د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
الدعوة للتغيير وخطأ التشخيص ... رسالة مفتوحة للدكتور البرادعي

 من بديهيات علم المنطق أن المقدمات الصحيحة تؤدي حتماً إلى نتائج صحيحة ،وبنفس القياس فإن من بديهيات الطب أن مرحلة التشخيص أهم من مرحلة العلاج ، أو أنه إذا كان لدينا مريض فإن الطبيب الحاذق هو من يتوصل لتشخيص مرضه ، لا ذلك الذي يقدم العلاج ، ولايصح في المنطق السليم أن نعطي العلاج الفعال لمريض الالتهاب الرئوي كعلاج لمريض بالسرطان أوالعكس مهماكان الدواء غالي الثمن أو شديد الفاعلية فيما خصص له من أمراض. تلك بديهيات ،نعرفها جميعاً بشكل عام ،لكن المؤسف أننا في بعض أمور حياتنا لانستخدم هذه البديهيات وربما لاتلفت انتباهنا من الأساس ..

من ذلك مثلاً الدعوة الملحة في مصر للتغيير والأصوات الزاعقة ليل نهار بضرورة وضع نهاية للحقبة المباركية التي طالت أكثر مماينبغي حتى أن هناك من المصريين من تخرج في الجامعة وعمل وبلغ سن التقاعد بينما السيد الرئيس القائد مازال يجلس مستمتعاً ومستريحاً علىكرسي الحكم بسبب أنه قام بإعداد وتنفيذ الضربة الجوية في حرب أكتوبر ، حتى أن بعض الخبثاء تمنوا لو أنه كان قد ضربنا نحن تلك الضربة الجوية ثم حكم اسرائيل ثلاثين عاماً بعدها في إشارة واضحة لما انتشر من فساد طال البلاد والعباد في عهده السعيد.. وبعيداً عن السخرية والتهكم فإن التغيير ضرورة ملحة وعاجلة وسمة من سمات الشعوب الحية واليقظة لأنه يجددالدماء في شرايين الحكم التي تصلبت وسدت حتى أصيب جسد الوطن بالشلل في كل شيء ..

 لكن المصري البسيط لايميل للتغيير بشكل عام ، ولايعرف فوائده ،لأنه إنسان متواكل بطبعه لايربط الأسباب بالمسببات ، ولديه رصيد سخيف من الأمثلة التي يعتنقها لحد اليقين تمنعه من أن يتخذ أي خطوة لتغيير وضع مستقر مهما كان لهذا الوضع من أضرار عليه وعلىحياته ومستقبله. "اللي تعرفه أحسن من اللي ماتعرفوش".. " اللي يتجوّز أمي أأقوله ياعمي " وغيرها من الأمثلةالسخيفة التي تمجد الوضع الراهن وتمنع التغيير . من هنا تبدو الدعوة للتغيير وحدها غير كافية لإحداث حراك حقيقي في اتجاه تغيير الوضع القائم. أمر آخر يؤدي إلىخطأ تشخيص الحالة المصرية ، هو أن الهجوم الشرس علىالرئيس مبارك ومعاونيه لايؤدي إلى نتيجة ، بل وربما يحدث رد فعل عكسي يكسبه ونظامه نوعاً من التعاطف الذي تعود عليه الشعب المصري إذا ماوجد كل السهام توجه ناحية النظام ووزرائه وأعوانه كنوع سطحي ساذج من الوقوف و معاونة الذي بصدد أن يذل بعد عز . ،ولعل ماحدث في الانتخابات التشريعية الأخيرة خير دليل على أن التزوير قد تم بأيدي بعض أبناء الشعب المصري سواء بتوجيهات من القيادات الأعلى او كنوع من التعاطف مع مرشحي النظام لأسباب شخصية لاعلاقة لها بالحزب والحزبية ولا بالرئيس وأعوانه.. وقد وجد النظام فرصته الذهبية نتيجة مقاطعة الشعب وخاصة في المحافظات الحضرية لعملية الانتخابات ،وقد حكى لي من أثق في نزاهته وكان مسؤولاً عن إحدى اللجان الانتخابية ، أنه من بين نحو ألف شخص مسجلين في لجنته لم يحضر سوى بضع وخمسين شخصاً فقط طوال اليوم الانتخابي ، أي بنسبة أقل من ستة بالمائة وهو ماوهب النظام فرصة ذهبية ليحشو الصناديق بأصوات من تخلفوا عن التصويت باعتبارهم موافقين ، وهو خطأ آخر في التشخيص عند الدعوة لمقاطعة التصويت ، وهي الدعوة التي تمثل فرصة ذهبية لمن يريد أن يزور إرادة الغائبين ويحتسبها لصالحه.

 من الملاحظ كذلك أن عملية إدارة الانتخابات ذاتها يشوبها الكثير من الأخطاء ، ومن ذلك أن جماهير القرويين يصوتون زرافات ووحداناً وبالذات النساء ، ففي الوقت الذي تتدنى فيه نسب النساء اللواتي يتوجهن للإدلاء بأصواتهن في المدن الكبرى وقد يكون من بينهن وكيلات وزارة أوطبيبات ومهندسات أو أساتذة جامعات ، نجد أن آلاف الفلاحات القرويات يقمن بالتصويت تصويتاً جماعياً عن طريق العمدة أو شيخ البلد حتى لاتكاد تكون هناك امرأة قروية بلا صوت انتخابي فعال بالرغم من أنها لاتميز بين أحمد والحاج أحمد كمايقال ، بل إنه حتى الأموات يقومون بالتصويت من خلال عملية تواطؤ مقصودة بين موظف مرتشي وشيخ بلد مرتعش ، وبطريقة هي دي بهانة ياشيخ البلد فيرد أيوه هي ،ثم تخرج بهانة وتدخل من الباب الذي يليه فيسأل من جديد هي دي خضرة ياشيخ البلد فتكون الإجابة أيضاً أيوه هي !!

 فلاشيخ البلد عنده وعي ولاالموظف عنده ضمير ولا بهانة التي هي خضرة تحسب أنها تساهم طوعاً في إغراق الوطن . من هنا أقول للدكتور البرادعي وهو شخصية وطنية صادقة ، إن تغيير التكتيك وفحص الأسباب التي تؤدي لعمليات التزوير والتي تتم بعيداً عن التدخل المباشر لأولي الأمر من ألزم الأمور إذا أراد أن تثمر دعوته الحماسية للتغيير والتي تعرف الحكومة معرفة جيدة أنها لن تؤدي إلى شيء طالما بقي من بين أفراد الشعب من يستمرون على نهجهم في التزوير بسلامة نية او بسوئها . ومن هناكان من ألزم اللوازم ألا تكون الدعوة للتغيير دعوة كلامية بعبارات فضفاضة تساهم في ترسيخ الوضع القائم ، وإنما تكون بالاشتغال بعيداً عن الحكم ومن يحكمون في تغيير الأنماط السلوكية الفاسدة السائدة والمستمرة منذ عرفت مصر الانتخابات والمرشحين. إن الأساليب المتبعة حالياً لن تؤدي إلى شيء ولابد من الاشتغال على أولئك المغيبين عن الواقع والذين يعاونون في بقاء النظام ويعطلون دورة الحياة ويوقفون عجلة التغيير ويساهمون في انتشار الفساد بينما هم أول من يكتوي بنيرانه







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز