حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
الصحافة المصرية على المحك

لا ادرى متى تتخلص صحافتنا القومية الحكومية من اطارها التقليدى الذى ظلت عليه منذ عقود سواء من حيث الشكل او المضمون الا قليلا .فالعناوين تكاد تكون بنفس اسلوب عناوين القرن الماضى . فالصياغة هى نفس الصياغة وطريقة الطرح والعرض هى ايضا نفسها .اما الشكل والاخراج الصحفى فكأنه كيان او هيكل مقدس حرام المساس به .مع انه من الممكن تطوير الشكل مع الاحتفاظ بالثوابت على اعتبار انها من شخصية الجريدة .صحافتنا القومية الحكومية ظلت وحدها على الحجر مدللة لعقود طويلة .اما اليوم فالوضع مختلف .فبعد ان كان لايوجد فى مصر سوى اربعة صحف يومية فقط (3 صباحية وواحدة مسائية ) صرنا اليوم نشاهد مئات الصحف على الارصفة .واصبحنا نستيقظ كل صباح على صدور صحيفة جديدة تماما مثلما نفاجأ كل يوم بظهور كليب جديد لمطرب مغمور او فاتنة تعتمد على الاثارة والتعرى .

ويبدو ان الصحف الوليدة اعتمدت على نفس اسلوب كليبات الاثارة والتعرى ولكن بالالفاظ والكلمات . فهناك صحف معارضة فقط من اجل المعارضة - على الرغم من ان المعارضه هى ايجاد البديل - وهناك صحف تزعم انها مستقلة ولا ادرى ممن حصلت على استقلالها . تشتم وتسب وتلعن مستغلة مناخ حرية الصحافة .

والصحافة القومية الحكومية التى يفترض ان تكون هنا ( ضابط الايقاع ) وسط كل هذا الزخم والصخب الصحفى , صوتها يبدو نشازا لانها لم تفكر فى تطوير نفسها والخروج من شرنقة المحاذير التى اعتادتها مثل الدفاع عن الحكومة سواء اصابت او اخطأت وتبرير افعال الوزراء والمحافظين . وخير مثال على ذلك : محافظ كفرالشيخ احمد زكى عابدين الذى وصف منصب المحافظ بانه منصب وسخ , على خلفية ازمة الدقيق بينه وبين اهل البرلس , وعندما كان محافظا لبنى سويف ضرب مواطن بالشومة , وهذا المحافظ لمن لايعرفه سليل اسرة اخوانية كبيرة وكان ضابط سابق فى الجيش ويصيغ افعاله بقوة السلطة المخولة له كمحافظ فى حكومة اللواءات الى جانب انه احد اقارب الدرجة الاولى لعبد الحكيم عابدين سكرتير عام الاخوان المسلمين وصهر حسن البنا مؤسس جماعة الاخوان المسلمين . كيف وصل للسلطة هنا علامة الاستفهام فالدولة تعادى الاخوان ؟!. ولكن المحافظ نجح فى اقناع الجميع عن طريق صحف الحكومة بأنه ليس من تيار الاخوان المسلمين وانما يعمل لمصلحة الدولة , وباع الفكرة لنظيف رئيس الوزراء , فقد اجاد لعبة (التقية السياسية ) واظهر مالا يبطن منتظرا القضاء على خصومه قبل ان يكشف عن هويته الاخوانية . واغلب الظن انه سيفعل ذلك لو نجح الاخوان فى الوصول للحكم مثلما فعل رجب طيب اردغان.فالرجل ارتطم بكافة شرائح المجتمع من اطباء ومعلمين وصيادين كأنه يحرج النظام عامدا متعمدا , الى جانب مايخرج من لسانه من قاذورات لفظية . كان يجب على الصحافة القومية والحكومية ان توقفه عند حده ولكن الرجل عندما تولى امر محافظة كفرالشيخ اجتمع مع المراسلين الحكوميين وقال لهم يجب ان نقسم الادوار علينا . فاصبح الجميع يمتدحون الرجل ويبررون له الاخطاء .والامثلة كثيرة على ان الصحافة القومية الحكومية لم تقم بدورها فى محاسبة كل مقصر فالصحف تنوب عن الجماهير وهى عيون الجماهير التى ترى وآذانها التى تسمع ,ولكن شرنقة المحاذير التى اعتادتها يصعب التخلص منها .لذلك ظهرت الهوة شاسعة بين الصحافة القومية الحكومية المتقوقعة داخل نفسها والصحافة الخاصة التى رأت ان الملعب خال لها .

واصبحنا امام تجربتين صحفيتين , تجربة قديمة ( الصحف القومية الحكومية) التى لايزال صوتها خافتا مقارنة ب(الصحف الجديدة حديثة الاصدار ) التى بالصوت العالى استغلت مناخ حرية الصحافة اسوأ استغلال معتقدة ان الصحافة مجرد نشرة معارضة ونقد وشتم ومعايرة . مستثنية البند الاهم فى رسالة مهنة البحث عن المتاعب الا وهو (التنوير).فالصحافة يجب ان تقود المجتمع الى النور .

والشىء المبكى والغريب ايضا الرقابة على الصحف وبخاصة الصحف التى تصدر بترخيص اجنبى . فاكثر الرقباء بادارة الرقابة على الصحف الاجنبية لايفهمونها ويحسبون انها تكميم للافواه والاقلام . ومسابقة بينهم وبين الصحف فى المكر والحيلة , فكلما خطر لهم ان صحيفة من الصحف تلعب بالالفاظ لتفويت خبر من الاخبار , داخلهم الغرور وظنوا انهم يغلبون الصحيفة فى المكر والدهاء . فيصرون على منعه  ومنع الاشارة اليه .ومن ترخص منهم فى السماح بالنشر فذلك كمجاملة لصحفى ما من اجل الصداقة او المنفعة المتبادلة .

اما الصحافة فى الغرب وامريكا فشىء مختلف تماما . واضعوا النظام السياسى الامريكى ادركوا من البداية قوة الاعلام .فتوماس جيفرسون - خطيب الثورة الامريكية وثالث رئيس لامريكا يقول: ( لو كان الاختيار بين حكومة بدون صحافة , او صحافة بدون حكومة ..ساختار الاخيرة). لذلك حرم هؤلاء المؤسسون للنظام الديمقراطى الامريكى منذ نحو قرنين وربع القرن الحكومة من امتلاك اى صحيفة او وسيلة اعلام .لان الصحافة هى السلطة الرابعة بعد السلطات المستقلة الثلاث - التنفيذية والتشريعية والقضائية - والتى تراقب كل منها الاخرى ولديها صلاحيات متوازنة . لذلك يصبح منطقيا ان تراقب الصحافة الجميع وتكون مملوكة للشعب فقط . وتعتمد فى اصدارها على سند قانونى واحد وهو: ضمان حرية الرأى والتعبير التى ينص عليها الملحق او التعديل الاول فى الدستور الامريكى او ما يعرف بوثيقة الحقوق . ومن ثم انت لاتحتاج الى اى تصريح رسمى او ترخيص او موافقة أمنية لاصدار صحيفة فى امريكا .

اذهب واطبع ووزع وقل ماتشاء فسينطبق على ما تكتبه ماينطبق على ما تنطق به انت او غيرك من حرية القول مادمت لاتطعن فى ذمم بلا دليل او تشتمهم او تشهر بهم . وهو امر تحكمه ( على المتضرر اللجوء للقضاء) , اما اذا كان المتضرر او المتعرض للنقد مسئولا او شخصية عامة فيجوز فيه مالا يجوز فى غيره من الافراد العاديين وهو امر تحكمه (ان لم تكن تحتمل الحرارة فاخرج من المطبخ ) اى ان احدا لم يضربك على يديك للدخول فى السياسة او الانتخابات فانت شخصية عامة تدخل بيوت الناس بصيتك وبالتالى يجب ان تتحمل فضولهم على حياتك وتساؤلاتهم على ما تكسبه ومن اين لك هذا؟. اما الحكومة فمحظور عليها ملكية او ادارة او توظيف وسائل الاعلام مكتوبة او مسموعة او مرئية. وهذا هو الفرق بينهم وبيننا فى مجال الصحافة والاعلام .

فالصحافة يجب ان تقود المجتمع الى النور والتنوير .وذلك ليس برصد الاخطاء فقط او لمجرد السبق الصحفى فى اكتشاف الاخطاء ,بل مع تقديم روشتة علاج حقيقية لامراض المجتمع .الصحافة صناعة مثلها مثل اى صناعة تتطور وتتجدد وصارت اكثر انفتاحا فى ظل السموات المفتوحة . ومن هنا ظهرت الهوة بين الصحافة القومية والحكومية المتقوقعة على نفسها والصحافة الخاصة التى رأت ان الملعب خال لها لتصول وتجول وتسب وتشتم وهى تظن وتزعم ان هذا التبجح نوع من انواع حرية التعبير عن الرأى . ونجحت بكل آسف بهذا الاسلوب الاعلامى الرخيص فى استقطاب عدد لابأس به من قراء الصحف القومية الحكومية . فالصحافة المصرية على المحك .فان توقفت تروسها عن الدوران داستها الاقدام على الارصفة واختلت العملية الصحفية برمتها . والعلاج ان ترفع الدولة المصرية يدها عن الصحف القومية وغير القومية ,والغاء الرقابة بكافة صورها على الصحف , وحرية اصدار الصحف بدون قيد او شرط او موافقات امنية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز