أبوبكر الصديق سالم
aalsedik@yahoo.com
Blog Contributor since:
17 October 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
أبو عبيدة بن الجراح .. الوفاء بالعهد – ج3

وكان "أبو عبيدة" ممن استشارهم "الصدِّيق" لغزو "الشام" بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وحاجة الدولة الإسلامية الناشئة إلى تأمين حدودها من الأخطار المحدقة بها، وتأكيد قوتها أمام القوى الخارجية المتربصة بها، والحفاظ على هيبتها ومكانتها في نفوس أعدائها.فلما فرغ "الصديق" من حرب أهل الردة، وحرب مسيلمة الكذَّاب، واستطاع تأمين الدولة من الداخل ضد القبائل العربية المتمردة، وفلول المرتدين من مانعي الزكاة ومدِّعي النبوة وغيرهم، جهَّز الأمراء والجنود لفتح الشام، ووقع اختياره على "أبي عبيدة" و"يزيد بن أبي سفيان" و"عمرو بن العاص" و"شرحبيل بن حسنة"؛ ليكونوا على قيادة الجيوش المتجهة إلى الشام، واستطاع هؤلاء القادة أن يحققوا الانتصارات تلو الانتصارات، فكانت وقعة "أجنادين" بقرب الرملة التي جاءت بالنصر المؤزر، فطارت البشرى إلى "الصدِّيق" (رضي الله عنه) وهو في مرض الموت، ثم كانت وقعة "فِحْل" ووقعة "مرج الصُّفَّر" تتويجًا لانتصارات المسلمين في الشام. واستطاع "أبو عبيدة" أن يتوغل بجنوده في أرض الشام، مارًّا بوادي القرى وبالحجر، فلما دخل "مآب" قاومه الروم وعرب "مآب" فتصدى لهم وأخضعهم، فلما بلغ "الجابية" جاءته الأنباء بتجهيز "الروم" بقيادة "هرقل" للقاء المسلمين بجيش كبير.

وأرسل "أبو عبيدة" إلى "أبي بكر" يستشيره في الأمر، فأمدَّه الخليفة بجيش كبير، وكتب إليه يقول: "أما بعد، فإني قد وليت خالد بن الوليد قتال الروم في الشام فلا تخالفه، واسمع له، وأطع أمره، فإني وليته عليك وأنا أعلم أنك خير منه، ولكن ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك. أراد الله بنا وبك سبيل الرشاد". وبسماحة رحبة وتواضع عظيم يسلم "أبو عبيدة" قياده لخالد بن الوليد، فيجعله "خالد" على المشاة، وانطلق جيش المسلمين ليحاصر "دمشق"، فنزل "خالد" على الباب الشرقي، ونزل "أبو عبيدة" على باب الجابية، وبقية القوَّاد على الأبواب الأخرى. وأحاط المسلمون بالمدينة الحصينة، وضيَّقوا عليها الحصار، وحاول أهل "دمشق" المقاومة والدفاع عن مدينتهم بكل قوة. ووسط هذه الأحداث الصعبة جاء خطاب "عمر بن الخطاب" (رضي الله عنه) إلى "أبي عبيدة" ينعي إليه نبأ وفاة "أبي بكر"، ويخبره بعزل "خالد بن الوليد" عن قيادة الجيش، وتوليته هو القيادة بدلاً منه. ولكن أبو عبيدة يتكتم الأمر، ويظل جنديًّا تحت إمرة "خالد" حتى لا يفتّ ذلك في عضد الجنود، وتجنبًا لما قد يثيره نبأ عزل "خالد" من فوضى واضطراب، خاصة أن المسلمين يواجهون عدوًّا قويًّا قد ضربوا حوله حصارًا محكمًا، لكنه لم يَلِن ولم يستسلم. وسعى "أبو عبيدة" إلى إبرام صلح مع أهل "دمشق" في الوقت الذي تمكن فيه "خالد" من اقتحام الباب الشرقي ودخول دمشق عَنوة. والتقى القائدان في المدينة، ويثور الجدل بينهما حول مصير المدينة: هل فتحت عنوة أم صلحًا؟! ويُصِرُّ "أبو عبيدة" على الوفاء بصلحه مع أهلها، فلا يملك "خالد" إلا إقرار عقد الصلح وفاءً لذمة "أبي عبيدة"، وإبراءً لعهده مع أهل "دمشق"، وينزل له طائعًا عن قيادة الجيش بعد أن يعلم بقرار الخليفة الجديد "عمر بن الخطاب" (رضي الله عنهم) جميعًا.

ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت امرته أكثر جيوش الاسلام طولا وعرضا.. عدة وعددا.. فما كنت تحسبه حين تراه الا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين.. وحين ترامى الى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا.. فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته، وأمانته.. " يا أيها الناس.. اني مسلم من قريش.. وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى الا وددت أني في اهابه"..ّّ حيّاك الله يا أبا عبيدة.. وحيّا الله دينا أنجبك ورسولا علمك.. مسلم من قريش، لا أقل ولا أكثر. الدين: الاسلام.. والقبيلة: قريش. هذه لا غير هويته.. أما هو كأمير الأمراء، وقائد لأكثر جيوش الاسلام عددا، وأشدّها بأسا، وأعظمها فوزا.. أما هو كحاكم لبلاد الشام،أمره مطاع ومشيئته نافذة.. كل ذلك ومثله معه، لا ينال من انتباهه لفتة، وليس له في تقديره حساب.. أي حساب..!!

ويزور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشام، ويسأل مستقبليه : أين أخي..؟ فيقولون من..؟ فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح. ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر.. ثم يصحبه الى داره، فلا يجد فيها من الأثاث شيئا.. لا يجد الا سيفه، وترسه ورحله.. ويسأله عمر وهو يبتسم:" ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس"..؟ فيجيبه أبو عبيدة: " يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل"..!!

وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤن عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة.. وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع.. وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام.. ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه رضي الله عنه في حنان صابر.. وأعاد مقالته عنه:" لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت الا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة"..

وقال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه: " لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سالني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله"..؟؟

ومات أمين الأمة فوق الأرض التي طهرها من وثنية الفرس، واضطهاد الرومان.. مات بطاعون عمواس ودفن في قرية صغيرة حملت اسمه بالغور في الأردن وكان عمره 58 سنة. وضريحه يزار يوميا.

أهم المصـــــــــــادر:

* الطبقات الكبرى: محمد بن سعد – دار التحرير للطبع والنشر– القاهرة:(1388هـ - 1968م).

* المعارف: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري – تحقيق: د. ثروت عكاشة – دار المعارف بمصر – القاهرة: (1389هـ = 1969م).

* سمير حلبى  - أبو عبيدة بن الجراح .. أمين أمة ووائد فتنة –  (في ذكرى خروجه لفتح الشام : 7 من شعبان 12هـ). 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز