حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
بسبب مرض فقر الدم الفكرى والثقافى اغتالوا فرج فودة

ان المبدع او المفكر , يجب ان يكون غازيا متفردا يحمل قلمه وفكره فى مواجهة طيور الظلام ومرضى فقر الدم الفكرى وانيميا التفكير ..اننا نعيش فى مجتمعاتنا العربية ازمة فكر طاحنة .. اذا اختلفت مع اى انسان فى وجهة نظرك المطروحة فى موضوع ما واختلفت معه فى الرأى او لم تكن من رأيه .. فانه يلقى بك فى الشارع ويطعنك بالكلمات البذيئة التى تدل على التخلف الفكرى وفقر الدم الثقافى والمعرفى او يقتلك معنويا او ماديا .. هذا لو كان المختلف معه فردا عاديا , اما لو كان المختلف معه من رجال الدين فسيطلق عليك قنابل التكفير العنقودية ويتهمك بالخروج من الملة .. وكأنه رب العالمين .. فمشكلة كل مثقف ليست مع الله , بل مع رجال الدين الذين يجعلون انفسهم مكان الله ...فرجال الدين قد افسدوا حياة الناس فى كل العصور .. ومصائب الدنيا كلها بسبب الخلافات بين رجال الدين .. فالصراعات الدينية قد هدمت من الكرة الارضية اضعاف ما هدمته الزلازل والبراكين ...لذلك اذا اختلفت مع رجل دين يكون حكمه عليك هو انك (كافر) .. والتكفير هو : اعدام مؤجل لحين توافر الامكانيات والشروط .. اى لحين توافر من يقتنع وينفذ باطلاق الرصاص على شخص ما ..وهى يعلم تمام العلم ان من باض له الفتوى , منحه معها راحة الضمير , واجر من غير المنكر بيده .. وهذا هو ما حدث مع المفكر المصرى فرج فودة .. لقد كفروه واخرجوه من الملة .. مع ان احكام الخروج عن الاسلام تكون بقول صريح ظاهر لايحتمل التأويل بوجه من الوجوه .. فاذا احتمل القول 99 وجها من التكفير , واحتمل وجها واحدا من الايمان يؤخذ بالوجه الواحد من الايمان , هذا اذا كان قول واضح وصريح .. فما بالك اذا كان الانسان لم يصدر منه قولة الكفر .. لانه ليس بعد الكفر تهمة , وعقوبة الكفر الموت كما يقولون , والموت آخر العقوبة .. ولكننا فى مجتمعاتنا العربية المتخلفة جعلنا الخلافات السياسية او خلافات الاجتهاد تصل الى حد الرمى بالكفر او الردة .. واذا لم نتصدى لهذا التيار التكفيرى فكل مسلم ممكن ان يصبح متهما فى اى وقت من الاوقات .. فما هى التهم التى اغتيل بسببها فرج فوده من تيار التكفيريين :

(1) اتهموه انه رفض تطبيق الشريعة الاسلامية عموما وهاجم تطبيق الشريعة الاسلامية فى السودان ...ياسادة فرج فودة كان رافضا لان الموضوع ليس مسألة دين , بل هى مسألة سياسة بحتة او طرح للقضايا والامور السياسية شديدة الغموض من خلال منطق دينى شديد القبول .. ثم هل تطبيق الشريعة فى مجتمع ما هو ضمان لصلاح المجتمع على الفور وهل انصلح حال المجتمع السودانى فورا ؟ .. ففرج فودة يقول : فى عصر الفتنة الكبرى وبرغم وجود اضلاع المثلث التشريعى الثلاثة ( الحاكم المسلم - عثمان رضى الله عنه - , والرعية الصالحة - صحابة رسول الله واهله وعشيرته قريبى العهد بالرسالة - , والشريعة التى كانت بالتأكيد مطبقة ) فان العدل لم يتحقق ولم يسد الامن والأمان .. فالعدل لايتحقق بصلاح الحاكم ولايسود بتقوى الرعية ولايكون بتطبيق الشريعة الاسلامية .. انما يتحقق بوجود ما يسمى ب (نظام الحكم) او قواعد تنظيم المجتمع على اسس لا تتناقض مع جوهر الدين فى شىء ولا تصطدم مع معطيات العصر فى اطارها العام . وان يكون الجميع سواسية امام تطبيق نظام الحكم لافرق بين وزير ولا خفير , ولا كبير ولا صغير , ولا غنى ولا فقير ..

(2)اما التهمة الاخرى التى اتهموه بها انه يسب الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين .. وهذه فريه سيحملون وزرها الى يوم القيامة لان فرج فودة اراد ان يزيل الخلط عند رجال الدين الذى نتج عن تصور ان (الصحابى المتدين هو الصحابى السياسى ). وانه فى الموقفين شخص واحد علينا توقيره واحترامه وعدم معارضته ابدا .. ففرج فودة يرى ان ذلك خلط بين ووهم متفشى بين كل من يتعرضون لمثل هذه المسائل .. فهو لايعترض على ايمانهم وتقواهم .. ولكن الاعتراض عليهم عندما مارسوا السياسة وانغمسوا فى بحورها العميقة , ومن هنا بدأت حرب حماية المصالح والمغانم .. ثم تعالوا لكى نرى الخلاف كيف وصل بين الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين الى درجة كبيرة من الحرب الكلامية والسباب والشتم .. فمثلا ام المؤمنين عائشة - رضى الله عنها - هى التى قالت عن عثمان بن عفان رضى الله عنه : ( اقتلوا نعثلا .. لعن الله نعثلا ) وهو عثمان ذو النورين ... هى قالت ذلك لان الموقف كان يخص السياسة وليس الدين ... وايضا امير المؤمنين على ابن ابىطالب - رضى الله عنه - عندما قال لابن عباس - رضى الله عنه - فى رسالته التى يطالبه فيها برد اموال بيت المال حين كان واليه على البصرة : (أما تعلم انك تأكل حراما .. وتشرب حراما ) .. هو قال له ذلك من منظور سياسى صرف فأمير المؤمنين يعاتب عامله الذى استعمله على البصرة ... ياسادة الخلط ليس فى صالح الصحابة على الاطلاق حين يحاكمون بمنطق الدين على تصرفات سياسية .. لذلك كان فرج فودة يرى الفصل بين ماهو دينى وما هو سياسى حتى يحفظ للصحابة وقارهم واجلالهم واحترامهم الدينى .. مع وضع اخطائهم السياسية فى ميزان السياسة باخطائها ومصالحها ومناوراتها وكرها وفرها والاعيبها ودروبها .

(3) اما التهمة الثالثة .. فانهم قالوا انه يبيح الزنا عن طريق تحليله زواج المتعة للشباب .. وجهة نظر فرج فودة فى هذا الموضوع بالذات تكشف كل دعاة السلفية الذين يريدون ان تكون حياتنا صورة كربونية من حياة السلف .. فوجهة نظر فرج فودة تقول : اذا كان الماضى صورة بالكربون للحاضر .. فهل ما كان يطبق على الصحابة الذين كانوا يتسرون بالجوارى ويحلل لهم زواج المتعة .. هل يطبق على شبابنا المعاصر الذى لايستطيع ان يتزوج بواحدة لعجز ذات اليد .. ولماذا لاتشفع لهم ظروف الحياة المعاصرة كما شفعت ظروف المجاعة للسارقين فى عهد عمر رضى الله عنه ..

بهذه التهم الثلاث من وجهة نظر رجال الدين اغتالوا فرج فودة بسبب عداوة الجوهر التى هى كعداوة الاسد والفيل .. فرجال الدين لايناقشون الفكر بالفكر والحجة بالحجة .. ولكنهم دائما يفعلون هم ومن على شاكلتهم اطلاق سهام القتل المعنوى والمادى على كل من يخالفهم ..انا لست ممن يعجبه طريقة (الحجاج) الاصلاحية مع الخصوم عن طريق قتلهم او اذلالهم .. لذلك لابد من العودة الى تبادل الاراء واحترام الرأى والرأى الآخر والرحمة بالمخالف ..وما قصة السلحفاة مع الغلام ببعيدة : ( حيث يحكى ان هناك غلام اراد ان يجعل السلحفاة تخرج رأسها من تحت درعها فى فصل الشتاء .. فاخذ يضربها بالعصا ظنا منها انها عندما تخاف ستخرج رأسها ..ولكن باءت كل محاولاته بالفشل .. عند ذلك قال الاب لابنه : ما هكذا تنزل السلحفاة عند رأيك , وقرب الاب المدفأة من السلحفاة .. فاحست بالدفء فاخرجت رأسها وبدأت تتحرك مقتربة من الاب وابنه .. عند ذلك قال الاب لابنه : اذا اردت ان ينزل الناس عند رأيك فأدفئهم بعطفك ..) . وهكذا لابد ان نكون فى اختلافنا مع اراء الاخر مهما كانت صادمة لنا .. لانستعمل كلمات التكفير ولا كلمات القتل المعنوى التى تدل على خواء النفس من آداب التحاور , ولكن بتبادل الاراء واحترام حق الانسان فى ابداء رأيه واحترام الرأى الآخر .. وبغير هذا سنظل محلك سر .. وعندئذ لاينفع الندم .. والاختلاف فى الرأى لايفسد للود قضية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز