نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هل يفلح إعلان دمشق في بدونة سوريا؟

تمثل حركة بدونة المنطقة الجادة والحثيثة على أيدي بدو الصحراء الخارجين من كهوف الزمان واحدة من أهم التحديات المعاصرة التي تواجه حركة الحداثة في المنطقة، الضعيفة نسبياً، أمام جحافل البدونة الذين يمثلون نسبة كبيرة من سكان المنطقة، إذ عمدت هذه الأنظمة والحكومات الجاهلة الجائرة على نشر الجهل والخزعبلات والأساطير والشعوذات البدوية في المناهج الدراسية وأرضعتها للتلاميذ صغار، بحيث تخرجت لدينا جيوش من الأميين والجهلة والانتحاريين والتفكيريين العصابيين المأزومين، الذين سيشكلون لاحقاً، ومستقبلياً، خطراً محدقاً وماثلاً حتى بالنسبة لأولئك الحكام والديناصورات السياسية التي أطلقتهم في فضاء المنطقة لترويع الشعوب، وقصة القاعدة التي وملحقاتها معروفة للجميع. وللتعريف فالبدونة، ووفق ما لاح منها حتى الآن، هي نشر قيم الصحراء وأنماط الحياة البدوية المختلفة في غير موطنها والتشبه بالبدو والعياذ بالله.

 ومن جهة أخرى هو التسليم، ومن دون أي نقاش، بكل تلك الأساطير والرؤى الضحلة التبسيطية والشعوذات البدوية الكبرى المعروفة، وتمثلها، قولاً وفعلاً وسلوكاً وطقوساً، وإعادة إحيائها ونفخ الصور بكل مضامينها وتغليف كل ذلك في إطار من المقدس، واعتبارها قمة ونهاية التاريخ البشري فكراً، وسلوكاً وشخوصاً، ودعوة الجميع، ترغيباً وترهيباً، للانضواء تحت لوائها، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن ضل وهرطق بهم وشك بخزعبلاتهم. ومشروع بدونة الشرق الأوسط يلتقي في مشتركات كثيرة مع مشروع الشرق الأوسط الكبير، من حيث التمحور حول آلية التفتيت الممنهجة وإشعال الحروب والفتن الطائفية والمذهبية التي تندلع اليوم في غير مكان، ومن هنا نرى ذلك الحلف المقدس، وثيق الصلة، بين رموز البدونة في المنطقة ورموز المحافظين الجدد فيما وراء البحار(كشف أن الدوائر الاستخبارية الأمريكية هي من مول اجتماع بروكسل الأخير)، واتفاق الجانبين الأكيد حول ضرورة حماية أمن إسرائيل التي هي العينة الأولى ورأس الحربة في مشروع الشرق الأوسط عبر الإعلان عن يهودية الدولة، وفي مشروع البدونة المرتقب لن تجد غضاضة، بل ربما لا بد، من إشهار سنية وشيعية، وقبطية، وشيعية، وحوثية، ودارفورية أي قبلية، وشمالية (السودان)، وشرقية (المنطقة الشرقية في السعودية)، وجنوبية (جنوب السودان المسيحي غير العربي) هذه الدولة الشرق أوسطية أو تلك . وقد اخترقت البدونة، محمولة بروافع وحوامل بترودولارية هذه المرة، مجتمعات الشرق الأوسط من أقصاها لأقصاها، وأحالتها إلى رميم ويباب ورماد أسود.

 وبفعل البدونة، تبدل شكل الحياة وتفكير الناس، وعدوا قروناً إلى الوراء وتوحش كثيرون، وانتشر التكفير والحقد والكراهية والطائفية، وعلا خطاب عنصري شوفيني مقيت دفعت البشرية ثمنه حروباً كارثية مدمرة، وأغلق العقل، وحوصر المبدعون، وكفر الصالحون، وهجر العلماء، وطورد الشرفاء، وتناسل المنافقون، وقتل الأحرار، وساد النفاق والدجل والسلوكيات الطقوسية والمظاهر المتوحشة (جلاليب، ولحى، ونقاب، وأثواب قصيرة، ونعال، وزبيبة سوداء "مفتخرة" يتباهي بها البدو الجدد رغم أنها تشوه جبين الناس الذي كرمه الله وخلقه في أحسن تقويم)، وطغى اللون الأسود الواحد الكالح، وماتت الحياة والإبداع وشاعت مظاهر الطقوس الفراغة من أي مضمون إيماني واظلمت الأجواء، واختفت البسمات عن محيا الناس، وحلت القبلية والعائلية والولاء العشائري والمحسوبيات والفساد والاستزلام مكان كل قيم الإبداع والجمال وعشق الروح والسمو التي تدمغ حياة البشر في كل المجتمعات، . فالبدوي لا يقيم، عادة، وزناً ولا قيمة لخلق ولا لقيمة ويحتقر الجمال ويزدري الفن والموسيقى والإبداع بشكل عام ومن النادر وعبر التاريخ أن رأينا، وفي معقل البدو الأصلي أي شاهدة أو آبدة أو أثر حضاري أو إنتاج معماري وفني. وظهرت رموز التوحش البدوي واحتلت المنابر والفضائيات وباتت لا تتورع عن نشر خطابها العنصري المسموم المتغطرس حتى تفجرت الصراعات الأهلية والطائفية والمذهبية في عموم الإقليم، مصر الجزائر اليمن العراق فلسطين السودان الصومال ...إلخ، أو تلك التي أخذت طابع صدام عسكري كما هو الحال بين السعودية وخلايا القاعدة.

 وكما نعلم جميعاً، فسورية، ومن خلال عمق وثراء وتنوع حضاري وإثني وعرقي وتعددية لافتة وتعايش تاريخي ومخزون كبير من الضخ الحضاري المتواصل، ظلت تماماً خارج رياح البدونة وتأثيراتها وهو ما يشكل فشلاً ذريعاً ومحرجاً لأنصار بدونة سورياً فديدنهم التقليد الأعمى أو ما يسمونه فقه الجماعة، بمعنى أن يسير الجميع في قطيع واحد نحو المجهول، بدون أن "تنيع" أية رؤوس في هذا القطيع القدري السائر نحو المجهول لأن هذا يغضب السماء ويتسبب في زمجرتها حسب الفقه البدوي. وكانت تلك التعددية والتنوع حصناً لها من الوقوع في براثن البدونة، ولا تزال، وعلى نحو نسبي كبير، تشكل أنموذجاً مثيراً، ورائعاً، ومتميزاً عن باقي دول المنطقة في مقاومة التبدون الذي تسعى له قوى متعددة لإفراغ هذا الوطن من حمولته الحضارية والمدنية والتي تشكل إحدى أهم ركائز وموجبات بقائه وتميزه الإقليمي. ولعل الحروب، والحصارات، والتهديدات التي تلقتها، وتتلقاها سوريا، كانت كلها في إطار هذا المشروع الديناصوري الرهيب، فسوريا البدوية هي المطلوبة إقليمياً لتتساوى مع دول الإقليم السائرة بنسق واحد ورائياً في كل المجالات، فيما تنطلق إسرائيل أشواطاً ضوئية إلى الأمام لتخلق تلك الفجوة الحضارية والرقمية مع هذه المنظومة. وحين غزا المجرم جورج بوش العراق، وأعاده للعصور الحجرية، كما صرح رامسفيلد، كان في واقع الأمر يقوم بعملية بدونة، وليس احتلالاً للعراق، وعلينا فقط أن ننظر إلى حالة الاستقطاب الطائفي والعرقي والمذهبي في العراق، لندرك أي شوط قد قطعه في مسيرة البدونة.

 العراق الحضاري العظيم، أصبح مجرد كانتونات وإقطاعات طائفية ومذهبية تتصارع وتتقاتل وتتلاسن طائفياً وتتقاصف مذهبياً وتتناوش عرقياً وتتلاعن تاريخياً لتغيب المواطنة والتمدن، وهذه هي رسالة البدونة الوحيدة للعالم والتاريخ ومضمونها "الحضاري" الوحيد لم تخرج عنه قيد أنملة مذ طغت على سطح الإقليم، فشلال الدم والنزف الكبير لم يتوقف منذ الفتنة الكبرى وحتى هذا اليوم. ولم يتوان مجرم الحرب الأمريكي عن الإعلان عن رغبته بغزو واحتلال سورية ووجد في رموز البدونة السورية وجماعاتها السياسية سنده الوحيد، فتم إلحاقهم بما سمى بإعلان دمشق للتغيير الديمقراطي،(جمع الإعلان بين توجه عام سلفي قومي عروبي والديمقراطية فكيف تم هذا لا أحد يعلم إذ أن هناك بوناً شاسعاً بين هذه وتلك) لا بل تسييدهم فكرياً عليه، واستلامهم لزمام المبادرة واكتساحهم لوجهه العقائدي عبر فقرة الأسلمة الشهيرة التي عبرت فعلاً عن التوجه الحقيقي لجماعة الإعلان وعلى اعتبار أن سقوط النظام بات مسألة وقت لا أكثر ولا أقل، ومن هنا فلا ضير من الإعلان عن الوجه الإيديولوجي للإعلانيين لاستقطاب أكبر نسبة من قطعان التبدون ومشايعيه التي يحفل بها الشارع السوري وهم الذخيرة والاحتياط الاستراتيجي للإعلانيين.

 وساد عقب ذلك خطاب مذهبي لم تعهده الساحة السورية ومن قبل من تم ترئييسه على "جماعة بروكسل"، (ومن غير الرعاعي الحثالاتي الطنرجي السوقي البذيء ليتسيد ها هنا، فكل إناء يجب أن ينضح بما فيه، ما خلق نفوراً عاماً وانسحابات بالجملة وإحراجات والتبرؤ من الإعلان بالجملة كما رأينا مؤخراً؟) بعد أن تلطى زمناً وراء وجه "عقلاني ويساري" كاذب ومرائي، وباعتباره يمثل ذروة الخطاب العنصري البدوي الطائفي السوقي الرعاعي الشوارعجي ضد السوري "الآخر"، وها هي إحدى أهم رسائل الإعلانيين لكل السوري، إماطة اللثام عن طبيعة هذا الإعلان الطائفي. وشاع خطاب عنصري ومناقب بدوية صرفة وتسميات من مثل "السني والشيعي العلوي والإسماعيلي والأقلوي "ازدراءً"، وغاب البعد والمفهوم الوطني في لغة وخطاب متبنى على نحو جماعي وشبه ولاسيما في تنظيرات رموز الإعلانيين أنفسهم وخاصة من فلول اليسار الزائف المهزوم، بعد أن كان يقع كل ذلك في دائرة المحظور لا بل "العيب" الوطني. وكما نعلم جميعاً فجماعات الإسلام السياسي هي رأس حربة البدونة في المنطقة، وهي ذراعها الضاربة وحاملها الرئيس، ولذا كانت في كل مرة هي الوجه الطاغي على النشاط الإعلاني، كجماعة الإخوان الدولية التي "سمسر لها" صاحب النعوات السورية الشهير، والآن تبرز ما تسمى بجماعة العدالة والبناء "الفرخ" الإخواني الصغير، كمحرك وقابض على الخيط الإعلاني ومحرك له، وباعتبارها صاحبة التمويل والاستضافة والبذخ والصرف والبذل المريب والتجييش والخطاب اللعين. فهل ستفلح جماعة الإعلان البدوي، إياه، في مشروع بدونة سوريا وإلحاقها بالقطيع البدوي الهمجي الشرق أوسطي الحجري، وفيما عجزت عنه جيوش بوش والأطلسي بمؤازرة ودعم محور الاعتدال العربي، وذلك عبر احتكامها-الجماعة- وتبنيها علناً للخيار البدوي أم أن سوريا بتاريخها وإرثها الحضاري والتعددي وتسامحها المجتمعي ستكون شوكة حارقة في حلق المشروع البدوي؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز