Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
تركتكم على المحجّة البيضاء...!

بسم اللّه الرّحمان الرّحيم و صلّى اللّه و سلّم على آله و صحبه أجمعين  

   دأب الإمام الشّاب المفعم بالعاطفة الدّينيّة و الحماس الفيّاض كلّما صعد منبره ليؤدّي خطبة الجمعة على استهلال خطبته المرتجلة المرسلة بأثر العادة و التّكرار بِ  ..تركتم على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك..؟! و صدقا أقول أنّه ظلّ يردّدها على مدي سنتين أو أكثر قبل أم أحزم أمري  و أتجرّّأ على مواجهته في إحدى المرّات عندما سنحت لي الفرصة و اتّجهت نحوه بعد الانتهاء من الصّلاة و انصراف النّاس من حوله لأجلس قبالته و أبادره و قد اكتنفتني ريح المسك الخليجيّ الصّادرة عنه: حضرة الشّيخ استسمحك..أودّ أن أطرح عليك سؤالا؟ تفضّل..!

 قال بتواضع مبتذل و هو يبسط يده و يعدّل جلبابه النّاصع البياض ضانّا أنّي مقبل عليه مستفتيا مستهديا.  قلت بصيغة مباشرة: من المستهدف في رأيك  بما جاء في خطبة خاتم الأنبياء و المرسلين و لاسيّما المقطع الّذي يقول " تركتم على المحجّة البيضاء..إلخ ، هل هم صحابته و النّاس الّذين عاصروه و عرفوه و خالطوه أم نحن و كلّ المسلمين في كلّ عصر و زمان ...أعذرني فالسّؤال لا أتعمّده و لكنّه يلحّ عليّ و لا أجد منه فكاكا و إن حاولت ..؟!

 بهت الإمام الشّاب و عبرت وجهه الأبيض حمرة و حدّق في وجهي مستغربا قبل أن يردّ بلهجة من أخذ على غرّة: ما من شكّ أنّ رسول اللّه صلّى الّله عليه و سلّم بُعث للنّاس كافّة و كلّ فعله و قوله يخصّ المسلمين عامّة إلى يوم الدّين..أي  أخي هل عندك شكّ في ذلك ؟! إذا كيف أصبح حال المحجّة البيضاء، هل حافظ المسلمون عبر الأزمان و القرون على بياضها ، كيف بدّلوا و غيّروا بعده و أدخلوا على الدّين ما أدخلوا ؟! لماذا تفرّقوا شيعا و نعلا و انقلبوا على حالهم و انزلقوا إلى الاختلاف و الفتن و الاقتتال و برزت على ساحاتهم مذاهب و عقائد، فرق و أحزاب بين مذاهب فقهيّة و عقديّة، أهل السّنة و الجماعة و منهم المرجئة و المجبرة و أهل الحديث و الأشاعرة و السّلفيّة الوهّابيّة ثمّ الشّيعة و مذاهب الإثني عشريّة ثمّ الخوارج و المعتزلة و الأزارقة و الصّفويّة و النّجديّة و الإباضيّة و غيرهم.. و كلّ يرى نفسه حزب الحقّ و الفرقة النّاجية من النّار  الموعودة بالجنان و ما خلاها موعود بالعذاب و الغضب الإلهي..

هل أخلصوا و حافظوا  على المحجّة بيضاء ناصعة كما تركها لهم نبيّهم ( خاتم الأنبياء و المرسلين جميعا ) و أوصاهم بها..؟! أرى أنّنا في هذا غير معنيين و قد نكون معفيين معذورين بما وصلنا و بما عرفنا و ورثنا..يكفي أنّنا آمنّا و صدّقنا و أطمأنّت قلوبنا بالإسلام و الإيمان باللّه و القرآن و الرّسل و الملائكة و اليوم الآخر...لا شكّ أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه و سلّم كان يقصد بخطبته أصحابه و أتباعه و الّذين آمنوا برسالته في ذلك الوقت و لعلّ منهم من زاغ و انحرف و خان العهد  بل و تروي كتب التّاريخ  أنّ المسلمون دخلوا مرحلة غير مسبوقة من الفوضى و الفتن إثر وفاته ( عليه الصّلاة و السّلام ) كانت سببا في  أنّ أعدادا منهم ارتدّوا  و تنكّروا و نكثوا عهودهم و التزاماتهم  لدولة الإسلام الحديثة ممّا وضع الدّين نفسه على المحكّ و أصبح مهدّدا في بقاءه لولا أنّ قيّض اللّه له من جنوده و عباده الصّالحين من اجتازوا به إلى برّ الأمان فحافظوا عليه و نشروه و أوصلوه إلى أغلب اصقاع الأرض ...و فضلا على انقسام المسلمين كما أسلفنا إلى مذاهب و طرق تختلف و تتلاقى في مسائل فقهيّة و شكليّة و نقليّة و غيرها و كثير منهم أصيب بداء التّطرّف و التّنطع فراحوا إمّا يصفون بعضهم البعض و هم على دين و إله و نبيّ واحد بالتّقصير و الضّلال أو يكفّرون و يخرجون من الدّين كلّ من خالف مذهبهم و رأيهم و فهمهم و قد يصل الأمر ببعضهم حدّ استحلال دماء و أعراض هؤلاء أو أولئك و الدّعوة إلى جهادهم و التّقاتل معهم حتّى و إن كان المخالفون يشهدون بالوحدانيّة و بأنّ محمّدا عبد اللّه و رسوله و يؤدّون الفرائض من صلاة و صيام و حجّ..إلخ  فضلا عن كلّ ذلك حصل الانقسام الكبير و الفتنة الكبرى الّتي نشأت فور وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و تحديدا بعد اجتماع السّقيفة و ملابسات استخلاف أبو بكر الصّديق ثمّ مبايعته بعد ذلك، أهمّيتها تكمن في كون الاختلاف هذا المرّة ليس فقهيّا أو شكليّا بل عقديّا يمسّ جوهر العقيدة و يمتدّ إلى أصول الإيمان نفسه..

ترى هل كانت مؤامرة أو انقلابا سياسيا بالمفهوم المعاصر ( إن صحّ التّعبير ) أم أنّ الأمر غير ذلك ؟! هل حقّا اغتصبت الخلافة من عليّ ( رضي اللّه عنه و أرضاه ) و هل سكوته عن المطالبة بحقّه و إحجامه عن مقاتلة من اغتصبوه هذا الحقّ و هو أمر إلهيّ نصّ عليه القرآن ( تأويلا و ليس تصريحا ) و أوصى به النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كما فهم من بعض أحاديثه المتواترة عند الشّيعة و السّنة يمكن إدراجه تحت حكمة الإمام و رغبته في تجنّب الفتنة و الحفاظ على الإسلام و وحدة المسلمين آن ذاك ؟! ما صحّة أنّ الصّحابة و خاصّة أبو بكر و عمر ( رضي اللّه تعالى عنهما ) و هما المتّهمان الأساسيّان ( من قبل الشّيعة ) بالتّآمر و الاستيلاء على الخلافة أثناء انشغال عليّ و أهل الرّسول صلّى اللّه عليه و سلّم بمراسيم دفنه.. ما صحّة انحرافهم و تنكّرهم لدينهم و نبيّهم من أجل عرض الدّنيا الزّائل ؟!  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز