نورالدين أماريب
namarib256@yahoo.com
Blog Contributor since:
01 June 2010



Arab Times Blogs
إسلامنا كان وِراثيا فما ذنب الذين لم يعرفوا الإسلام و لم يسمعوا به ؟

     لم أُسأل سؤالا كما سئلت هذا السؤال , و لا احترت في شأن من شؤون الإسلام مقدار ما احترت فيما قد يبدو للوهلة الأولى إجحافا و حيفاَ طال فريقا من الناس نأى بهم الزمان و المكان و اختير لهم ألا يكون لهم الإسلام دينا , إذ بَعُد بهم المأوى , و مانعهم التاريخ , و جرفهم النسب إلى حيث لا إسلام و لا سبيل إليه يُبتغى , منهم من ولد و الإسلام لم يئن له أوان و لا حان له زمان , فشب و شاب ثم هلك للأصنام عابدا و عند جنادلها راكعا ساجدا , و منهم من تزامن منه العمر مع الدين الحنيف و لكن اتسعت الأرض لتمد له في غياهب الجهل و الضلال , فما رأى و لا سمع , أو أدرك النزر اليسير الذي تسرب إليه بشق الأنفس عبر أهواء الرواة و  اختلاف الأعراق و الألسن , فقضى و لم تتشرب منه الجوارح من الإسلام ما يُسوِّغه له ملة عليها يعيش و عليها يموت , و منهم من رأى النور بين ظهراني الإسلام و تربى بين أحضانه و لكن الجدار الأبوي المنيع كان له بالمرصاد واقفا , و بينه و بين الإسلام حائلا , و أُجبر على دخول ما سواه من الملل .

     يتفق المسلمون و غيرهم على ما قد يبدو ايثارا لطائفة من الناس بالهداية , و انتقاء لهم بتيسير سبل الرشاد دون غيرهم , و مكمن الحيرة لديهم هو : كيف نطالب شخصا ولد في جزر المحيط الهادي أو البراري الروسية أو أدغال أميركا الجنوبية, بأن يكون على ملة الإسلام , و كيف لنا أن نبشره بشديد العذاب إن هو مات على ما سواه من الملل ؟ و هناك من المسلمين من يبادر إلى القشة التي تقصم ظهر البعير بقوله : الإسلام أصبح معرفة كونية أيامنا هذه , و الكل له حظ البحث و التقصي للوصول إلى الحق , إذاً , ما وجه العدالة في مطالبة هذا بالبحث و التقصي بهدف الوصول إلى الحق المبين , في حين أن من الناس من يولد بين المآذن المرتفع منها أذان تلو أذان , و تربى بين ذويه المهرولين إلى الصلاة نهارا و قسطا من الليل , فإذا جاء شهر الصيام , طغت الظاهرة الرمضانية على ما سواها , فليس في أذنيه سوى الذكر و الابتهال و الدعاء ؟ و أنى لنا أن ننتظر مفعول القرآن المعجز في نفوس الأعاجم الذين لم يفقهوا منه شيئا و هو الكتاب المستعصي حتى على بعض أهل لغة الضاد أنفسهم ؟ فهل الإسلام ظاهرة اجتماعية محكومة بقوانين التاريخ و الجغرافيا تنسحب على من عايشها زمانا و مكانا و تسقط عمن لم يصله منها حس و لا خبر ؟؟

    كان من مشيئة الله تعالى أن يقيم الحجة على عباده , فأخذ منهم الإقرار بألوهيته و وحدانيته في سابق علمه , و لم يتخلف من النفوس البشرية نفس إلا و أقرت بعبوديتها لله و خصته بالتوحيد , قال تعالى " و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين", بشهادتهم تلك , كانوا قد أعطوا وعدا لباريهم و بذلوا له ميثاقا أن يخصوه بالعبودية و يمتثلوا لأوامره بالطاعة و يجتنبوا نواهيه و ما أوصاهم باجتنابه , كان هذا كُنْه و جوهر الميثاق الإلهي مع العباد , ميثاق بذله كل منا فيما لا نذكر , في علم الله الأزلي الذي قصر عنه إدراك البشر .

    فأين إذاً كان الوفاء و الإنكار ؟ أين إذاً استمسكت نفوس بالعهد الذي بذلت في حين جحدته أخرى و اختارت اعتناق ما سواه ؟ إن الذي يوفق لفهم هذا الإشكال , هو العارف أن ما من فِعل فُعِل , و ما من قول قيل على الأرض إلا و قد سبق في علم الله قبل أن يخلق الأرض و من عليها , فالذي آمن لم يؤمن يوم آمن , و لكن إيمانه الدنيوي لم يكن إلا امتدادا و تحقيقا لإيمان سالف و طاعة سابقة عَلِمَها منه الله تعالى قبل أن يكون شيئا مذكورا , فيسر له أسبابها , و جمع له زمانها بمكانها , و سد عنه مكامن المعصية فما استطاع إليها سبيلا , و الحال نفسه مع من علم الله منه معصية أزلية , شاء الله أن يُخرجه من أصلاب العصاة , و يحفه بأسباب الضلال من كل صوب , و كل ذلك بناءً على ما اختار و ما عمل فيما سبق من علم الله به . فكم طفل رضيع يولد نرى عليه من البراءة و صفاء السريرة ما يجعله يخترق منا الجنان محبة , و نعجب من من حكمته تعالى في وهبه لأبوين من الفجار و العصاة أو من عبدة الشيطان ؟ و ما تساؤلنا ذاك إلا لضيق أفقنا البشري و محدودية ما نرى , فصَبيّنا ذاك قد يكون قارف في علم الله من آثام و كبائر ما لو وزع على أهل الأرض لوسعهم , فما كان من ربه سبحانه إلا أن يسر له ما يختار و عجل له ما يريد ليحق عليه القول و يسري فيه حكم الله بناءً على ما عمل , و ليس على أساس ما علم منه علام الغيوب .

     قال رسول الله " إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما , ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك , ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك , ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ,و يؤمر بأربع كلمات : يكتب رزقه , و أجله , و عمله , و شقي أو سعيد , فوالذي لا إله إلا هو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها , و إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " متفق عليه . يتبين من حديثه عليه السلام , أن الإنسان إذا ولد ليس كما قد نظن صفحة بيضاء ناصع لونها , بل هو صفحة مسطور قولها مكتوب عملها في انتظار التنفيذ , بل معروف مصيرها , و محسوم ما تؤول إليه في الدار الآخرة , و الكتاب الذي أشار إليه رسول الله قد لا يكون كتاب أقدار و نصائب , بقدر ما هو كتاب علم و إحاطة تامة بخفايا الفرد و ما أسلف من عمل في علم الله تعالى , فالله سبحانه لا يفرض على الفرد دخول الجنة أو النار , و لا يقدر عليه الشقاء و السعادة , بل هما أمران متروكان كلّيّاً للفرد نفسه , فإذا اختار الهدى وُلِد فيه , و إن اختار الضلال أتاه منه ما تقر به عيناه .

     إن الذي نرى ظاهرا من محكومية العقيدة بروابط الدم و القرابة و الأبوة و البنوة و ما شابه هو في الحقيقة وهم , كون هذه العلائق الدنيوية في حد ذاتها وهمية و نسبية الفاعلية و الوجود , و ما هي إلا تجلّ للتسلسل التاريخي للعرق البشري و مشيئته تعالى في إنشاء بعضهم من ذرية بعض , قال تعالى " و ربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم و يستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين " , فنراه مثلاً قدم بعضا من أهل الضلال في الجاهلية بما اختاروا و ما أسلفوا في علمه , و لكنه اصطفى بعضا من بنيهم و ذرياتهم و جعلهم صحابة أجلاء حول رسوله عليه الصلاة و السلام , و ذلك أيضا نتيجة ما عملوا في علمه , كما نجده أحيانا يخرج العلماء من أصلاب العلماء , و ييسر لهم سبل نافع العلم و صالح العمل , و نراه راكم أهل الجهل و محبيه في الأدغال و البراري , و أخرج بعضهم من بعض و ساوى بينهم في العرق و اللسان و الإمعان في الضلال و هجران سبل الحق .

   إذاً , كل امريء بما كسب رهين , و ما يعمله المرء في دنياه هو مما جنت يداه في سالف علم ربه حتى و إن بدا للعيان أنه إما دُفِع دفعا للقيام بما فعل تحت وطء الزمان و المكان و النسب , فالمؤمن ليس مؤمنا لكونه ولد مؤمنا , و لكن العكس هنا هو عين الصواب , فالمؤمن وُلِد مؤمنا لأنه مؤمن , و الكافر كذلك شأنه ولد فيما اختاره , و وجد نفسه محاطا بأسباب ما أراد , و ما نَسَبنُا و زمان و مكان عيشنا و ضلالنا وهدانا إلا مما أسهمنا في اختياره , و مما قدمناه لأنفسنا من حيث لا ندري







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز