عبد الحق خالد
K_maouna@yahoo.fr
Blog Contributor since:
16 February 2010

كاتب من الجزائر



Arab Times Blogs
عن احتقـار الأدب...والهـمّ الثقافي؟

ربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل، ولكن الخير كذلك، و بأنه مخالف، ولكن الحق كذلك، وبأنه مُحيّر ولكن الحسن كذلك، وبأنه كثير التكاليف، ولكن الحرية كذلك..."     مصطفى صادق  الرافعي.


    أقول ابتداءً، لماذا نحتقر الأدب؟ ولا أقول:« دفاعا عن الأدب !..» كما جاء على لسان أساطين نهضتنا الأدبية الحديثة من كتاب وشعراء ومبدعين، لأن المعطيات غير المعطيات، والظروف والملابسات ليست هي نفسها، فزمان مقولة « دفاعا عن الأدب!..» التي رفعها على السواء، دعاة التجديد ودعاة المحافظة على القديم.. كان زمان العباقرة والعمالقة  وحتى المتهجمين فيه على جمود الأدب وقوالبه الصلدة إنما شنَوا حملاتهم على ما اعتقدوه تخلَفا وتقوقعا على الذات ونزعةً إلى تقديس ما لا يُقدس..! ثاروا على هذا العقل المعلَب في محاولة لتحريره ومن ثم تجديده..فكانوا إذن من الأدباء الراسخين والخطباء المفوهين، فجاز لهم ما لا يجوز اليوم لغيرهم أن يدلوا بدلوهم في موضوع الأدب وقضاياه، ولكن زماننا؟ زمان اللاأدب واللاشعر، هو زمان الغطرسة الزائفة والأنفة المكذوبة من أشباه المتعلمين وأنصاف المثقفين المتحاملين على الأدب وأهله، كما هو زمان ضعاف المنتسبين إليه، وهذا التطورالأخير، وهو تطورمطرد مخيف في نظرة الناس القاصرة إلى الأدب والأديب هو ما يدعو حقا إلى التذمر، لا بل إلى القلق على مستقبل الأجيال، ومن ثم دق ناقوس الخطر- قبل فوات الأوان- والتنبيه إلى ضرورة إعادة النظر في تشكيل منظومتنا العقلية والنفسية وذوقنا الجمالي لتفادي نتائج لا يعلم إلا الله مداها إذا ما فقدت الأمة حاسة المشاركة الوجدانية التي هي عنوان كيانها و استقلالها الشعوري...
     في هذا السياق، وقفت في كتاب قيم بعنوان "تاريخ الثقافة والأدب في المشرق والمغرب" لمِؤلفه الدكتور عبد الله شريط –أطال الله بقاءه - على ما نصه بالحرف الواحد:"...وبعبارة أخرى، فالأدب بمعناه الواسع الشامل هو المرآة التي تنعكس عليها حضارة أمة بجميع نواحيها النفسية والعقلية والاجتماعية، ولهذا نستطيع أن نقول – والكلام للأستاذ دائما- أن الأدب هوالصورة الدائمة الخالدة التي تحفظ وجود أمة في صورتها الفكرية والحضارية، وأما الأديب الذي يجدر أن يطلق عليه هذا الاسم، فهو من يستطيع أن يتحمل مسؤولية حفظ هذه الصورة الخالدة لأمته، وبناء على ذلك فان مهمة الأديب في الحياة ليست يسيرة ولا سهلة كما يتوهم الناس عادة، وإن مسؤوليته ليست هينة ولا بسيطة بالرغم مما أشيع غلطا عن مهمة الأديب، وخاصة في عصور الانحطاط من أن الأديب هو ذلك الرجل الذي يعرف رصف الألفاظ رصفا ويحسن التلاعب بها كما يحسن البهلوان ألعابه، ثم هولا يعرف شيئا آخر من نواحي المعرفة و مسؤوليات الحياة الملقاة على كاهل المواطن.."اه
    عندما قرأت هذه القطعة الممتازة عن قيمة الأدب ودورالأديب، وقد أجملتْ ما أراد تفصيله الكثيرون، نظرت من حولي متمليا متمعنا، فماذا وجدت؟...وجدت واقعا مأزوما دفع شاعرنا الفيلسوف "المعري" إلى القول: 
                              ولمّا رأيت الجهل في الناس فاشيا        تجاهلت حتى قيل إنّي جاهـل
                              فواعجبا كم يدّعي الفضل ناقـص       وواأسفا كم يظهر النقص فاضل؟..
     نعم، رأيت بيئة ملوثة آسنة، مناقضة كل المناقضة إن لم تكن معادية لهذا الفن الإنساني الرفيع، خانقة لكل موهبة قامعة لها في هذا المجال بالذات أكثر من غيره...
    أمام موجة الازدراءِ إذن التي عمت الآفاق والاحتقارِ الذي طال كل ما هو أدب وفكر وفلسفة وفن وهبط بالذوق العام إلى الحضيض الأسفل...وأمام تشكيك المتشككين وتثبيط المثبطين، وجدتني أتساءل مدهوشا: هل قرأ الناس الأدب فعلا وتذوقوه فاهتدوا إلى إدراك قيمته من عدم جدواه؟ والناس هذه الأيام لا يقرأون وعن الكتاب عازفون، لهم من مشاغل الدنيا وملهياتها ما يشغلهم ويلهيهم، وما أكثرها مشاغل وملهيات !؟ بل أنّى لهم أن يتذوقوه وهم عن قراءته مستنكفون؟ وهل وعوا دور الأديب ومسؤولياته الجسام في حياة المجتمع العقلية والنفسية والاجتماعية؟...
    الحقيقة أن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها كانت مبهمة غامضة لدي، لكن سرعان ما انجلى الإبهام وتبدد الغموض، لأن الذين يخطئون في حق الأدب والفن وغيرهما هذا الخطأ الشنيع، فيقللون من شأنه أو يتجاهلون خطره ممن أعرف ومن لا أعرف، هم بالأساس أناس أميّون حرمهم الزمن الاستدماري نعمة القراءة والكتابة، وفوّت عليهم لذة الجلوس إلى طاولة واحدة مع فطاحل الكتاب وفحول الشعراء وقادة الفكر الإنساني في مسيرته الطويلة أجيالا تترى عبر العصور، فمن تحصيل حاصل القول: إنهم يجهلون – والناس أعداء ما جهلوا!- هذا العالم العلوي، لم يدخلوه وهم يطمعون! ولعمري فقد صدق القائل:                 جهلتَ فعاديتَ العلومَ وأهلَــها          كذاك يعادي العلم من هو جَاهلُه
             ومن كان يهوى أن يُرى متصدراً          و يكره لا أدري أُصيبت مَقاتلُـه.   
    من المؤكد أن الجهل أحد أهم أسباب هذه المعضلة التي نناقشها لكنه ليس السبب الوحيد، فهناك جملة من الأسباب المتشابكة سنأتي على ذكرها لاحقا.. وأنا لا أخال القارئ الكريم يخالفني الرأي في أننا أمام ظاهرة معقدة لا نستطيع عزلها عن أزمة "مجتمع" كلانية تتسم بالتشعب والشمولية، لها أسبابها الموضوعية وغيرالموضوعية من ظروف اجتماعية ونفسية متداخلة، ولها امتداداتها التاريخية كذلك.. إنها أزمة السقوط في دائرة الطباشير الوهمية لبريخت، وإن شئت فقل دائرة اللامعنى التي شلت حركتنا في كل مجال وقطاع، والرياضة وما تعانيه هذه السنوات ليست آخر قطاع تنتقل إليه جراثيم هذه الفوضى  وعدوى هذا الانهيار بكل تأكيد؟!
    ذلك أنه إذا كان جمهور الأميين ممن ذكرت ضحية تخطيط إستدماري منظم رهيب عمل على  تقويض دعائم حضارة أصيلة وعبقرية وطمس معالمها من نفوس وعقول أصحابها، بل وحاول اجتثاث آثارها ومظاهرها حتى من جغرافيا الطبيعة، فإن ما يؤسف له حقا هي هذه الأجيال "الصاعدة"، أجيال ما بعد استرجاع السيادة الوطنية ونعمة الحرية ممن نالوا حظا قليلا أو كثيرا من التعليم العام أو المتخصص، هذه الألوف المؤلفة من خريجي المعاهد والجامعات الوطنية ، وقد تبنّوا عن "وعي زائف" أو غير وعي واعتنقوا من غير تمحيص هذه الأفكار المشوّهة، فكانوا بدورهم ضحية منظومة اجتماعية متهرئة لم تتبدل في نظرتها الستاتيكية الموروثة عن العهد المشؤوم، نظرة شابها الكثير من الشك إن لم يكن الازدراء لكل ماهو لغة وأدب وفن وتاريخ... ذلك أن الدولة الوطنية حديثة العهد بالاستقلال بتركيزها وإصرارها على ضرورة إتباع سياسة تصنيع تتطلب منح الأولوية للعلوم التطبيقية على حساب اللغة والأدب والتاريخ... في محاولة منها للخروج من دائرة التخلف تكون قد أخفقت في فهم طموح أبنائها فلم تفلح في مواكبة هذا الحراك الذي عرفه المجتمع الجديد خارج الدورة الاستعمارية، ومن ثمة بقيت جهود هذا المجتمع وطاقاته الخلاقة ومقدراته تُبدد في "الساعة الخامسة والعشرين" أي خارج الإطار الذي يُصنع فيه التاريخ؟!..
   وأنا أعتقد أن هناك أسبابا كثيرة تقف وراء هذه الظاهرة، لكن أهمها عندي ثلاثة، هي:
         * غـياب " أنتلجـينسيا نقـدية ".
         *وسـؤال عن التعليم.. هل أصبـح نقمـة بعد أن كان نعمـة ؟.   
         * ثم سـؤال آخر لأنصار الأدب..أيـن هم؟ (غياب الكتاب أم غياب القارئ؟) .
من جهتي أعتقد أن هذه العناصر هي على قدر كبير من الأهمية وتستحق أن نقف عندها وقفة تأمل وتحليل..وهو ما سنحاوله في مناسبات قادمة إن شاء الله







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز