موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الوداع ألأخير

لم تكن قطرات المطر المنهمر رذاذا منسابا على أوراق الأشجار,  سوى مؤثر صوتي مرافق لاختلاجات صدره المضطرب وهو يهم بالركوب متجها إلى المطار.

كانت الحافلة تمضي بخفة إلى ألأمام بينما الأشجار على الجانبين تسير  مهرولة إلى الخلف . لم تلبث الأشياء على حالها طويلا  حتى اختلط بعضها ببعض.  غابت خضرة الأشجار في المراعي وذابت المراعي في الأفق المكتحلة بشمس آخر النهار.

ليتني سألت وليتني لم أسأل.

ضاق صدره مجددا وغابت غصته خلف ملامحه الهامدة. أصابع كفيه المشدودتين المتشابكتين. عضلات وجهه المتصلبة. رجلاه المخدّرتان .كل ذرة فيه لم تكن لتتوقف عن استرجاع ذلك الانشطار الضوئي العظيم الذي دوّى وتشظّى في الحدقتين الذاهلتين قبل أن تنسابا بالكحل كما ينساب النهر بالطمي والتراب.    

كانت عيناها تبوحان بالأسى حين مات الكلام, لم تسلّما بأقدار نظراته اليابسة الذابلة. وكان الضؤ المتمازج فيهما  يحتشد مشعشعا ويتكاثف على هيئة حبّات لؤلؤ وماء. ثم لا يلبث أن ينفجر كالسد يم  متخطيا حوافي الجفون المتورّمة الحمراء.

قد أرجع وقد لا أرجع..سوف أرى الظروف.

تعاظمت حمرة العينين الناطقتين ولم تتوقف شلالات الضؤ المتدفق منهما شهبا ونيازك.

صار البؤبؤان نبعان ثائران . صار الألم فيهما أكبر من الأرض والسماء.

ليتني سألت...وليتني لم أسأل. 

كان الكرز المتوثّب في الشفتين يكابر حين انهمر ملايين مجرّات وكواكب:

لا ترحل.. أرجوك .. ابقي.. أو خذني معك.

وصلت الحافلة ... ترجل منها مثل قفّة من هباء. راح يهذي:

قد ارجع وقد لا أرجع سوف أرى الظروف. 

كان يعلم أنه راحل.. وان رحيله بلا رجوع... وأنها كلمات ..مجرد كلمات لا بد وأن تقال ....في لحظة الوداع الأخير.  

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز