نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لا عـَرَقَ في العراق

اصدر مجلس محافظة بغداد الشهر الماضي، قراراً يقضي بغلق محال بيع المشروبات الكحولية والأندية التي لا تحمل ترخيصًا رسميًا، وكل محال بيع الخمور وتخزينه، وذلك ليس لمناسبة شهر محرم الذي يسري فيه مفعول الغلق سنويًا، بل لأن القرار لم يستثن أي منها، وكذلك الأندية الاجتماعية، ومعنى هذا أن بغداد ستكون بعد شهر محرم الحالي، دون خمر، (ويا حسرتاه يا بغداد والله يرحم أيامك يا صدام يا بن وضحة)، ولن يفتح فيها أي مخزن لبيع المشروبات أبوابه، لا المجازة منها، ولا غير المجازة، ويمكن القول لا عرق في العراق، وسيتحسر أصحاب "الكيف والرواق" على أيام زمان قبل الهجمة الوهابية البوشية المشتركة على العراق وتسليمه لقمة سائغة لديناصورات الزمان.(خبر محرر من مصادر مختلفة)

 ونزيدكم من الشعر بيتاً في هذا الجو الظلامي المكفهر، إذ صدر قرار أدهى وأدق رقبة وأكثر وحشية وهمجية وبربرية، وهو إلغاء قسم النحت وإزالة كافة التماثيل والمنحوتات من مبنى كلية الفنون الجميلة ببغداد بدعوى أنها أصنام، هكذا. من يذكر همجية الطالبان في تدمير تماثيل بوذا في باميان في 2001، رغم تدخل القرضاوي، وذهابه شخصياً للملا عمر ولكن من دون فائدة. هل هناك فرق بين الرؤية الشيعية والرؤية السنية للحياة والإنسان بالمجمل، والمحصلة؟ لا نعتقد ذلك.

وبذا انضمت بغداد إلى منظومة الخليج الفارسي، وتساوى العرب والعجم، من حيث فرض حظر على تناول وبيع والاتجار بالخمور، وهذه واحدة أخرى من مظاهر ودلالات سقوط العراق الجريح بيد القوى الظلامية التي أعادته، وبكل أسف قروناً إلى الوراء، وهذا هو الخوف والرعب الحقيقي حين يؤول الأمر لتلك القوى، من حيث تبيان طريقة تفكيرها، وطبيعة توجهاتها الضحلة والبسيطة، والتي لا تتجاوز رسالتها الحضارية، مشروع منع الخمور والاختلاط، وفرض النقاب والحجاب، وكفى الله المؤمنين شر التمدن والحضارة والتفوق والإبداع. إذن ها هي ما تسمى بمدينة عربية تدخل نفق الظلام، علماً أن هذا الخمر كان متداولاً في أوج ما يسمى بالزحف البدوي، حين كانت بغداد حاضرة الدولة العباسية، ومركز ما يسمى بالخلافة، ولنا في أشعار أبي النواس، وجلسات الأنس، وحكايا بغداد العباسية، ما يعنينا عن أن الخمرة لم تكن محرمة، أو تواجه محظوراً كما يفعل أصحابنا في بغداد اليوم. لم تعد بغداد تمتلك الكثير مما يمكن أن تتباهى به أمام دول الجوار، وهي تفقد سماتها الحضارية، والتنويرية، والمدنية الواحدة بعد الأخرى، وذلك منذ أن سطا "المعممون على مقاليد الحكم فيها، وحولوها إلى مدينة ظلامية أخرى، كالقصيم، وبريدة، والطائف، ويا فرحة "بني وهاب" بهذا الإنجاز. نعم لقد كانت بغداد موضع حسد من كثير ممن يسمون بالعرب، وذلك لطبيعة الدور والمستوى الحضاري والمدني والرقي الاجتماعي الذي وصلت له ذات يوم، لكن مع هؤلاء المعممين فقد أصبحت موضع شفقة ورحمة، وتساوت إلى حد كبير مع مدن الملح والظلام الصحراوية التي ليس لها من رسالة حضارية تقدمها للبشرية إلا منع الخمور والاعتداء على الناس ومنع الاختلاط وفرض مظاهر الدروشة والطقوس البالية التي ليس فيها أي مظهر أو دلالة أو مضمون حضاري يمكن التعويل عليه.

 ما أبشع المدن وما أحطها وأرذلها وأرثها وأوسخها من دون فرح، وضحك وابتسامات، المدن التي تتعرى في الليل كي تستقبل أولئك الحالمين بالفرح والهروب من ضغوطات الحياة. كم هي مدننا كئيبة ومعتمة وغير مؤنسة وحزينة وباكية ومجروحة مع مظاهر الدروشة والبؤس والبهللة التي تعمل الأنظمة الحاكمة على زرعها في نفس الإنسان كي تقتل فيه أية روح للإبداع والعطاء، وتشنق أحلامه، وتجهض أفراحه، ولماذا كتب علينا أن نكون بؤساء، وحزاني نلطم ليل نهار على موت الحسين، ونتباكي ونلعن أنفسنا لأننا لن نستطيع أن نبلغ لمكانة وعظمة وفرادة أولئك البدو الغزاة الأوائل الذين أورثونا كل أمراضهم المجتمعية البدوية التي وضعوها في قالب مقدس عقدهم النفسية والبيولوجية والجسدية والجنسية ضد المرأة وضد الفرح وكل أحزانهم وآفاتهم البشرية التي لا تنتهي، فيحار المرء ويحاول مثلاً أن يجد رابطاً أو وشيجة بين النقاب والإيمان مثلاً.

 ماذا تعني المدن بلا مرقص، ولا حانة، ولا خمرة، ول أناس يفرحون ويطربون ويهجزون ويتبادلون الأنخاب؟ ماذا حققت هذه الشعوب المنكوبة بعد 1400 عام من التقليد الأعمى لسيرة السلف الصالح وموروثاتهم الفكرية والثقافية والسلوكية في الزجر والمنع والصد والرد والردع والتحريم والتخويف وقتل الفرح وزرع القنوط والتجهم والعبوس ووأد الابتسام سوى احتلالها للمراتب الدنيا في كل مجالات الحياة، في الوقت الذي تقدم فيه كل شعوب العالم وتتمدن وترتقي وتحقق الإنجازات دون الالتفات لهذه الصغائر والتوافه التي تشغل بال الفقهاء ومن يقف وراءهم من أولي الأمر؟ ولماذا فرض هذه الوصاية على شؤون الناس وأذواقهم ومن أعطى الشرعية وبأي حق وقانون يتسلط المعممون على خيارات الناس وحياتهم ويمنعون عنهم ما هو مباح لهم في الآخرة، مع الصديقين والأولياء والأنبياء، ألم يبشر المؤمن بأنهار من العسل والخمر في الجنان؟ فهل الأرض أقدس من الجنة وترابها وشخوصها؟ لماذا لا تتساوى الأرض بالجنة وبقوانينها وبما سيكوون بها؟ لماذا نحول الحياة إلى جحيم من أجل الفوز بالفردوس؟ إن هذا القرار الجائر ما هو إلا اعتداء صارخ وانتهاك فظيع وفظ أخرق لحق من حقوق الناس ينكر عليهم خيارتهم الخاصة، ويتدخل ويحشر الأنف في شؤون الناس وحياتهم كما هو الحال مع هذه المنظومة الهمجية التي لا تبالي البتة بخيارات وحقوق الناس وميولهم وأذواقهم التي وهبتهم إياها الطبيعة، وهي ملكهم وحقهم المصان والمقدس الذي لا يجب لأي كان فرض أية وصاية ومزاجية مستقاة من رؤى أيديولوجية وعقائدية عليهم.

 لا عـَرَقَ، ولا "أصنام" (فن الإبداع النحتي يسمونه أصنام)، في العراق، وناهيك عن الأبعاد الاقتصادية المدمرة لهذا القرار في جانبه المادي الصرف، فلن يكون بمقدور أي عراقي، على الجانب النفسي والعاطفي والإنساني، اليوم الترويح عن نفسه وسط الخوف والرعب والقمع والإرهاب وفضائح الطبقة الحاكمة التي يعيش تحت وطأتها، وتحولت إلى مدينة أخرى من مدن الظلام الكئيبة الكالحة البائسة المتخشبة التي تعج بها منظومتنا البدوية المسماة دولاً عربية، فمهمة هؤلاء كانت على الدوام، قتل الحياة وكل قيم الجمال ومحاربة الإنسان أينما كان وهذه هي رسالتهم الخالدة لبني الإنسان. نعم ماتت بغداد، بهذا القرار الجائر، ككل مدنهم الأخرى التي لا تنبض بأي نوع من الفرح والحياة، فللفقيد الرحمة ولآله، من بعده، الصبر والسلوان، على هذا المصاب وهذا البلاء.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز