عبدالله المالكي
abdullahaz2000@hotmail.com
Blog Contributor since:
03 February 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
الأمثال صورة حسية للمعاني

 

 

 

المثل هو حكاية شعب يعيش تحت عنوان حضارة واحدة أو بيئة واحدة لها قواسم مشتركة تميزها عن غيرها، ويمتاز المثل بخصوصية تفرقه عن الشعر أو القصة وهذه الخصاصة التي تميز المثل تعتمد على وضوح المعنى بقليل من الألفاظ، ويمتاز المثل أيضاً بأن ليس له قائل أي إنه حكاية إرث جماعي، فإن قيل إن هذا المثل من تأليف زيد أو عمرو فهذا ليس من الصحة في شيء، فهو كالفلكلور والفنون الجماعية التي ليس لها مؤلف بعينه ولكنها إرث مشترك يمثل هوية تلك البيئة التي خرج منها، وبناءً على ما مر يظهر أن المثل هو إرث جماعي يضرب إما لحكمة معينة يسهل تداولها بين الناس أو لتشبيه حالة معنوية بواسطة أخرى حسية لأجل أن يفهم المعنى المراد من الأولى، ويُعنى بضرب الأمثال تسييرها في البلاد، حيث أن معنى الضرب هو السير كما في قوله تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)  المزمل 20. أي يسيرون، ويكثر استعمال الأمثال في الكتب السماوية لأجل توضيح المعاني بطرق يستوعبها المتلقي لأنه لا يمكن تقريب الغيبيات التي لم نشاهدها أو ندركها بحواسنا إلا عن طريق ضرب الأمثال لها، باعتبار أن فهمها متيسراً لدى الجميع. وقد بين تعالى العلة من الأمثال بأنها للتذكير والتفكير كما في قوله: (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) إبراهيم 25. وقوله: (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) الحشر 21.

 

والقرآن الكريم كونه نزل بلغة العرب وعلى قواعدهم لذلك نراه قد استعمل نفس الأدوات المستعملة عندهم من مجاز وبديع وتشبيه وطباق وجناس وحكم وأمثال وغيرها، ومن يعترض على هذا فإنه جاحد لكتاب الله، كما هو الحال مع الذين تمسكوا بنفي المجاز من القرآن الكريم ظناً منهم أن الله تعالى ليس بحاجة للمجاز فهو لا ينقصه شيئاً بعكس الشاعر الذي يحتاج إلى الضرورة الشعرية أو الخطيب الذي يحتاج إلى الأدوات المكملة لحديثه بغض النظر عن الزيادة أو النقصان. وللرد على هؤلاء يجب أن نبين لهم أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم بما يناسب تعبيرنا واستعمالنا للغة، لا أن هناك لغة خاصة تنسب إليه جل شأنه، لأنه [ليس كمثله شيء] وإلا ما رأي هؤلاء بقوله: (سنفرغ لكم أيه الثقلان) الرحمن 31. هل هناك ما يشغله تعالى حتى يفرغ منه ويتجه للثقلين يوم القيامة.

 

فالأمر ليس كذلك ولكنه تعالى يخاطبنا بما هو مألوف لدينا. ومن هنا فلابد أن نشير إلى أن الإرث الجماعي ممكن أن يكون حالة معينة بعيدة عن الفنون أو اللغة ولكنها تصبح متداولة بين أبناء البيئة الواحدة أو ربما تكون محدودة على نطاق قرية أو مدينة صغيرة، كما هو الحال مع المرأة الحمقاء في مكة التي كانت تأمر فتياتها بالغزل ثم بعد إتمامه تأمرهن بنقضه بسبب جنونها، لذلك فإن القرآن الكريم لم يغفل هذه الحالة بل ضرب بها مثلاً للذين يتخذون أيمانهم دخلاً أي [غشاً] بينهم كما قال تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم....... الآية) النحل 92.

 

ومن هنا يظهر أن المثل لا بد أن يكون من صنيع البيئة التي ينشأ فيها فلا يمكن أن يضرب مثل صناعي في بلاد عرفت بالزراعة أو العكس. وكذلك لا يمكن أن يخرج مثل صحراوي من بيئة مائية وهكذا. ولهذا فإن القرآن الكريم جارى العرب بضرب الأمثال التي تناسب ما ألفوه في معيشتهم، فنجد الأمثلة التي استعملها القرآن في مكة تعتمد على ذكر الحيوانات التي تعيش بينهم والعبد المملوك والحشرات وغيرها ولكن بعد الهجرة للمدينة نجد أن الأمثلة قد أخذت تتغير لما كانت تشتهر به كوجود المصباح في زجاجة وفتنة الذهب لغرض الحلية والمتاع وغير ذلك ولو أن هذه الأمثال نزلت في مكة لم يكن باستطاعتهم معرفة مدلولها أو حتى ماذا تعني ألفاظها.

والأمثال في القرآن الكريم كثيرة ولكل منها غرض يعالج حالة معينة كاجتناب ما ينهى عنه أو أمر يلزم إتباعه ولنأخذ أحد هذه الأمثلة ثم نسلط الضوء على ما يراد منه. في قوله تعالى: (مثل الذين إتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت إتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) العنكبوت 41. فهذا المثل ضربه تعالى للذين يتخذون ولياً غيره جل شأنه معتقدين أن هذا الولي هو المنقذ الذي يجب التحصن به كأن يكون حاكماً أو عالماً أو كل ما يقدس على طريقة أهل الضلال، أو من المشاهير الذين توجه لهم الأنظار أكثر مما توجه إلى الله تعالى، علماً أن هؤلاء لا يدفعون ضراً ولا يجلبون نفعاً، فلذلك شبه تعالى حال من يلجأ إليهم بحال العنكبوت التي إتخذت بيتاً في غاية الوهن ولا يمكن أن يتكفل بحمايتها من الأخطار الخارجية، فكذلك هؤلاء عند إتخاذهم للأولياء الضعفاء مقابل الله تعالى يكون أشبه بذلك البيت الذي هو في منتهى الوهن والضعف.

 

ومن أوهن الأقوال التي قيلت في هذه الآية الكريمة هو ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن هذه الآية تحدثت عن العنكبوت كونها أنثى وعلى هذا الرأي فإن البيت المقصود الذي ضرب المثل لأجله هو البيت الذي يكون تحت تصرف المرأة دون الرجل وأرادوا بذلك التقليل من مكانة المرأة، وهذا من أضعف الآراء، حيث لا علاقة للأنثى بالآية الكريمة. أما لفظ التأنيث فيها فهو ظاهر لأنها حشرة وهذا يجري في النمل والنحل والبعوض كذلك، وأكثر من هذا الرأي ضعفاً الذين قالوا إن العلم الحديث اكتشف أن العنكبوت التي تنسج البيت لابد أن تكون أنثى وأرادوا تطبيق هذه الآراء على علم الغيب الإلهي، ومما يضعف آراء هؤلاء أن تأنيث العنكبوت من اللغات التي تعارف العرب عليها قبل نزول القرآن الكريم كما قال أحد الشعراء:

ولو أن أم العنكبوت بنت لهم......مظللتها يوم الندى لأكنـت

وقال أهل اللغة: العنكبوت لفظ مؤنث جائز فيه التذكير كالروح والطاغوت، العنق، السلطان، السماء، السبيل، الطريق، والسكين...... الخ.

فإن قيل: لماذا وضع تعالى الظاهر موضع المضمر في قوله: [وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت]؟ أقول: لأجل أن يسير هذا المثل بين الناس ولو قال لبيتها لانتفت هذه النكتة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز