د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
الحكومة وإهدار طاقة الشباب

        لقد أدرك المصلحون والمفكرون والقادة بمختلف أفكارهم وانتماءاتهم أن البطالة مدعاة للرذيلة، ومفسدة للحياة، ومهلكة للمال والاقتصاد؛ ومن ثم فقد حرص المصلحون في تاريخ الإنسانية على دعوة الناس إلى الأعمال، وحرصوا أكثر على توجيه الناس إلى احترام الأعمال أيا كان نوعها، وقد أرسل الله عز وجل للناس رسلا يهدونهم السبيل، ويصلحون أحوالهم، وكان الرسل قدوة للناس في العمل وفي احترام العمل مهما كانت منزلة هذا العمل.

        فنبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- عمل بالرعي والتجارة، وحرص على تعليم أمته العمل واحترام العمل، فكان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويساعد أهل بيته في أعمالهم المنزلية، ولم يصرفه ذلك عن توجيه الناس إلى العمل وكسب أرزاقهم، ولعل معظمنا يذكر قصة ذلك الرجل الذي جاء يسأل (يتسول)، فسأله الرسول الكريم عما في بيته، وكان الرجل لا يملك غير قليل، فباعه الرسول، وأمر الرجلَ أن يقسم المبلغ نصفين، فيشتري بنصفه طعاما لأهله، ويشتري بالنصف الآخر قدوما، ثم أمره بالذهاب إلى الجبل والاحتطاب.

        هذه القصة تعلمنا أن العمل واجب ومهم مهما كان حجمه، ومهما كان عائده، فقد ذهب الرجل وعاد بعد أسبوعين، وقد أصاب أضعاف ما كان يملك، ولو أن الرسول الكريم قد أعطاه طعاما ليأكله، لاستمر الرجل يسأل كل يوم طعاما جديدا، لكنه فكر له، وقدم له الطريق التي يجب أن يسلكها؛ فيصبح شخصا كريما ومواطنا محترما من نفسه ومن أسرته، ومن مجتمعه وحكومته.

        بدأت الحكومات الإسلامية المتعاقبة تفكر في شغل أوقات الناس بالعمل ، فهاهو ذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فيما روي عنه يقول لأحد الولاة: إن البطالة ما ذهبت إلى مكان إلا قالت لها الرذيلة خذيني معك. وبغض النظر عن صدق نسبة المقولة إلى عمر بن الخطاب من عدمه؛ فإن المعنى يبقى مهما ومفيدا، ونرى صدقه في واقعنا، فالبطالة تدعو إلى شيوع الرذيلة وانتشارها، ولقد قال الشاعر:

إن الفراغ والشباب والجدة                        مفسدة للمرء أي مفسدة

فالشاعر يرى أن البطالة وعدم الانشغال في مرحلة الشباب مع وجود الثروات في يد هؤلاء الشباب أمر يدعو إلى الفساد. وقد صدق الشاعر؛ لكنني أضيف أن الفراغ وحده مفسدة، فإذا أضيف الشباب إلى الفراغ تضاعفت المفسدة، وإذا أضيف لهما ثالثا وهو الترف وكثرة الأموال كانت الطامة الكبرى.

        ولقد أدركت حكوماتنا ذلك فشغلت الشباب وغير الشباب بما يجعلهم مغيبين لا يفكرون في مفاسد ولا مصالح، وقد نجحت فقد انهمك المجتمع في توافه الأمور ونسي مهامه الإنسانية، انهمك المجتمع في الحديث عن الكرة والملعب وغير ذلك، وقامت الصراعات والمشكلات، خناقات وقتالات، وحملات إعلامية وتدخلات سياسية، ومشكلات دولية من أجل كرة ومكسب وخسارة.

الكرة رياضة مهمة، ومهمة جدا؛ لكنها مهمة في إطار كونها رياضة، فلا تستدعي أن نتقاتل بسبب أن فريقا كسب أو خسر، ولا تستدعي خلافات على المستوى الدولي بسبب من كسب أو خسر، لكن سياسات حكوماتنا أن ننشغل بهذه الأشياء، ويقوم الإعلام بتضخيم الأحداث فيما يتعلق بهذا الشأن الذي تريد الحكومة من ورائه أن ننشغل به عن أخطائها وتجاوزاتها بحق مجتمعاتنا.

لقد نجحت الحكومات في شغل عقول الشعب؛ فليس هناك بطالة في التفكير في الكرة والحديث عنها، ولم يتوقف الصراع الكروي (ليس بين النوادي واللاعبين) إنما بين المجتمع الذي توزع بين النوادي تشجيعا ودعما ومؤازرة. نعم ليست هناك بطالة في هذا المجال.

ولو أن الحكومات كانت مخلصة لشغلت الشعب بأعمال منتجة مثمرة، فنحن بلد يمتلك ثروة بشرية كبيرة، هذه الثروة البشرية إذا أحسن التخطيط للإفادة منها كانت منجما ومعينا لا ينضب يقدم الخير للحكومة وبقية أفراد الشعب؛ لكن الحكومة- والحق يقال- ليست بحاجة إلى هذه الثروة البشرية؛ فهي بحاجة إلى أن يظلوا في بطالة؛ فلو أنها دفعت بطاقة هؤلاء جميعا إلى سوق العمل والإنتاج؛ فإنها لن تجد علاقة (شماعة) تعلق عليها الفساد الاقتصادي الذي يدمر البلد يوما بعد يوم.

يرى بعض الناس أن الحكومة ناجحة في عملية إلهاء الناس بتوافه الأمور عن عظائمها؛ وأرى عملية إلهاء الناس هذه نوعا من الغباء السياسي، فعمل هؤلاء لصالح البلد ولصالح غيره من البلدان الأخرى. ولسنا بحاجة إلى أن نجد شماعة نعلق عليها أسباب البطالة من كثرة النسل، والكسل واللامبالاة التي يتميز بها أبناء مجتمعنا، فبإمكاننا أن نغرس في نفوسهم الاهتمام بالعمل واحترامه بأن نكون قدوة لهم في ذلك، وبأن يتوجه جهازنا الإعلامي توجها صحيحا وصحيا نحو المجتمع، وبأن تتغير أفكار المسئولين عن نظامنا التعليمي، وبأن نخلص في حبنا لمجتمعنا وحبنا لبلدنا. وليس ذلك صعبا إذا أردناه. والدليل أن الكسالى في بلدنا عندما يسافرون للعمل في بلاد أخرى يبدعون ويقدمون خيرا من غيرهم، فلماذا لا يفعلون ذلك في بلدهم؟؟ سؤال يحتاج إلى حكومة تحب البلد وتحرص على ثرواته، وتفهم أن أهم ثروة لديها هي الثروة البشرية.

وللحديث بقية

د. حسن محمد عبد المقصود

كلية التربية- جامعة عين شمس







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز