د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
ثقافة الغش والتزوير في حياتنا

        في المجتمعات التي خضعت طويلا للاستعمار غالبا ما تكون ثقافة الغش والخداع والتزوير هي المسيطرة، ففي ظل الاستعمار تعودت الشعوب على خداع المستعمر وغشه، كما تعودت المراوغة وعدم التصريح بالحقائق، وبعد خروج المستعمر، وبدء حياة مستقلة تكون ثقافة الغش والخداع والتزوير مازالت قائمة ثابتة في عدد كبير من النفوس، يكون هناك تعليم، ومع التعليم في مراحله الأولى يبدأ عدد من المعلمين غرس ثقافة الغش والتزوير، فتجد المعلم يساعد طلابه للإجابة عن بعض الأسئلة التي يراها صعبة عليهم، حتى ينجحوا، وتسعد بهم أسرهم، ولماذا كانت الأسئلة صعبة؟ سؤال لا نعرف له جوابا إلا عند المدرس الأول المسئول عن وضع أسئلة الامتحان.

        كبر الأطفال وهم يعرفون أن الأستاذ سيساعدهم في الامتحان، وثبت في نفوسهم هذا التزوير، إعطاء أنفسهم غير ما يستحقون، والحصول على حقوق الآخرين، وعندما صار الأطفال شبابا تغير الحال قليلا، فبدلا من أن يكون المدرس هو المسئول عن تسهيل عملية الغش وتزوير الامتحانات، أصبحت جهات عديدة هي المسئولة عن هذا، فبعض الأسر في بعض الأحيان تتدخل؛ فتقوم برشوة اللجنة المسئولة عن النظام والمراقبة، ومجلس غير رسمي من الآباء الذين يؤمنون بفكرة الغش والخداع والتزوير يقوم بتوصيل هذا المطلب غير الشرعي إلى اللجنة التي لا بد لها من قبول الطلب حفاظا على حياتها، وحفاظا على السلام الاجتماعي، وحفاظا على مستقبل أبناء الأمة أو الشعب.

        كبر الشباب وصاروا في التعليم الثانوي وهنا تصبح عملية الغش بالإكراه؛ فلا هي بالرشوة ولا هي مساعدة يقدمها الأستاذ؛ إنما هي حق مكتسب؛ فقد ثبتت ثقافة الغش والتزوير في نفوس هؤلاء الطلاب، ومن ثم كانت الميكروفونات تقف شامخة على أسطح العمارات المواجهة للجان الامتحانات، ممسوكة بأيد أكثر شموخا، يباهي أصحابها بقدرتهم على مخالفة القوانين، وتيسير عملية الغش رغم حماية الشرطة للجان، وهناك أساتذة متخصصون في مادة الامتحان تجيب عن الأسئلة، ومراسلون سريون يقومون بإحضار أوراق الأسئلة من اللجنة وتوصيلها للأساتذة، وقراء جاهزون لإذاعة إجابة بعض الأسئلة، وبهذا تتم عملية الغش من خارج اللجان.

        أما في داخل اللجان، فهناك المراودات والمزايدات، وهناك المفاضلات ثم التهديدات، فالغش من حق الجميع، وواجب على الجميع القيام بتسهيل هذه العملية.

        التحق الطلاب بالجامعة؛ وفهموا أن السلطة فيها غير مركزية؛ فالأستاذ- من وجهة نظرهم- يستطيع أن يفعل أي شيء؛ فتحولت طرقهم للغش من الحصول عليه بالإكراه إلى الحصول عليه بالخداع، فتصوير الكتب والمذكرات، والروشيتات، وتصغير حجم التصوير، ووضع أدوات الغش في أماكن مخفية من الثياب، والكتابة في أماكن حساسة يمنع من النظر إليها، وصور كثيرة من صور الغش والخداع تتم على يد هؤلاء.

        على الصعيد الآخر يقوم الأساتذة بتيسير الأسئلة حتى ينجح الطلاب، ولا بد أن تكون نسبة النجاح أكثر من خمسين بالمائة؛ وإلا اتهم الأستاذ بأنه لم يؤد واجبه، وتعرض للمساءلة القانونية.

        بعض الأساتذة كان قدوة في عملية الخداع والغش، فبدلا من أن يحضر في وقت المحاضرة، يتأخر حتى آخر جزء من وقتها، وبعضهم كان أكثر خداعا، فيغيب عدة محاضرات، ثم يحضر في لقاءين أو ثلاثة لقاءات؛ ليقرر المهم، ويحذف للطلاب معظم مفردات المادة، ويبقي لهم على موضوعين أو ثلاثة لتكون هي موضع أسئلة الامتحان، فيطير الطلاب فرحا بهذا الأستاذ المزور والمخادع والغشاش، ويعدونه أفضل الأساتذة؛ فالامتحان بين أيديهم، وما المشكلة في أن يتعلموا أو لا يتعلموا؟

        تخرج هذا الصنف من الطلاب في الجامعة وهم يتقنون صورا متنوعة من الغش والخداع والتزوير، وثبت في ذهنهم أن هذا هو الأصل، وأن الالتزام بالأخلاق الحميدة حماقة لا تناسب العصر الذي لا يوجد فيه شيء يتم دون غش أو خداع ومراوغة.

        بالطبع هناك من يكرهون الغش، ولا يمارسونه أبدا، ويرونه شيئا مهينا من الناحية الخلقية، ويرونه أيضا طريقا للفساد من الناحية الاجتماعية؛ إذ يعطي بعض الناس حق غيرهم، وبه تتبوأ مجموعة من الفشلة أماكن ومناصب كان غيرهم بها أولى.

        دخلت شعوبنا عصور الديمقراطية الكسيحة، وأردنا أن نثبت للعالم أننا نتمتع بديمقراطية سياسية، كما يتمتع بها العالم المتحضر كله، فعقدنا انتخابات لمجلس الشعب والشورى والرئاسة وغير ذلك من الأنواع الانتخابية المتعددة التي نعقدها بين الحين والحين، لكننا لم ننس ثقافتنا التي تشكل جزءا كبيرا من كياننيا؛ لم ننس الغش والخداع والتزوير، فنحن نعلم أنه لا شيء يتم دون غش وخداع وتزوير، وعدد من رؤساء لجان هذه الانتخابات من الذين تربوا وتعلموا وتشبعوا بهذه الثقافة. فهل نلومهم إذا مارسوا ثقافتهم التي اعتادوها؟

        ليس هذا اتهاما؛ لكنه اعتراف بواقع ثقافي نعيشه، ونمارسه، ومن الصعب أن ننساه مالم تكن هناك استراتيجية كاملة لتغيير ثقافة المجتمع، وإحلال ثقافة الوضوح والشفافية. فهل يأتي يوم نرى فيه الأشياء على حقيقتها؟ وهل نحلم بيوم يتم فيه كل شيء بوضوح دون غش أو تزوير، ولا خداع أو تجميل؟  آمل ذلك.

                د. حسن محمد عبد المقصود

                كلية التربية- جامعة عين شمس







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز