زياد السلوادي
ziadamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 February 2007

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 

See more from this author...

Arab Times Blogs
أسطورة أرض الميعاد ... حقائق وأباطيل

بعد سنة واحدة فقط من اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة ، وقبل سنة واحدة من انتهاء الحرب العالمية الأولى ، صدر وعد بلفور في نوفمبر 1917 ليعطي اليهود حقاً في إقامة وطن لهم في فلسطين . وقد عمدت كل من بريطانيا وفرنسا آنذاك الى إعادة رسم خريطة المنطقة بما يتناسب مع مصالحهما . ولكي تضمن بريطانيا أن لا تتعرض مصالحها في المستقبل لأي خطر قد ينجم عن وحدة العرب ، بخاصة وأنها قد أعطت قبل سنة واحدة من وعد بلفور وعداً آخر للشريف الحسين بن علي بأن تساعده في إقامة دولة عربية موحدة تحت حكمه إن هو ساعدها في حربها ضد الدولة العثمانية ، وقد أظهر لنا التاريخ بعد ذلك فداحة خيانة بريطانيا لتعهدها للعرب ونكثها لما وعدت ، بل وتخطيطها لفصل الأمة العربية شرقها عن غربها بزرع كيان في وسطها يختلف عنها ديناً ولغة وثقافة ، وقد التقت هنا مصلحتها في ذلك مع رغبة الحركة الصهيونية العالمية في إقامة وطن لليهود على أرض فلسطين .

 وقد عمدت الحركة الصهيونية الى استغلال الدين فنقبت في التوراة واستخرجت آيات فيها وعد إلهي لإبراهيم بتمليكه أرض فلسطين له ولنسله من بعده ، وذهبت الى ما هو أبعد باستخدامها لآية أخرى تعد إبراهيم بدولة تمتد من الفرات شرقاً الى النيل غرباً ، ولأن هذا الوعد ثابت فعلاً في التوراة فقد استقطبت الحركة من خلاله السواد الأعظم من عامة اليهود في العالم ، بل وحصلت من خلاله على تأييد كثير من مسيحيي الغرب وبعض مسيحيي الشرق أيضاً ، حتى أن حركة صهيونية أخرى نشأت بين مسيحيي الغرب عرفت بالصهيونية المسيحية لا تزال فاعلة الى يومنا هذا وتتمثل في ملايين من الشعب الأمريكي يقودهم فكر المحافظين الجدد وهو فكر ديني يميني متطرف ، مبنيّ على فكر مخادع تبناه الصهاينة يقول بأن عودة السيد المسيح الى الأرض مرة أخرى لن تحدث إلا بإقامة دولة اليهود في فلسطين ، ولعل ذلك هو السر الذي يقوم عليه الدعم الأمريكي غير المشروط بل وغير المنطقي لإسرائيل ، حتى أن هذا الدعم يصل الى حد أن تقدم مصلحة إسرائيل على المصلحة الأمريكية إذا ما تعارضت المصالح بينهما ، إضافة الى ما تلعبه المصالح الإقتصادية الأمريكية حيث يسيطر اليهود على الاقتصاد الأمريكي بالتوازي مع سيطرتهم على الإعلام مما يجعلهم الأكثر تأثيراً في صنع السياسة الأمريكية الخارجية وتوجيهها نحو ما يخدم مصلحة إسرائيل التي تقوم أيضاً بدور رئيس في تسهيل سيطرة الولايات المتحدة على منطقة الشرق الأوسط ، تلك المنطقة التي تعتبر الأهم في العالم لما تتمتع به من مكانة استراتيجية تلتقي فيها القارات الثلاث ، وما تتمتع به من كونها احتياطياً هائلاً للبترول عصب الصناعة العالمية ، فتقوم إسرائيل بدور كبير في ضمان استمرار تدفقه الى الغرب ، ومن جميع ذلك فإن العلاقة التي تجمع بين أمريكا وإسرائيل هي أشبه بالزواج الكاثوليكي الذي يصعب الفكاك منه . ونظن أن تشابك جميع هذه المصالح لا يزيد في أهميته عن التقاء الفكر اليميني المتطرف المتعصب الذي يجمع بين صهاينة الغرب وبين صهاينة إسرائيل والذي يقوم على فكرة أرض الميعاد التوراتية. ونحن في هذه العجالة سنثبت أن ما قامت عليه هذه الأفكار المتطرفة هو أسطورة بنيت على آية صحيحة من التوراة ولكن دخلها التحريف والتفسير المغرض ثم التعتيم على ما ينقض ذلك كله سواء في التوراة أو في الإنجيل أو في القرآن . تبدأ القصة بالآية رقم 18 من الإصحاح 15 من سفر التكوين والتي نصها ( في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام ميثاقا قائلا.لنسلك اعطي هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات ) .

 ثم يتدرج ذكر هذا الوعد الإلهي مع إسحق ومع يعقوب بعد ذلك ، ولكن الذي تم إغفاله تماماً هو أن إسماعيل والذي هو بكر إبراهيم أي أول أبنائه يشمله أيضاً هذا الميثاق كونه ونسله من نسل إبراهيم ، لأن الآية المذكورة لم تحدد استمرارية نسل إبراهيم من إسحق وحده بل من إسماعيل أيضاً . ويؤيد ذلك أن آية أخرى في التوراة تؤكد لإبراهيم أن نسل إسماعيل ابنه هو نسله أيضاً وذلك في الإصحاح 21 من سفر التكوين ( 12 فقال الله لابراهيم لا يقبح في عينيك من اجل الغلام ومن اجل جاريتك.في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها.لانه باسحق يدعى لك نسل.13 وابن الجارية ايضا ساجعله امة لانه نسلك ) . وإذاً فنسل إبراهيم المذكور في آية الميثاق السابقة يجري على إسماعيل كما يجري على إسحق ما دامت الآية تقول ( لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات ) . ولعل ما يؤيد مذهبنا هنا أنه رغم مرور بضعة آلاف من السنين على ميثاق الله مع إبراهيم فإن بني إسحق لم يملكوا الأرض الواقعة بين النيل والفرات في يوم من الأيام ، بل نجد أن العرب وهم أبناء إسماعيل هم الذين امتلكوها ولا يزالون الى يومنا هذا .

 وأما بنو إسرائيل فقد استعبدوا وذلوا فيها مرة في نيل الفراعنة وأخرى في فرات نبوخذنصر . أما الآيات الأخرى التي تذكر الميثاق مع إسحق ومع يعقوب فتذكر دائماً ميثاق الله مع إبراهيم ونسله ، ولا تحصر نسل إبراهيم في إسحق ويعقوب ولا تمنع أن يستمر الميثاق مع نسل إسماعيل ( العرب ) . فحين تمرد بنوا إسرائيل على شريعة الله فظلموا أنفسهم وقتلوا أنبياءهم وأفسدوا في الأرض ، لم ينقض الله ميثاقه مع إبراهيم بسببهم ولكن تحول هذا الميثاق من نسل إسحق بن إبراهيم الى نسل إسماعيل بن إبراهيم ، وهو بذلك يظل قائماً ويعطيه الله تعالى للنسل الذي يستحقه منهما ، لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد . وهذا الكلام ليس من عندنا ، بل هو قول آخر الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى الى بني إسرائيل فرفضوه رفضاً قاطعاً وعملوا على الخلاص منه بشتى الوسائل بل واتهموا أمه البتول بالزنا وأنه بالتالي ابن زنا ، هذا الرسول الكريم هو المسيح عيسى بن مريم آخر الرسل من بني إسرائيل الى بني إسرائيل .

ونقرأ على لسانه كلاماً قاطعاً في الإصحاح 21 من إنجيل متى ( 33 اسمعوا مثلا اخر.كان انسان رب بيت غرس كرما واحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى برجا وسلمه الى كرامين وسافر. 34 ولما قرب وقت الاثمار ارسل عبيده الى الكرامين لياخذ اثماره. 35 فاخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضا وقتلوا بعضا ورجموا بعضا. 36 ثم ارسل ايضا عبيدا اخرين اكثر من الاولين.ففعلوا بهم كذلك. 37 فاخيرا ارسل اليهم ابنه قائلا يهابون ابني. 38 واما الكرامون فلما راوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله وناخذ ميراثه. 39 فاخذوه واخرجوه خارج الكرم وقتلوه. 40 فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل باولئك الكرامين. 41 قالوا له.اولئك الاردياء يهلكهم هلاكا رديا ويسلم الكرم الى كرامين اخرين يعطونه الاثمار في اوقاتها. 42 قال لهم يسوع اما قراتم قط في الكتب.الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار راس الزاوية.من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في اعيننا. 43 لذلك اقول لكم ان ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لامة تعمل اثماره.44 ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه ) . ونقرأ أيضاً نصاً مماثلا لهذا في إنجيل لوقا وفي إنجيل مرقس .

 وتفسير المثل أن الكرم هو الأرض والكرامين هم شعب إسرائيل وصاحب الكرم هو الله والعبيد الذين أرسلهم يطلبون الثمار هم الأنبياء والثمار هي اتباع الشريعة . وحيث أن اليهود قد رفضوا بعض الأنبياء وقتلوا بعضهم الآخر فإن الله تعالى سيطردهم ويعطي الأرض لأمة أخرى تقبل شريعته وتعمل بها . ومن المهم أن نلاحظ هنا أمرين على درجة عالية من الأهمية ، الأول هو استخدام لفظة ( الأمة ) وهذه اللفظة في مصطلحات بني إسرائيل تعني الناس الذين ليسوا من بني إسرائيل ، لأن الناس من منظور اليهود نوعان لا ثالث لهما ، الأول هم بنوا إسرائيل أنفسهم ، والثاني هم الأمم ( جوييم ) أو ( الغوغاء ) الذين هم باقي سكان الأرض . فقول المسيح هنا ( الحق أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره ) ، يعني أن شريعة السماء ورسالاتها الى بني إسرائيل ستنقطع عنهم الى الأبد ، وستعهد بها السماء الى ( أمة ) ليست من بني إسرائيل بطريقة لا تخلّ بميثاق الله تعالى مع إبراهيم لأنها ستظل في نسله أيضاً ، ولكن هذه المرة في نسله من إسماعيل ، ودليلنا على ذلك هو قول المسيح (اما قراتم قط في الكتب.الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار راس الزاوية.من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في اعيننا ........ 44 ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه ) ، وفي هذا الكلام إشارة الى موقف سارة زوجة إبراهيم من إسماعيل وأمه هاجر ، حيث تذكر لنا الآيات من سفر التكوين الإصحاح 21 (ورات سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لابراهيم يمزح.10 فقالت لابراهيم اطرد هذه الجارية وابنها.لان ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحق. 11 فقبح الكلام جدا في عيني ابراهيم لسبب ابنه. 12 فقال الله لابراهيم لا يقبح في عينيك من اجل الغلام ومن اجل جاريتك.في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها.لانه باسحق يدعى لك نسل. 13 وابن الجارية ايضا ساجعله امة لانه نسلك 14 فبكر ابراهيم صباحا واخذ خبزا وقربة ماء واعطاهما لهاجر واضعا اياهما على كتفها والولد وصرفها ) . فكأن الحجر الذي رفضه البناؤون هو إسماعيل الذي طردته سارة والذي صار بعد ذلك ( أمّة) والذي انتقلت رسالة السماء الى نسله بعد توقفها في بني إسرائيل حين رفضوا المسيح آخر أنبيائهم ، فأصبح إسماعيل هو رأس الزاوية بعد انتقال رسالة السماء الى نسله دون أن يبدل الله ميثاقه مع إبراهيم ، لأن كلا النسلين من إسحق وإسماعيل نسل إبراهيم . ولما لم يعرف التاريخ نبياً أرسل برسالة سماوية بعد المسيح غير محمد بن عبد الله الذي هو من نسل إسماعيل بن إبراهيم ، فإن آيات التوراة وآيات الإنجيل قد اتفقت على صحة رسالته ، وكذلك على انتقال إرث ميثاق الله مع إبراهيم من بني إسرائيل الى بني إسماعيل ، وهذا الإرث يتمثل في أرض غربة إبراهيم التي هي فلسطين ، وقبلها الأرض الواقعة بين النيل والفرات .

 لقد عمدت الصهيونية العالمية الى التضليل والتزوير والتعتيم في محاولة إثبات حق مزعوم لبني إسرائيل في فلسطين حتى أنها اتخذت من النيل والفرات شعاراً لعلم دولة إسرائيل تمثل في خطين أزرقين بينهما نجمة داود السداسية ، مع العلم بأن فلسطين كانت خياراً للحركة الصهيونية من بين خيارات أخرى لمناطق أخرى من العالم في أمريكا اللاتينية وفي أفريقيا ، مما يعني أن الهدف الحقيقي ليس أرض ميعاد توراتية بل دولة صهيونية في أي مكان ، ولكن فلسطين كانت هي الخيار الأفضل للدولة لما لها من علاقة قديمة باليهود، ورغم كل هذا التدليس فإن طائفة ليست بالقليلة من اليهود المتدينين يعلمون الحقيقة ويرفضون الاعتراف بدولة إسرائيل في فلسطين ، ولكننا نعجب أشد العجب من مسيحيي الغرب ومن بعض مسيحيي الشرق حين يصدقون هذه المزاعم مع أن المسيح نفسه أعلنها صريحة قبل ألفي عام حين قال مخاطباً بني إسرائيل : ( 43 لذلك اقول لكم ان ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لامة تعمل اثماره ).







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز