الذين سيورطونه بعد أيام قليلة من مغادرته للحجاز، بأكبر بوري كوفي عرفه التاريخ؟ هل كان سيفعل مثل الحسين ويعطي ظهره لنصيحة ثلاثة من عباد الله المعرّفين، عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر و عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، إضافةً إلى أبي سعيد الخدري وعمرة بنت عبد الرحمن ؟  هل كان سيتجاهل نصيحة إبن عباس باللجوء لجبال اليمن لتعصمه من جيش يزيد ورجاله، إضافة لنصرة شيعة أبيه باليمن ؟ هل كان سيستمر بالتوجه صوب الكوفة، رغم تبليغه بنكوص وتخاذل الكوفيين ، عند وصوله إلى (زرود) على الطريق إلى الكوفة؟ هل كان سيفعل ما يتمناه خصومه ويرتجونه منه ؟

في مناقشة إصرار الحسين على مجابهة يزيد بن معاوية، تحتار وأنت تناقش أنصار الحسين ( وكلهم، دون إستثناء، لا ولن يكرروا ما فعله الحسين في حالة وضعهم القدر في نفس المجابهة هذه ولو مع مدرائهم  أو آمريهم العسكريين ، لكنك تراهم يوافقونه على ما فعله ويبصمون عليه بالعشرين إصبعاً ، بينما هي ليست أكثر من مسيرة نحو الإبادة ، ليس  إبادته هو فقط ، بل عائلته من الضعفاء والصغار والمرضى والنساء) معه كذلك ، لا أدري كيف يمكن تقييم تلك المسيرة، إن كانت صائبة ومحكمة هكذا كما يدافعون ، وهم أسرى مفهوم العصمة بدون شك ، فلماذا لا يفعلون مثله ويجابهون الطاغوت في كل مكان بصدورهم العارية؟ ما قيمة التضحية والدرس الذي يحكون عنه، عندما لا يمكن تكراره ولو بنسبة العُشر؟ أين الإستعداد ؟  أم أنه قرآن نزل على عباد الله وليس على أسباط الرسول؟ ما نفع أن تباد عائلة بكاملها، لكي تلهم الجبناء الخانعين بعد مئات السنين ، من أمثال العصابة التي تحاورنا ، ما ليس بإمكانهم تقليده؟ لقد كنتُ أجابه في كلّ مرة أحكي فيها كلمة الحق، بواحد من هؤلاء الروافض يبلّغ عني بتقرير ويقسم فيه بمقدساته ومقززاته أنني شتمت صدام حسين  وعرضه ،  وفي مرة منهنّ، كان الواشي الكاذب ذاك يبكي في مقام العباس بكربلاء لحد تورّم العينين ، فما الذي إستفاده أمثال ذلك الموتور من إستشهاد الحسين؟  هل نحتاج متأسياً بالحسين على الظاهر، يوقع بالناس في براثن السلطة بالزور، أم متأسياً يخشى الله ويتقيه في تعاملاته وحركاته؟ لقد كانت تلك الوقائع، كتابة التقارير والأقلام الناشطة، من أسوأ تجارب الحكم السابق، لكن مَن الملام فيها؟ هي لم تتوقف مطلقاً، فالمالكي يحتفظ اليوم بعشرات آلاف المعتقلين وفق وشايات المخبر السري ، فهل تغيّر شيء؟

لقد جعلت روايات المقتل وما رافقها من قصص، إستشهادَ الإمام الحسين قصة تفاخر خيالية  تروى للأحفاد ، وللأتباع الذين لا تثيرهم إلا القصص والحكايا ، من لا تستهويهم من سور القرآن إلا سورة يوسف لأنهم يرون فيها قصة أخوة رموا بأخيهم في البئر ومن ثم عادوا وتصالحوا، وعاشوا عيشة سعيدة، وهناك ذئب خلف كواليس المسرحية يروق لهم وجوده ، فهو يذكرهم بليلى والذئب .

لقد صنع الدجالون من تضحية الإمام الحسين ، عبر المبالغات والتحريفات ،منصة لا يمكن الإرتقاء إليها، فأصبحت مقارعة الظلم وفق المقتل تستلزم الفتك بعائلة المجاهد ، وتجبره على خرق قواعد المنطق ومجابهة عشرات آلاف السيوف والرماح في العراء، بلا سند ، وبلا ملاجئ يحتمي فيها ،لذا قعد الجميع عن النصرة وكرروا الخذلان مع حفيده زيد بن علي بن الحسين عقبها ، فالواقع المتجهم لا يشبه الأساطير تلك ، ومَن يريد بناء أمة متنبهة لحقوقها، حريصة على المطالبة بها، لا ينفخ في وقائع مجزرة الطف هكذا، ليجعل البطل يضرب الأعداء بسيفه فيقتل منهم خمسيناً، تاركاً عائلته وضعافها نهبة للعطش والسهام و أنصال السيوف ، ويعفيه من كل مسئولياته ! هل هناك مَن يرى خلاف ذلك؟ ليخرج ضد أكبر ظالم في بلده إذن، وليكرر ملحمة الطف ويثبت عكس منطقي هذا !!

الواقعة تخص الإمام الحسين وحده ، لا غيره، وإلا لخرج معه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بأقلّ الأحوال،  هي درس لكل الناس وهذا صحيح ، أن ينبذوا الظلم ولا يعينوه أبداً ، لكن لو كان الإمام الحسن في محلّ الحسين، لسلك مساراً آخر غير المجابهة الخاسرة هذه ، فالعدو كان يتربص به ليخرج منذ حجّ إلى مكة قبل خروجه للكوفة ، وكان يتربص به هذه المرة وهو في متناول يدي جنده كي يجبره على التسليم والإعتذار والإنسحاب عن موقفه السابق ، وفي هذه وحدها مصرعه، لأنّ شخصيته الثورية لم تكن لتسمح له أن يفعل ذلك ، ولهذا، فهو لم يعرض عليهم أيّاً من تلك الحلول كما أرى، لقد وجد نفسه بين فكي كماشة، فك العدو المتربص به، وفك الموقف الذي لا مناص منه، وهو المعارضة والرفض، لذا حصل ما حصل . هكذا شخصية لا تعرف المناورة، ما كان لها أن تخرج لوحدها بالمقام الأول.

أول شيء ينبغي فعله، لضمان عدم تكرار هكذا موقف، على مستوى العامة ، هو رفض الطغاة والمجرمين رفضاً كاملاً، وعدم مشاركتهم والإنخراط بنظامهم ، فمَن يتطوّع في جيش يقتل أخوانه وأبناء بلده خدمة لمخططات المحتلين أو تنفيذاً لأجندة الجيران الملاعين،فهو يضع نفسه بين فكي كماشة ، ما تراه سيفعل يوم يضعونه في مقدمة الرتل ويحرقون مدينة عراقية بنيران يطلقها هو وأمثاله ، مثل  ج.م علاوي ذاك ؟  وعدهم القائد الأمريكي قبيل الحركة بأن يبيح لهم كل ممتلكات بيوت النجفيين إن أحسنوا قتال مليشيات مقتدى الصدر ، وفعلاً عاد بما أمكنه نهبه منها ، وأهل المدينة هم أقرباؤه، أبناء عشيرته، أبناء ملته ومذهبه ودينه، مواطنو بلده، هل يعدون أن يكونوا ضمن إحدى هذه الإعتبارات ؟ هذه إحدى العبر والدروس المستنبطة من إستشهاد الإمام الحسين ، من زاوية نظر مغايرة ، بعيداً عن وهم العصمة وأنّ الإمام لا يخطئ التقدير أبداً.

 ومن يختر موقف رفض الطغاة والمستأثرين بالحكم بدون حق ، هل يجهل نهايته ومصيره ما لم يحسن أصول اللعبة ويلعبها كما ينبغي ؟ لقد جرّب أهل المدينة المنوّرة أن يخرجوا على حاكم أموي فجاءهم جيش جرّار فتك بمدينتهم، وهي مدينة الرسول وملاذه ، فهل يرتجى من أمثالهم أقلّ مما فعلوا مع الإمام الحسين؟ لكن جعفر الصادق لم يخرج على خليفة العباسيين في حينه، ومثله فعل كل أحفاد الحسين من الأئمة، لذا يبقى السؤال هو: هل يجوز الخروج على الظالم بدون تمكن؟ وهل هناك وجه ربط بين موقف الحسين وموقف الحسن، وبين موقف الحسين، و موقف جعفر وبقية أحفاد الأسباط ؟ هل أنّ فكر الجهاد واحد لا يتفرع حقاً  لدى الشيعة الإمامية؟

هذه هي العبرة التي لم يحكها أحد لنا لحدّ اليوم، وهي ما نبغيه، ليس اللطم وجلد الظهور بالسلاسل مثل السيخ والهندوس ، وليس إلقاء اللوم على الأمويين وإعفاء المتخاذلين الكوفيين ،  إنّ شعار( كل يوم هو عاشوراء وكل أرض هي كربلاء) الإيراني الصنع،  يمثل فساد عقولهم ، وإستهانتهم بالعالم والكون وخلق الله ، عاشوراء  هي يوم خيانتهم للحسين كما هي يوم إستشهاده فهي مناسبة تحمل ألماً وعاراً ، وكربلاء بقعة  كبقية البقع ، ليست أقدس من مانهاتن ولا من زيوريخ ، بالحقيقة هي تحمل ذكرى خيانة السبط ومصرعه ، فأيّ شرف يتحدثون عنه ؟ و الله تعالى أكبر وأعدل من أن يخلق الأرض والدنيا كلها لأجل شخص واحد و عِرق واحد ، وهذه الكسروية المقيتة، وهذا التعصب المقيت يفصح عن سواد القلوب.

نحن نعرف لماذا يربط المتعصبون أنفسهم بالحسين ويرفعون ألويته وهم أتعس المسلمين عبادةً  وأخلاقاً ، فهم يغطون بشرفه على سقوطهم الأخلاقي ، وتلك سوالف مناف الناجي بنسائهم غير بعيدة ، وهم يختبئون خلف شجاعته كما لو كانوا من جنوده الذين لم يحظ بهم، لأنهم عاشوا زمن صدام حسين وما سبقه ، لا تسمع لهم صوتاً رغم الدفرات والچلاليق التي أشبعهم منها وتسببت لهم بحموضة معويّة لغاية اليوم ، ما علاقة الجبناء بالحسين؟ولماذا لا يتّبعون الإمام الحسن؟ السبب بسيط و واضح ، فالحسين تزوج شاه زنان بنت يزدجرد طايح الحظ ، التي أسرها أبطال القادسية الأولى ، وأنجب منها الحسين إبنه علي زين العابدين ، ولذا تراهم يلصقون أنفسهم بهذا الفرع بالذات وليس بأبناء الحسن ، فهم أتباع حوزة مجوسية ترتجي بعث أمجاد كسرى، الذي كسره الله وأنهى ملكه ، على حساب عنوان رجل طاهر كعليّ زين العابدين .

أما العبرة النهائية، فهي أنّ ما نسمعه ونشهده اليوم من تباهيات محمومة تنطلق من حناجر مسمومة، لم تعرف الشجاعة يوماً في حياتها ولن تعرفه، هي دليل على أنّ ثورة الحسين ثورة كبيرة تحمل رايتها  هنا على عرب تايمز  نفوس وضيعة و حقيرة ، فقد إنقرض جيل الشيعة المجاهدين ذاك، وحلّ محلّهم ذيول الحوزة الإيرانية، وأنّى لهؤلاء أن يبيعوا الشرف على العالم وهم منه خواء!!

 إنّ الفكرة القدرية التي يضخها الدجالون في عقول الناس،من أنّ الحسين سار لقدره و اختار موته بيديه، هي فكرة لا تمتّ للإسلام بصلة ، فالقرآن شرّع صلاة الخوف كي لا يميل العدو على جند الرسول (ص)،  يقيمون الصلاة فيبيدهم أثناءها ، هذا للصلاة، فكيف للحياة كلها؟ ومَن يؤمن أنّ الحسين سار لقبره بنفسه وأنّه كان يعرف بما سيئول إليه أمره كما هو حال أبيه من قبل ، وأنّه إختار الموت لتعيش قضيته من بعده، إنما يفكر بقدرية غبية لا يرضاها العقل، فالحسين لا يمكن أن يكون قد إختار أن ينتحر، وربما لو جرّب من يفكر هكذا أن يعبر الطريق السريع ليلاً بدون إنتباه، تاركاً الأمور للأقدار ، تقتله أو تعفيه إن شاءت السماء، لو فعل ذلك لعرف بطلان القدرية هذه ، ولأراحتنا منه السماء المظلمة والسيارات المسرعة .

ثلاثة مواقف ينبغي إستحضارها يوم عاشوراء ، وفي كلّ مرة يرد فيها ذكر واقعة الطف:

موقف الصائل :

 (البقية في الجزء الثاني)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز