منسي الطيب
mansialtaib@yahoo.com
Blog Contributor since:
14 September 2010



Arab Times Blogs
ماذا لو كانت إيران دولة سنية؟

لا يكاد يمر يوم من أيامنا إلا وهناك نعيـق يتبعه نهيـق عربي ينذر بالويل والثبور ويحذر من عظائم الأمور القادمة كلها من إيران.  فإيران قامت وإيران قعدت ، إيران صعدت وإيران نزلت ، إيران طارت وإيران حطت ، إيران قادمة ، إيران نائمة ، إيران دولة مجوسية ، إيران دولة صفوية ، إيران دولة كافرة ، إيران دولة مشركة ، إيران إغتصبتنا ، إيران أحتلتنا ، إيران دمرت العراق ، إيران ساعدت في احتلال العراق ، إيران أخطر من اسرائيل على العرب ، إيران لها علاقة خفية مع امريكا ضد العرب ، إيران تكره العرب!  كما لو كان العالم هائما بدباديب العرب وإرهابهم إلا إيران فهي الوحيدة التي تكرههم!

 

حتى أصبح اسم إيران سيمفونية عربية نستمتع بسماعها بالغدو والآصال وبعد الأكل وقبل النوم ونؤلف منها حكايات وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان ، فالكاتب الأردني المقيم في أمريكا والهارب من جحيم مملكة اللواطة الهاشمية لا يشغله شاغل في قارة أمريكا الطويلة العريضة ولا يؤنب ضميره شيء في هذا الوجود ولا يؤرق مخيلته البدوية إلا إيران ومذهب إيران الذي يختلف عن مذهبه!

والكاتب المصري الكناني يتجاهل متعمدا كل مشاكل وصروف ومصائب وفساد وفقر وجوع بلده ويكتب كل يوم على موقع إيلاف محذرا العالم من إيران ومن دولة الفقيه لأنها خطر على سقائف الدول العربية وزرائبها ، وكأنهم مصدقين حالهم ان لديهم دولا مثل الأوادم وان هناك من يشكل خطرا عليهم وعلى دولهم!

 

والعراقي البعثي السني بعدما قص الألسن وقطع الآذان وحشر الناس على رؤوسهم في سجونه ومعتقلاته وملأ احواض الأسيد بجثث ضحاياه من الشيعة والأكراد ودفن نصف الشعب في مقابره الجماعية وغامر وقامر بماضي وحاضر ومستقبل العراقيين في معاركه الخاسرة وحروبه العبثية المدمرة وشرد الملايين وأحرق أخضر ويابس العراق أصبح الآن لا تفزعه إلا فزّاعة إيران واختلاف مذهبها عن مذهبه الإجرامي الدموي ، فلم تكفه ثمان سنوات عجاف من الحرب الباطلة والدمار والخراب مع إيران ليتحزّم ثانية لحروب جديدة معها أصبح كل سلاحه فيها النباح والعواء والبكاء على أطلال البعث العفلقي البائد.

 

أما شيوخ السعودية فقد وضعوا جانبا كل بلاوي ومخازي وعفونة وسفلس مملكتهم البعرورية وزنا محارمها وظاهرة هروب النساء السعوديات مع الأجانب ليؤلفوا الكتيبات الصغيرة ويوزعوها مجانا في سبيل الله على شعوب دولنا العربية المجيدة ليحذروهم فيها من المد الشيعي الإيراني بعدما يثبتوا لهم طبعا وبالدليل القاطع الناصع الساطع ان علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء والحسن والحسين لم يكونوا من أهل البيت وإنما أهل البيت هم فقط عائشة وابوها وكل من إتبعهما بإحسان إلى يوم الدين بشرط أن يكون من العائلة السفيانية الحاكمة.  هؤلاء السعوديون الوهابيون الذين فجروا الدنيا تفجيرا وملأوها إرهابا ورعبا وقتلا مجانيا في كل مكان من العالم وجعلوا المسلمين في الخارج كلهم متهمين بالإرهاب ومطلوبين للتحقيق والمساءلة بسبب تعاليم الحركة الوهابية التكفيرية أصبحوا الأن لا يشغل عقولهم البدوية القذرة إلا إيران وجمهوريتها الإسلامية!

 

وحينما تتململ من هذا الواقع العربي النتن وتصيح بأعلى صوتك: يكفي يا عربان الجرب لقد صدعتم رؤوسنا بإيران يلعن أبو شريفكم ، يأتيك صدى صوتك لكنه بلهجة بدوية معلقا: كم دفعوا لك يا صفوي يا زرادشتي يا مجوسي ليتصدع رأسك من هذا الواقع؟ وهل هناك أجمل من هذا الواقع العربي الجميل؟!

 

ولكي تتقبل هذا الواقع الجميل جدا لتكون عربيا أصيلا شريفا ابن عربي أصيل شريف ابن عربية أصيلة شريفة عفيفة نظيفة وخفيفة في نفس الوقت في ميزان حسنات رفع الراية ونشر الغواية يتحتم عليك أن تلقي بكل عفونة ونتانة وجهل ونفاق وتخلف وجرب ووساخة وقذارة ومخازي العرب برأس إيران ، وإلا فأنت رافضي مجوسي صفوي أو في أحسن الأحوال شعوبي لا يؤمن بالعروبة ولا يفقه بالدين ولا يفهم في علم السياسة وليس لديه غيرة ولا شرف!

 

وطـز كبيرة أو كما يكتبها المصريون في بعض الأحيان (طـظ) بهكذا دين ، وطز أكبر بهكذا عروبة وهكذا غيرة وبهكذا شرف لا تهتز شواربه العربية المفتولة بالذل والمهانة والعار إلا حينما يتعلق الأمر بإيران لأنها دولة مسلمة آلت على نفسها أن لا تتمذهب بمذاهب الطغاة والمجرمين والشاذين المتداوين في أدبارهم بماء الرجال.

 

لكن .. وآه وألف آه من لكن ، ماذا لو كانت إيران دولة سنية؟

هذا السؤال يجب ان يُكتب بماء الذهب والفضة وبكل معادن الأرض وجواهرها الثمينة ويُعلّق كتعويذة المخابيل على صدور أصنام العرب وأوثانهم المتحركة لأنه سؤال يفرضه الواقع العربي الطائفي المعاصر ويتطلب من أجلاف العرب وجبنائهم المذعورين كالفئران من إيران ان يجيبوا عليه.

فإيران وحتى الأمس القريب - ولأكثر من تسعمائة سنة - كانت دولة سنية تُرضع الكبير وتلبس القصير وتشرب من بول البعير بكل فخر واعتزاز ، وتتعبد الله بسنة حكام وملوك ثولان خوثان طرشان من طراز أبو متعب ملك السعودية والذي يلقبه شعبه المتخلف بملك الإنسانية!  وليت شعري اين هي الإنسانية في مجتمع تكفيري إرهابي تُغتصب فيه حتى الحيوانات المتوحشة كالمجتمع السعودي ليكون لها ملك من أمثال أبو متعب؟!  لكن ماذا عسانا ان نقول؟  فهذه هي ثقافة العرب ، يسمّون الأشياء بغير أسمائها ويصفونها بعكس صفاتها وينعتونها بما يخالف جوهرها ومضمونها ، فالإرهابي الذبّاح قاطع رقاب الأبرياء وقاتل المسلمين ومغتصب نسائهم يسمّونه "سيف الله المسلول" ، وابن السِفاح الذي لم يُعرف أبوه من خاله من جده لأمّه  يسمونه بـ"أمير المؤمنين" ، وذلك العبّاسي الذي كان يضع قضيبه في ثلاثة آلاف جارية في الليلة الواحدة يسمونه "محيي السنة ومميت البدعة" ، والشاذ جنسيا والذي لم يُعرف أذكر كان أم أنثى يسمونه "شيخ الإسلام" ، وسبط النبوّة وسيد شباب الجنة يسمونه "خارجي" ، وطاغية العصر الذي أهلك حرث ونسل العراقيين وكلنا شهود على جرائمة المروّعة يسمونه بشهيد الأمة!!! ألا لعنة الله على هذه الأمة!

 

هذه هي ثقافة العرب وهذا هو دينهم وهذا مستواهم! فلمَ العجب ولمَ الإستغراب ولماذا أصلا نستكثر لقب "ملك الإنسانية" على ثور مستنسخ مثل أبو متعب!!!

 

حين كانت إيران على دين حكام وملوك العرب لم نسمع ان احدا من العربان قد تخاصم مع بعيرته فألقى اللوم في تلك الخصومة على إيران ووصفها بالمجوسية ، ولم نقرأ ان أحدا منهم قد أصابه الجرب فراح يبكي ويولول ويصيح ان ايران الساسانية هي السبب ،  ولم يتناهى إلى سمعنا ان احدا من سلف العربان سواء الصالح أو الطالح منهم قد اتهم إيران بأنها مشركة أو كافرة أو تضمر العداوة للإسلام أو انها تطلب بثارات كسرى وهند رستم وفاتن حمامة كما هو الحال اليوم!  إلى أن تحولت إيران بالأمس القريب من مذاهب أهل السمنة والمجاعة إلى مذهب آل البيت فأصبحت بقدرة قادر دولة مجوسية زرادشتية ساسانية كسروية رافضية صفوية لا يجوز الإقتراب منها لأنها تمثل الخطر الأكبر على العرب!

 

وطبعا ما شاء على العرب الذين لا يشكلون خطرا بإرهابهم على الجنس البشري المتحضر وعلى الحياة كلها ، فقط ايران هي وحدها التي تشكل خطرا عليهم!  العرب مساكين لم يغزوا البلدان ولم يغتصبوا النسوان ولم يستعبدوا الشعوب ويبيعوا نسائها ورجالها وصبيانها في سوق العبيد ويفرضوا عليهم دينا ارهابيا جديدا بحد السيف. العرب مساكين لم يحاربوا إيران لثمان سنوات بدماء وأرواح العراقيين الشيعة والذين أصبحوا الآن يسمونهم بالروافض بعدما كانوا يسمونهم أبطال البوابة الشرقية!  العرب مساكين لم يحيكوا الدسائس ولم يحاصروا إيران ولم يتآمروا عليها ولم يحرّضوا الدول العظمى لضربها ، ولم يفرضوا عليها حصارا وعقوبات دولية ظالمة لتجويع شعبها وإفقاره ، ولم يأتوا بكل جيوش العالم ويجعلوا لها قواعدا دائمة في بلدانهم لمحاصرة إيران وتهديد أمنها واستقرارها!  العرب مساكين لا يفجرون السيارات المفخخة كل يوم في الأحياء السكنية ويقتلون الأبرياء العزّل في العراق لأسباب طائفية ، العرب مساكين لم يصدروا الفتاوى الإرهابية لإبادة الشيعة وتدمير مراقدهم وآثارهم المقدسة ، العرب مساكين لا يشكلون خطرا على أحد ، إيران فقط هي رأس حربة الشر ومحوره الآثم!!!

 

لكن أين كان خطر إيران على هؤلاء العربان الجرب عندما كانت إيران تأكل معهم من نفس قصعة أبي هريرة وتتداوى بأجنحة ذباباته القذرة؟ فجناح فيه داء وجناح فيه دواء ، وبين الداء والدواء كبرت وترعرعت وانطلقت قضبان العرب الذكورية وتكاثروا كالجراد وارتفعت رايتهم خفاقة عالية "أسلم تسلم" بعدما كانت "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"!

 

أين كان خطر إيران على العرب حينما كانت إيران السنية تؤسس ديانة العرب وتضع أصول وفروع عقيدتهم السفيانية ، فالبخاري صاحب أصح واقدس كتاب بعد القرآن هو إيراني أبا عن جد وهو الذي علمهم رضاعة الكبير على أصولها وجعل فيها الثواب والبركة في أحاديثه ، ومسلم والترمذي والنسائي والرجالي وبن ماجة وأبو ماجة وأم ماجة وأخوات ماجة وغيرهم الكثير من علماء الأحاديث والفقه والكلام والتاريخ واللغة والجغرافيا والطب والأدب والرياضيات كلهم كانوا إيرانيين ، بل حتى أئمة ما اصبح يعرف فيما بعد بالمذاهب السنية الأربعة أصلهم إيراني فارسي ولم يكن فيهم عربيا واحدا.  والأكثر من هذا ان حتى اللغة العربية قد طوّرها الإيرانيون ووضعوا لها أساسا وقواعدا وأصولا وجعلوا منها لغة آدمية محترمة بعدما كانت تقاس على سليقة ما تخرجه حيوانات الصحراء من أصوات نشاز حيث لا قواعد ولا نحو ولا صرف ولا كتابة ولا قراءة ولا هم يحزنون ، وليس عالم النحو الشهير سيبويه وابن سيبويه الإيراني الفارسي عنا ببعيد كمثل واحد يغنينا عن بقية الأمثال في هذا المجال وغيره من مجالات العلم وما يسمى بالحضارة العربية التي كانت منطلقة ومحلقة بأجنحة ذبابات أبي هريرة.

 

فما الذي تغيّر الآن واصبحت إيران بين ليلة وضحاها مجوسية وساسانية وزرادشتية تعبد النار وتنام على ثارات كسرى وتشكل كل هذا الخطر الرهيب على عروش وكروش حكام الدول العربية وذيولهم؟!  

هل لأن إيران حقا بكل هذه البشاعة أم لأنها دولة شيعية ، والشيعة كما يُشيعون ويروّجون عنهم بأنهم عبّاد قبور ورافضة ومشركون بالله؟

ومتى كان الشرك بالله يخيف حكام العرب وملوكهم ويزلزل عروشهم إلى هذه الدرجة وهم الغارقون حتى آذانهم بكل موبقات الدنيا وفجورها؟

هؤلاء لا يخافون من الشرك بالله ، هؤلاء يخافون من ثورة الإمام الحسين الملتهبة في نفوس الشيعة عموما وفي نفوس وضمائر الإيرانيين بشكل خاص؟

هؤلاء يخافون من شعار الحسين الخالد "هيهات منا الذلة" ، هؤلاء لا يخافون من عبادة الشيعة للقبور كما يتهمونهم بذلك ، بل يخافون مما يستلهمه الشيعة من أصحاب تلك القبور الطاهرة ، وأقل ما يستلهمه الشيعة من أصحاب تلك القبور هو رفض الظلم ، وبالتالي فالشيعة في نظر هؤلاء الحكام وذيولهم "رافضة وروافض" لأنهم يرفضون الحاكم الظالم ولا يركنون إليه ، وهذا هو ما يخيف الحكام العرب ويرعبهم ويجعل إعلامهم بكل صوره وقنواته مهووسا بتكفير الشيعة وشتمهم وإخراجهم من الملة والطعن بهم واتهامهم بشتى الإتهامات وتصويرهم على انهم الخطر الحقيقي الذي لا يشبهه خطر.

 

ويبقى السؤال ماذا لو كانت إيران دولة سنية؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز