د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
أوباما في زيارتنا

 أضع بجانب سريري جهاز راديو صغير ، تتسلل إليه يدي كل صباح لأعرف أخبار الدنيا قبل أن أبدأ يومي ، فأستعين به على تلك اللحظات من الكسل اللذيذ التي تسبق النهوض ومغادرة السرير معلناً بداية يوم جديد .

 في ذلك الصباح وبينما أنا مغمض العينين في استرخاء تام ، ومسلماً أذني لأخبار الصباح كالمعتاد طرق سمعي نبأ ، جعلني أسترد وعيي كاملاً دفعة واحدة لأتأكد مما أسمع ، الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان في زيارة أمس لولاية فرجينيا ، وهي الولاية التي أقيم بها ، ليس هذا فقط ، بل إنه كان في بلدية شسترفيلد ، وفي حي بون أير الهاديء تحديداً ، نفس البلدية ، ونفس المربع السكني الذي أقيم فيه مما يعني أن الرئيس أوباما كان منا على مرمى حجر دون أن أعرف ذلك ،وبقية الخبر أنه اختار أسرة أمريكية بسيطة ليزورها ويجتمع معها في فناء المنزل الخلفي ويتحدث مع أفرادها لبعض الوقت . الزيارة كانت ضمن جولة يقوم بها لدعم مرشحي حزبه في انتخابات الكونجرس ، سبب الزيارة ليس هو المهم على أي حال ، فالرئيس ليس في حاجة لسبب ليلتقي بأفراد من الشعب الذي يحكمه ويقيم سياساته وتأثيرها على الأسر المتوسطة . وكأي قروي بسيط يدهشه مايسمع فقد انطلقت إلى حيث جهاز التليفزيون لأتأكد مماسمعت ، فوجدت التليفزيون يذيع أنباء الزيارة ، ويظهر شريط الفيديو المصاحب للخبر الرئيس في حديقة منزل خلفية صغيرة .

 كان واقفاً مرتدياً سروالاً بنياً وقميصاً طويل الأكمام شمّر جزءاً منه حتى الرسغين .. وكان مستغرقاً في الحديث عن سياسته الإقتصادية بينما جلس أمامه أفراد هذه الأسرة من أعمار مختلفة ، ومنهم من يضع ساقاً على ساق ويشير طرف حذائه إلى حيث يقف الرئيس غير مبالٍ بوجوده في حضرة رئيس الدولة . لم أصدق مارأيت بعيني وماسمعته بأذني ، وتصورت أن ثمة خطأ ما فيما سمعت ، حتى خرج ولدي من غرفته ليقول لي ببساطة: - أوباما أمس كان في الشارع اللي ورانا . هكذا بهذه البساطة ؟! وكأنه يتحدث عن بائع اللبن أو موزع الخبز،أو ساعي البريد، كيف لم نشعر بوجوده ؟ .. بل كيف لم نعرف بهذه الزيارة إلا بعد أن تمت وانتهت وفي اليوم التالي لها ؟ .. وهكذا بدأت سلسلة من الأسئلة والتداعيات تتقافز في رأسي، عن مغزي ذلك الحدث .. فعندما يزور مربعك السكني رئيس أكبر دول في العالم ، فلاتلاحظ ذلك ، فثمة ماهو خطأ بالضرورة .. عندما لاتجد البيارق والأعلام ترفرف في كل مكان ، عندما لاتشاهد الجنود مصطفين منذ الفجر على جانبي الطريق متلاصقين كتفاً لكتف ، وحولهم زرافات من الضباط من مختلف الرتب من الملازم وحتى اللواء فثمة مايوحي بالخطأ . عندما لاتجد عشرات من شاحنات الجنود تجوب الطرقات ولاعشرات الدراجات البخارية تنطلق في كل مكان كالسهام ، عندما لاتتوقف حركة المرور في الشوارع وتتكدس الطرق بأرتال السيارات المنتظرة لمرور الموكب الميمون.. فثمة خطأ ما .

 عندما لايطلبون منك مغادرة منزلك لأنك قريب جداً من مكان الزيارة أو يطلبون تصويرك وتصوير أفراد عائلتك وتصوير بطاقتك ويمنعونك من الخروج إلى شرفة أو نافذة.. عندما تفقد سلطتك على ماتملك ، فتجد من يحتل بيتك ويعسكر في حديقتك الخلفية والأمامية دون أذن منك، أو يقوم بالبحث عن متفجرات داخل خزانة ملابسك وملابس زوجتك الداخلية لمجرد أن حظك العاثر قد أوقع بيتك في طريق مرور الرئيس ، فثمة بكل تأكيد ماهو خطأ .. وذلك الخطأ إما فينا نحن ، أو فيهم هم .. وهؤلاء قوم لايخطئون أبداً ..

 فمنذ ترشح الرئيس أوباما كأول أمريكي أسود في تاريخ أمريكا وهو مستهدف ، ومعرض للإعتداء على حياته ، بل قد جرت بالفعل محاولة لاغتياله ، ومع ذلك لم يفرض قانوناً للطوارئ ، ولا اتخذت اجراءات استثنائية لتأمين تحركاته ، ولاانطفأت إشارة مرور واحدة في غير موعدها .. ماالذي يعنيه كل هذا ؟ .. ليس لهذا غير معنى واحد ،هو أن الهاجس الأمني لنظام غير مستقر هو الذي يحكم كل تحرك على آراضينا ومعناه كذلك أننا نعيش في ظلام تام وديكتاتورية لامثيل لها تسحق إرادة الشعب وتعتصر رحيق روحه ، وتمنعه من الانطلاق والإبداع ، فالشعب السجين المقهور لايبدع ولاينطلق .

 نحن نفخر بأشياء مضى عليها عشرات القرون دون ان نستخلص منها أي عبرة تنفعنا أو تصحح مسارنا ، نتشدق بأن عمر بن الخطاب كان يستلقي آمناً تحت شجرة ، وأن عمربن عبد العزيز كان يجلس في الظلام حنى لايوقد شمعة، نحن مغيبون تماماً عن الواقع الذي نعيشه ، ونكتفي بالعيش عالة على تاريخ لن يتكرر أبداً لأنه ببساطة مضى وانتهى ولن يعود ، نكتفي بأن نجتر كالحشاشين ذكريات عهد سعيد صار حلماً نعيش عليه مع أنه لن يغير واقعاً ولن يؤسس نهضة .. نتشدق بأن ديننا صالح لكل زمان ومكان ، ثم نكتفي بأن ندير ظهورنا متجهين لعصور مضت بمالها وماعليها ، نأكل كما كان السلف الصالح يأكل ونشرب كما يشرب ونلبس كما كان يلبس ، نحاول خلقه من جديد لنعيش فيه بدل أن يعيش فينا بقيمه ومثله العليا ونحن نرسم المستقبل ونتعايش مع خلق الله ، والفرق واضح وكبير . جاء أوباما .. ذهب أوباما فلم نسمع هتافات تخترق عنان السماء ، ولم تنطلق السارينات ، وتزغرد الصفارات لتزعج حتى الموتى في قبورهم .. وسوف يجيء بعده كل رئيس ويذهب ، فلايحتفل بمقدمه أو ذهابه أحد ، وسوف يجوب بعدها الشوارع ويمشي في الأسواق لسبب غاية في البساطة ، أنهم يعاملونه كبشر لا كظل للإله







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز