زهير كمال
zuhair1001@gmail.com
Blog Contributor since:
26 February 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص

كان غضب عمرو بن العاص لا يوصف فقال :

"يا محمد بن مسلمة، قبّح الله زماناً عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب فيه عامل ، والله إني لأعرف الخطّاب يحمل فوق رأسه حزمة من الحطب ، وعلى ابنه عمر مثلها، وكلاهما يلبسان بردة لا تبلغ رسغيهما..  والله ما كان العاص بن وائل يرضى أن يلبس الديباج مزيناً بالذهب."

ردّ عليه محمد بغضب رداً مفحماً :

"أسكت، والله إن عمر لخير منك، وأما أبوك وأبوه ففي النار، ولولا الزمان الذي سبقك به، لوجدناك تحلب الشياه، وتبكي قلّة إنتاجها."

تنبّه عمرو لما قال، وطلب من محمد أن يكتم ما جرى بينهما قائلاً :

"هي عندك بأمانة الله"،    فلم يخبر عمر.

جرت هذه المحادثة بعد ان حضر بن مسلمة مسؤول الولاة في دولة عمر الى مصر وقاسم واليها كل ما يملك ووصل الامر الى نعليه فاخذ واحداً وترك  له الآخر   .

رد بن مسلمة توصيف ملخص لواقع اهل الجزيرة قبل الاسلام ، وحالهم لو لم يأت ويعطهم فرصة ان يصبحوا شيئاً مذكوراً لهم اسماء يرددها التاريخ ، فمن الذي سيسمع براع اسمه عمرو بن العاص يحلب الشياة ويبكي قلة انتاجها رغم كل ذكاءه وتوقّد قريحته .

غيّر الدين الجديد حياة الناس وقلبها رأساً على عقب وفتح لهم الابواب واسعة على مصراعيها للمجد والشهرة وقبل ذلك تحقيق الذات واستعمال الملكات التي منحهم اياها الله خير استعمال  لصالح البشرية التي وصلت معاناتها الحد الاقصى في بداية القرن السابع الميلادي.  

في كلام بن العاص عن الملابس مقياس للغنى والفقر، وربما لا زالت كذلك لو لم يتدخل ذوق الشعب الامريكي فيجعل الجينز الممزق قمة الموضة .

الملابس الجيدة ذلك الزمن كانت في غاية الندرة ولا يستطيع اقتناءها الا موفوري الثراء.

ولكن زهاد المسلمين العظام واقتداءً بالرسول الاعظم قلبوا المعادلات فأصبح الجوهر وليس المظهر هو المقياس .  لم تغير السلطة والنفوذ عمر بن الخطاب فتنعكس على مظهره وتجعله يلبس الديباج والحرير ، فما زال الامبراطور العربي يلبس بردة لا تبلغ رسغيه ولا يهتم ان كان بها رقع كثيرة ما دامت تفي بالغرض وتغطي جسده الفارع . المظاهر لا تدخل في حسبان الزاهد الذي لا يهمه سوى نشر العدل بين الناس وجعل حياتهم أسهل ومنع اعتداء صاحب منصب او نفوذ عليهم .

لا شك ان المنصب يلعب دوراً في جعل الناس يوجهون نظرهم نحو الوجه والعينين اولاً ثم الاستماع الى ما يقوله ثانياً ،  ثم ينظرون الى الثياب فيجدون امامهم ملابس متواضعة فيزدادون اعجاباً واحتراماً بصاحب الشخصية المميزة .  ولعل احترام وتقدير حكام امبراطورية بريطانيا لغاندي وملابسه البسيطة يصب في هذا المنحى ، واختراع التصوير جعلنا قادرين على رؤية تواضع هؤلاء العظام الذي يندر وجودهم في تاريخ البشرية ، وفي هذا السياق نجد مثلاً حياً هو نلسون مانديلا . صحيح ان ملابسه ليست مثل ملابس غاندي ولكنها في غاية البساطة .  المسألة بالنسبة لهؤلاء اختيار للجوهر قبل المظاهر .  

بعد سجال بينهما حول ثروته كتب له عمر في رسالته التى حملها محمد بن مسلمة : "أما بعد، فإني والله ما أنا من أساطيرك التي تسطر ونسقك في الكلام في غير مرجع ، وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة، فشاطره مالك، فإنكم أيها الرهط الأمراء جلستم على عيون المال، لم يعوزكم عذر، تجمعون لأبناءكم وتمهدون لأنفسكم ..."

 يضع لنا عمر القانون التالي من قوانين ادارة الدولة الاسلامية

لا يحق لموظفي الدوله الاستفادة من مناصبهم، ويحق للدولة أن تحاسبهم في اي وقت تراه .

وقد طبق عمر هذا القانون على معظم ولاته فقاسمهم اموالهم ، وكان بذلك يضع حدوداً بين المال العام والخاص .

ما يلفت الانتباه في هذه الرسالة انتقال عمر من الوضع الخاص الى العام عندما أشار صراحة الى مشكلة اساسية في الدولة وهي الولاة ،  يجمعون لأبناءهم ويمهدون لأنفسهم ، وكأن عمر يتنبأ بالمستقبل لأن هذا ما جرى فعلاً.

ارجاع نصف أموال عمرو الى الخزينة العامة كانت تتويجاً لعدة أحداث فرض فيها عمر على واليه نظرة الدولة الاسلامية للأمور ، ولعل اشهرها هي حادثة القبطي الشاب مع ابن الوالي المعروفة والتي رفع فيها عمر غطاء رأس عمرو وقال للقبطي : اضربه فوالله ما ضربك الا بسلطانه ، وكان الشاب لبقاً وقال انه أخذ حقه من غريمه . ولكن مقولة عمر في هذا الحدث ما زالت تدوي عبر التاريخ عندما صرخ قائلاً :

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحراراً ؟

كيف كانت مشاعر عمرو وهو يجد نفسه في هذا الوضع المهين امام احد رعاياه .

لا شك ان المثل التالي أسوا كثيراً  لمشاعر الوالي .

جاء رجل آخر من مصر إلى عمر في المدينة..

قال: "يا أمير المؤمنين، إن عمرو ناداني (يا منافق)، فأقسمت ألا أغسل رأساً ولا أدهنه حتى آتي عمر بالمدينة .

يا أمير المؤمنين، لا والله ما نافقت، فقد أسلمت"

فكتب الفاروق إلى عمرو:

"إلى العاصي بن العاص، فإن فلاناً ذكر أنك اتهمته بالنفاق، وقد أمرته إن أقام عليك شاهدين، أن يضربك أربعين سوطاً"

عندما رجع الرجل، ذهب إلى المسجد، وصاح :

"أنشد الله رجلاً سمع عمرو بن العاص نفّقني (اتهمني بالنفاق)، إلا قام وشهد..  فقام عدد منهم"

وهكذا، أصبح الحكم الوارد في كتاب عمر سارياً.

قال أحد الحاضرين مستهجناً: "أتريد أن تضرب الأمير" ؟ وعرض عليه مالاً كثيراً ليسكت..

قال الشاكي: "والله لو ملأت لي هذا المسجد مالاً ما قبلت..

لاحظ الشاكي التردد عند عمرو والناس على تنفيذ أمر عمر، قال: "ما أرى لعمر أمير المؤمنين هنا طاعة"

وخرج مغضباً فقال عمرو: "ردّوه"

جلس عمرو بين يدي الرجل وأعطاه السوط.

قال الرجل: "تقدر أن تمنع عني بسلطانك"

قال عمرو: "لا، فامض لم أُمِرْتَ به"

قال الرجل: "فإني قد عفوت عنك يا عمرو.. لا ظلم وعمر بالمدينة"

الرواية السابقة صحيحة في جوهرها ولكن المؤرخ القديم كتبها بتصرف فالشاكي كان قبطياً اسلم ولم يصدقه عمرو ، لم يستطع المؤرخ الوصول الى اسم الرجل فقال فلان وقام بعمل حوار في مسجد الفسطاط يشعرك انهم عرب مختلفون مع بعضهم ، ولكن قول الرجل لا ظلم وعمر في المدينة الذي كان يردده الناس ووصلنا يؤكد صحة الرواية.

ما هذه السطوة لكتاب مع مظلوم على من يتخيل نفسه ملكاً مطاعاً؟

كم تبلغ مشاعر الغضب والغيظ وعمرو يقوم من مكانه ويجلس مستسلماً بين يدي الرجل منتظراً تلقي اربعين سوطاً أمام رعيته التي تأتمر بأمره؟

ألا تلعب المصالح دوراً في وقوف البعض وجهل البعض الآخر مع الحاكم الظالم

هل يجرؤ عمرو على عصيان ما ورد في كتاب صغير إلاّ إذا أراد الإستغناء عن وظيفته ، وهو لن يفعلها بحكم تكوين شخصيته.

لنفرض أن حاكماً آخر غير عمر في المدينة، أي ليس بمواصفاته، وجاء الشاكي الأول محب السباق والخيل، ورفضت شكواه أو أهملت . من المؤكد أن الشاب المصري سيشعر بخيبة الأمل من غزاة آخرين من ضمن طابور الغزاة الذي مر على أرض المحروسة، وستنتقل هذه الخيبة الى باقي الشعب، الذي يشكل جسماً واحداً، ومن المؤكد أيضاً أن المثل الثاني لن يحدث! فالناس أذكى من أن تضيع وقتها مع غاز آخر ولآمنوا بأن الظلم قدرهم،   ولكن ........... لا ظلم وعمر في المدينة.

دولة عمر هي  كل دولة يقف فيها المواطن البسيط نداً لاكبر موظف فيها ، فحقه محفوظ تكفله له الشريعة والقانون ، والموظف لا يستعمل منصبه ونفوذه لفرض سطوته على الناس ومفضلاً مصلحته على المصلحة العامة .

ما سبق لا ينتقص من قيمة عمرو كقائد عسكري وكوالٍ استطاع ادارة الولاية بكفاءة فقد بنى الفسطاط واعاد شق القناة التي تصل بين النيل والبحر الاحمر اضافة الى تطهير الترع عصب الحياة في مصر والتي اهملها الرومان مدة طويلة . ومما يلفت الانتباه ان الدولة الاسلامية كانت تخصص اموالاً  لصيانة الكنائس انطلاقاً من مبدأ المساواة الكاملة في الحقوق مثل دفع راتب للمسنين الغير قادرين على العمل بغض النظر عن الدين.  والدارس يلاحظ ان اكبر كمية من المراسلات التي وصلتنا   بين عمر وأحد ولاته هي التي بينه وبين عمرو.

ورغم تطبيق عمر الدقيق للقانون بحق واليه الا انه كان معجباً بدهاء الرجل فقد رأى رجلاً يلعب ببعض الحجارة في الطريق فقال له عمر سبحان الذي خلقك وخلق عمرو .... وقد ذهبت مثلاً

في الجزء الثاني سنرى كيف استطاع عمرو الانتقام مما اعتبره مهانة واذلالاً تعرض لهما من قبل الخليفة العادل .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز