Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
عن المرأة ... والحجاب ... وأشياء اخرى

هناك مظاهر تشكّلت عبر القرون بفعل ثقافة مريضة مشوّهة و متخلّفة ميّزت تعاطينا مع المحيط و الآخر ، ورثناها بسبب الفهم الخاطئ للدّين و بفعل الزّمن  تكرّست صورة نمطيّة سلبية انطبعت و ترسّخت في أذهان و عقول الآخرين عنّا و أصبح من المتعذّر في المستقبل المنظور على الأقل مسحها أو تحسينها، هذه الصّورة النّمطيّة تتلخّص في أنّنا ربطنا ديننا بثقافة العنف اللّفظي و الفعلي و التّجهّم و الحزن و السّواد و منظر الجمل و الصّحراء و الصّمت و ميل ضدّ الإبداع و الخير و الجمال و الحياة و البعد الإنساني....بالإضافة إلى نظرة مهينة و دونية للمرأة على عكس ما ندّعيه و نزعمه من أنّنا نلتزم أوامر ديننا في أحترامها و الحفاظ على كرامتها بينما نحن في حقيقة الأمر نستخدم الدّين و نتحجّج به كثيرا لإهانتها و التّمادي في إذلالها....؟!

  مشهد هزّتي و جعلني رغما عنّي أتساءل، قد أبدو للبعض أنّي أطرح موضوعا تافها لا يرقى إلى ما يطرحه الكثير من الكتّاب الجادّين لكنّي وجدتني ميّالا لطرح بعض ما يشغلني حتّى و إن بدا ما أطرحه تافها في نظر من كلّف نفسه عناء قراءة هذا الكتاب ...   المشهد الّذي سأرويه حقيقي و هو شائع و الجميع يرونه و لا يثير فيهم شيئا على ما يبدو على عكسي أنا!   لديّ قريبة تزوّجت منذ سنوات  قليلة  و أنعم اللّه عليها بولدين و بنت أكبرهم ولد و عمره أربعة عشرة سنة و أصغرهم البنت و عمرها لا يتجاوز التّسع أو العشر سنوات، ما أثار انتباهي أنّ  الولدين يأخذان حقّهما كاملا في اللّعب و حرّية الحركة على عكس البنت المحرومة المضيّق عليها المحرومة من اللّعب خارجا إلاّ ضمن  ضوابط و حدود مرسومة رغم أنّها طفلة و لازالت لم تتخطّى عمر البراءة بسبب أنّها أنثى و بغرض على ما يبدو تربيتها و تعويدها منذ الصّغر حسب نظريّة والدها المتدّين ( فرضا ) على  الحجاب و أخلاق المرأة المسلمة !

  كم مرّة رأيت الطّفلة و هي واقفة أمام باب بيتها بحجاب خيط و فصّل على مقاسها و خمار يغطّي رأسها الصّغير فلا يكشف إلا وجهها،  ترقب الصّغار من مثل سنّها و خاصّة الإناث و قد  بان عليها الشّرود و رسم الحزن أسارير وجهها ، تقف صامتة فتبدو كأنّها أكبر من سّنها أو كأنّها لا تنتمي إلى عالمهم أو لا يحقّ لها ما يحقّ لأمثالها،  تكتفي بالتّفرّج عليهم بتلك الهيئة الغريبة المناقضة حسب رأيى لبراءة الطّفولة و احتياجاتها...تراقب الأطفال بلا حيلة و هم يجرون و يلعبون و يمرحون بحرّية بل و  يباهون بعضهم بعضا بما يشتري لهم آباءهم من ألبسة  و لعب و غيرها...   كثيرا ما تكرّر هذا المشهد أمام ناظريّ بحكم أنّ قريبتي تجاورني المسكن، تجرّأت في إحدى المرّات و أفصحت لها عن مشاعري بل نصحتها أن تترك طفلتها تأخذ نصيبها على الأقلّ في هذه السّن المبكّرة من اللّعب و  التّمتّع باللّبس و يؤجّلا هي و زوجها إلزامها بالحجاب و التّضييق عليها في الدّخول و الخروج حتّى تكبر قليلا لكنّ المرأة ردّت بأنّ زوجها ملتزم و يعتزم تربية ابنته التّربية الإسلاميّة الصّحيحة و يعوّدها منذ صغرها على الحشمة و الحجاب الشّرعي؟!

  انتشرت موضات و تقليعات الحجاب أو بما يعرف بالزّي الإسلامي في الدول العربية و الإسلامية كانتشار النّار في الهشيم و تراوحت بين النّقاب و تغطية كامل الجسم بما فيها الوجه و اليدين و القدمين إلى الاكتفاء بتغطية الرأس و تحرّر باقي الجسد، حتّى أصبح إيمان المرأة أو إسلامها لا يصحّ و لا يتمّ إلاّ إذا إلتزمت بهذا الزّي من اللّباس و وجدت نفسها مجبرة بفعل الرّواج و الدّعاية المكثّفة و التّيار الجارف لموضة الحجاب، و مع السّنوات ارتبط هذا الزّي و انضاف إلى النّمطيّة المعروفة الّتي كرّست لدين الإسلام... بما أنّ التزيّن و السّعي لتحسيين المظهر من طبيعة المرأة و من دوافع غريزتها المحظة لذلك نراها تقاوم صامتة و لكن  ببسالة  تيار التّحجب بأسلوب المراوغة و التّحايل لإبقاء على حدّ يزيد أو ينقص يمكنها من ممارسة حقّها الطّبيعي في أخذ زينتها و تحسين مظهرها بالمستوى المطلوب!   كثير من الفتيات و إن أبقين على غطاء الرّأس إلاّ أنّّهنّ عن قصد و سابق إصرار أعفين باقي الجسد و لم يتردّدن في مسايرة العصر و محدثاته من الألبسة، و هكذا صرنا نشهد مظاهر  لبسيّة غريبة أو متناقضة مثل غطاء الرّأس و سروال الجينز و مع الوقت ظهرت تقليعات مبتكرة للحجاب العصري تواكب و تكرّس أكثر فأكثر و رغما عنّا ميل النّساء للتّبرّج و تعاند و تتجاهل تيار التّحجب العامّ !

  في الوقت الّذي انتقلت فيها أمم أخرى إلى نقاش مواضيع إنسانيّة كونيّة أو التّفكير في السّفر إلى كواكب أخرى لا زلنا نحن مع الأسف أسرى الجدل العقيم و لا تتعدّى اهتماماتنا اللّحية و التّقصير و الموسيقى مزمار الشّيطان و المرأة عورة..إلخ،   لست أدري إن كان موضوع  الحجاب قد أخذ حقّه من النّقاش و الجدل الّذي بدأ حسب ما قيل لي منذ أواخر السّبعينات على الأقلّ في بلدي الجزائر و لم يكن قبلها مطروحا  أو يشكّل أهمّية ما لدى عموم النّاس، فالجميع حرّ في مظهره و فيما يلبسه...إلى أن اجتاحت بلادنا ( و البلدان العربيّة الأخرى ) موجة ترويجيّة طاغية للحجاب أتت بها الأشرطة السّمعية و الكتب و الدّوريات من السعودية و ركّزت عليه بشكل غير مسبوق مستعينة بالاستشهاد و الاستنباط من القرآن و السّنة النّبويّة و جاعلة منه ضرورة و أصل التّديّن عند المرأة!

  أنا لا أدعو و لا أشجّع على العري أو التّبرّج الماجن كما لا أنوي من وراء طرح هذا الموضوع الإثارة أو أذكاء نار الجدل بقدر ما أهدف إلى تبيان المنعكسات  و النّتائج السّلبية الّتي تلحق بشخصية المرأة و حياتها و كذا بدورها في المجتمع  من جرّاء  ملاحقتها و إجبارها بشكل مباشر أو غير مباشر و التّضييق عليها بلبس الحجاب أو فرض زيّ دخيل علينا من حيث أنّه يؤدّي حسب ما أعتقد إلى تقييد حرّيتها في العمل و الإبداع و المشاركة في التّنمية العامّة، فليس من اللاّئق أو المفيد ربط الإيمان أو صحّة دين المرء رجلا كان أو إمرأة بزيّ يلبسه أو هيئة يتّخذها....   الإسلام عالمي و محمد عليه أفضل الصّلاة و السّلام بعث للنّاس كافّة و لا فرق في شريعته السّماوية  بين أبيض أو أسود ، و الله سبحانه لا يهتمّ بأزيائنا و مظاهرنا و تقاليدنا المختلفة بإختلاف بيئاتنا و أزماننا بقدر ما يهتمّ بنشر الأخلاق الحميدة و المحبّة و السّلام و تشجيعنا على التّعارف و التّواصل فيما بيننا....فلا فرق بين عربي و أعجمي إلاّ بالتّقوى...؟  

 في غدوّي و رواحي بين بيتي و عملي يتاح لي يوميّا رؤية فتيات الجامعات و هنّ  خارجات أو داخلات أو متجمّعات  داخل و حول الحرم الجامعي و كثير منهنّ جرفهنّ تيّار الحجاب و موضته و إن تلاعب أغلبهنّ بشروطه و ضوابطه المرسومة من طرف المشايخ و رجال الدّين و تراوحت أزياءه عندهنّ و تنوّعت بين التّشدّد و التّساهل وبين إغفال الزّينة و التّحايل في إظهارها بشتّى الطّرق ، القاسم المشترك بينهنّ و الّذي لا مناص منه غطاء الرّأس رغم أنّ التّعديلات طالته أيضا و اصبح متوفّرا بأنواع خفيفة و شفافة و مختلفة الأشكال و الألوان..!   يخيّل لي أحيانا و أنا أمرّ من هناك أنّ الفتيات و هنّ منتشرات و واقفات زرافات أو وحدانا يملأن محيط الجامعة و يتبادلن أطراف الحديث أو ينتظرن الباصات المخصّصة لنقلهنّ...يخيّل لي  و قد إرتهن الكثير منهنّ لغطاء الرّأس و مظهر نمطي رتيب متشابه أنّي أمام تجمّعات نشطة لطيور البطريق في جزرها الباردة الثلجية البعيدة، على الرّغم من أنّي لا أنفكّ استهجن جموح خيالي و أحاول عبثا طرد خيالاتي و التّخلّص منها.....   المرأة مخلوق جميل و زهرة من بستان الحياة أنبتها اللّه مثلها مثل الرّجل من أديم هذه الأرض فلماذا يفعل كلّ هذا بدعوى العفّة و الالتزام بمبادئ الإسلام..؟!   المرأة عورة، كلّ جسدها بما فيها اليدين و القدمين حتّى صوتها، مطلوب منها أن تلتحف بالسّواد من قمّة رأسها إلى أسفل قدميها تجرّ أذيالها في التراب و تتلمّس طريقها كالعمياء ؟!   من رجال الدّين من اجتهد و أفتى بالإعفاء عن الوجه و الكفّين و لكن تصوّر ما تفعله هذه الهيئة و هذا التنّطّع الذي يتجاوز ( حسب ما أعتقد ) حدود المنطق و العقل و الفطرة البشريّة؟!

  1-    عندما تذهب إلى البنك أو البريد لتحصيل شيك أو إتمام أيّ عمليّة ماليّة، كيف يتحقّق العون إن كان ذكرا أو إن كان البنك  أو المكان يعجّ بالذّكور من هويّتها...؟! في مثل هذه الحالة ستتسببّ لنفسها و للآخرين بالإحراج و سيتطلّب تسخير أنثى في مكان معزول للتّحقّق من شخصيّتها !

 2-    كيف يشترك هؤلاء في المنافسات الرياضية الوطنية و الدّولية و نحن نعرف حال الرياضة النسوية عندنا بسبب العقد النّاجمة عن ثقافة الحجاب و التّضييق على المرأة!

 3-    المرأة  بهذا الشكل مقيّدة في حركتها و في فكرها، تستحوذ عليها عقدة النّقص بسبب ملاحقة وصمة " العورة " لها، تخاف من نفسها و من محيطها، تتوخّى الحذر، تتنازل عن دورها و تبتعد عن المشاركة و الإبداع خوفا من اللّوم أو تخطّي الحدود المرسومة !

 4-    وصمة " العورة " تعني في اللّغة العربية  الخَلَلُ والعيبُ في الشيء، "سَتَرَ عَوْرَتَهُ" : سَتَرَ أَعْضَاءهُ التَّنَاسُلِيَّةَ ."أَظْهَرَ عَوْرَتَهُ" : عَيْبَهُ. ."دَارُهُ عَـوْرَةٌ" : بِهَا خَلَلٌ يُخْشَى دُخُولُ الْعَدُوِّ مِنْهُ. إذا فالمرأة عيب و خلل كلّها و ينبغي عليها إخفاء عيبها و خللها ؟!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز