مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
في الضفة نـُصرّح... في إنكلترا نستثمر... من أمريكا نتسلـّح

 لأسباب خاصة لم تعُد أناملي تتجرأ بكتابة ما يفكـّر به عقلي، ولا بما تشعر به أحاسيسي حول القضية التي تسكن أعماقي، قضيتنا الأولى (قضية فلسطين) التي باتت ساحة، يلعب فيها صبيان متهورون يفاوضون بأي ثمن، ويسمّون أنفسهم قادة "سلطة" معترف بها، للأسف الشديد، فلسطينياً وعربياً ودولياً.

تساءلت مرة إن كان هناك من سبيل للتخلص من قادة هذه السلطة الخونة، وإن كان هناك ما يُكرههم كعملاء، بالتخلي عن قضيتنا نحن العرب، والفلسطينيين في مقدمتنا... وما من جواب مُجْدٍ عثرت عليه بنفسي أو من غيري. كدت أعتب على نفسي عن سبب إقلاق تفكيري، بما لا يفكر به جدياً سوى قلة !

 

تطرقت مرة لمواقف إخوتي الفلسطينيين في الداخل المغتصب وفي الضفة والقطاع المحتليْن وفي كل الشتات العربي والأجنبي، ولم أفلح بالعثور على رد ناجع مقنع، بل تعرّضت لنقد لاذع من أخوات وإخوة أعتز بهم، فهموا ما قلته اتهاماً لعزائم ومواقف وأعمال من ينشطون مع المتطوعين الأجانب من الغرب ومن تركيا، وكم هم قلة ؟...تساءلت مراراً إن كان هنالك حل على مستوى الحكام العرب، واستنتجت نهائياً أن هؤلاء ليس لهم سوى همّ البقاء في السلطة من قسم العهد لوقار اللحد، بيد أنهم يتبجحون بالتعلق بفلسطين وقضيتها ومسجدها وقبته، وبالحفريات التي تمارس تحت أماكنها المقدسة دون حراك مجد، بل بصراخ وعويل الضعفاء الذين يرددون : حسبنا الله ونعم الوكيل.

 

اجتمع ممثلو حكومة مصر الرسمية في الضفة الغربية المحتلة، لشذب مواقف نتانياهو بسياسة "الاستيطان" وللإعلان أن ما  يصبو إليه "رئيس السلطة" هو التفاوض من أجل قيام دويلة، وهو على يقين أنها لن تـُقام، فالمحتل استيطاني جرثومي لا يولي اهتماماً لما يسمعه ولما يقرؤه من هؤلاء المطالبين بـ "السلام" ومن هؤلاء المتشددين باللفظ والكتابة والخطاب حول وضع المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وكأن قضية فلسطين محصورة بمسجد وقبة وكنيسة واستيطان !... لنفكر كيف نـُحرر الأرض كاملة، فتحريرها هو تحرير المسجد والكنيسة، وكذلك الإنسان والعرض والكرامة.

 

* متى سنفهم نحن العرب أنه مادام هناك مستعمر غاصب مُعترَف به ومدعوم دولياً، يفقأ أعين أقوياء وضعفاء العالم، ويسخر منهم ويُسخـّرهم لصالحه، لن يهتم بنا المجتمع الدولي بشكل جدّي ؟

* متى سنفهم أن قادة شراذم يهود العالم عملوا بكل حنكة، منذ نهاية القرن الثامن عشر/ بداية التاسع عشر، ولاقوا الأمرين وقدّموا كل أنواع التضحية للوصول إلى اغتصاب أراضينا، وأن ما علينا سوى العودة لحب التضحية والسباق لقتل العدو حيث ثـُـقف وإخراجه من حيث أخرجنا، بحنكة وتريث وتنظيم وتخطيط ودراسة ؟

* متى سنفهم أن استعادة فلسطين ليس أمراً سهلاً، وليس بمقدور ملوكنا وأشباههم سوى الاعتراف بكيان العدو منذ العام 2002، وعقد اجتماعات انتقائية، متمسكين بموضوع الاستيطان والأماكن المقدسة ؟

متى سنفهم أنه لـ [ تحرير كامل فلسطين غير منقوصة ]، لا نحتاج لبكاء وعويل على أماكن العبادة المقدسة، بل لتفكير بكيفية العودة، بطرد الحثالات اليهودية ؟

 

كم كرّرنا أن تحرير أراضينا كاملة، يكمن ببحث ودراسة إقامة حملة توعية وتربية وثقافة التعلق بالوطن والأمة العربية، والاستعداد بتخطيط منهجي منظم لاستعادة فلسطين كاملة، بمسجد أو بلا مسجد، بصخرة أو بلا صخرة، بقبة أو بلا قبة، فهذه المعالم محمية من (خالق كل المخلوقات)، وتحرير كامل فلسطين يعني تلقائياً تحرير المعالم المقدسة العربية، الإسلامية منها والمسيحية. بيد أني لم أعثر عمّن يخططون لهكذا عملية، فمظاهر التخطيط هذه لا تـُرى ولا تـُلمس على أرض الواقع الفلسطيني الممزق، ولا على أرض الواقع العربي المخزي. وما زيارة أبو الغيط وعمر سليمان للخائن عباس في الضفة، سوى دعم لنظرية الشدّ والجذب المخطط لها من قبل الصهاينة والأمريكان.

 

إنّ التأكـّد كامل من أن أخواتنا وإخوتنا الفلسطينيات والفلسطينيين، يبذلون قصارى جهودهم كناشطين دوليين وكمحمّسين لتنظيم الحملات الغذائية ضد حصار غزة، وللترويج لقضيتنا جميعاً، إعلامياً وثقافياً وفنياً... لا يشك أحد لحظة واحدة من أن فلسطينيي الداخل المغتصب من حثالات بني صهيون ومن خونة السلطة ومن تجاوزات القطاع، يتألمون من وضع فصائل ممزقة غير متفقة على كيفية التحرير أو على مبادرة الاستسلام 2002، فأين يمكن للحراك الفعلي على الأرض أن يُرى ويُسمع بشكل مستمر ومنظم، ليس فقط بعمليات وقتية ترهب اليهود وتمنحهم فرصة اتهامنا بالإرهاب ؟

 

مجتمعاتنا العربية باتت مُخدّرة بأنواع لا تعد ولا تحصى من الأفيون : * الهروع وراء كسب مال أكثر،  * الجري وراء استلام منصب أعلى، * الهجرة (مثلما فعلت شخصياً منذ 43 سنة مُكرهاً) لبلد يضمن عيشاً كريماً وحياة هنيئة وحماية كرامة (مهدورة في الوطن* الخلاف والصراع طائفياً ودينياً وعرقياً في كل قطر من أقطار أمتنا... فكيف يمكن لنخبنا وفقهائنا ومفسرينا وصحفيينا المبتاعين، أن يلعبوا دور الحاضن للثقافة والتربية والتوعية الوطنية المرجوة، بهدف تحرير كامل فلسطين مهما طال الأمد ؟

الأمل كبير أن يكون تخطيط بعضهم سراً مفاجئاً، كما فاجأنا ثوار الجزائر في العام 1954، حين أعلنوا ثورتهم الخالدة واستهدفوا جنود المستعمر الاستيطاني الفرنسي وحلفاءه، كما تجرؤوا بضبط أعصابهم على اغتيال خونة عملاء جزائريين (الحَـرْكَـه – Les Harkis)، وانتهوا بطرد المستعمر وأعوانه، وإعلان الاستقلال العظيم.

 

منذ أسبوع علمنا خبر صفقة سعودية تقدّر بمليارات الدولارات لشراء أسلحة وعتاد وطائرات أمريكية، شريطة عدم استعمالها ضد الكيان الجرثومي الغاصب. فتساءلنا عن سبب هذه الصفقة، متنبئين أو حالمين أن هذه الأسلحة تمّ شراؤها لتستخدم ضد العدو المحتل، اعتماداً على قول النبي محمد (ص) : الحرب خدعة (أي استراتيجية). وإلاّ فما المبرر من هكذا صفقة ؟ أيحتاج الصراع مع الحوثيين في اليمن لهكذا كمّ من الأسلحة ؟ ألا يمكن للسعودية التفاوض مع الحوثيين العرب ؟ ألا يمكن لها أن تتدخل كوسيط صلح بين النظام القابع القامع والحوثيين من جهة والانفصاليين من جهة أخرى ؟ أم أن علينا أن نتصوّر ونتوقع أنّ تسليحها هذا، هو لمواجهة ما يُسمّى بـ "الخطر الإيراني" ؟ وكأن إيران باتت أكثر خطراً على العرب من العدو الصهيوني الغاصب منذ 63 سنة !

 

من جهة أخرى، أما كان أكثر إنصافاً أن تـُصرف هذه الأموال لتنظيم حياة مواطني المملكة وتأمين عيش طيب لهم، وتحسين حياة العمال الآسيويين والعرب الذين يعملون فيها، بزيادة رواتبهم ليستهلكوا أكثر في المملكة ؟

إن أضفنا لذلك، ما اشترته السعودية من سلاح منذ عقود بلا نفع ولا استعمال، ومن سماحها لـ تقنيي الغرب العاملين عندها أن يكسبوا رواتب لا تـُضاهى، مقارنة مع نظائرهم أو مع من هم أكثر علماً وخبرة منهم من العرب، لا لشيء سوى لأنهم متحضرون ! ناهيك عن استغلال الشركات الأمريكية لمنابع النفط منذ بداية القرن العشرين. نعم، إن أضفنا ما تكسبه المملكة من أموال طائلة بعد كل فترة حج سنوية وعمرة... إن جمّعنا كل هذه المعطيات، الآ يحق للمواطن العربي السعودي وغير السعودي أن يطرح أسئلة محرجة.

 

بيد أنه لابد من شكر سادة المملكة لشفافيتهم في إعلان نبأ هذه الصفقة، وكم نتمنى معرفة قيمة المبالغ التي يستثمرها أبناء المملكة الميسورون في أمريكا وفي إنكلترا وفي فرنسا ( باريس وجنوب فرنسا) وفي إسبانيا وفي دول غربية أخرى... أموال عربية يستفيد منها المواطن الغربي الذي يستهلك في بلده أو في اتحاده الأوربي، تستفيد منها المصارف الغربية المملوكة من شراذم اللوبي اليهودي المؤيدة للصهاينة الذين يغتصبون أرضنا. نعم، أموال عربية يستعملها ويشغلها أصحاب العقارات في أوربا وأمريكا، بينما دول عربية شقيقة بحاجة ملحة لها.

 

منذ يومين قام أمير قطر برفقة زوجته ذات القامة الحورية وأناقة الموضة التي تحجب جيوبها، بزيارة المملكة المتحدة، وتمّ الحديث عن الاستثمارات المذهلة التي تقوم بها قـــطـــر في المجال العقاري البريطاني في إنكلترا، استثمارات بأموال النفط القطري العربي ليساهم بتحسين الأوضاع الاقتصادية للمملكة المتحدة التي تعتبر من أغنى دول العالم، استثمارات تمنح فرص عمل لكل بريطاني  وأوربي. بلى، إنه عمل يكسب منه الغربيون رواتب، تـُصرف في الأسواق البريطانية والأوربية، بفضل الاستثمارات القطرية العربية.

 

كان أمير قطر بدوره شفافاً وقالها على شاشات الفضائيات وعلى مواقع الانترنت، وكتبها كل معلقي ومحللي الاقتصاد والسياسة في بريطانيا والدول العربية، إنها الشفافية القاتلة التي اختارها إخوتنا وأبناء جلدتنا السعوديون والقطريون، فما بالنا بالصفقات التي لم تحصل على الشفافية هذه ؟ كم هو مخجل أن نرى أموالنا (أموال إخوتنا) تهدر أو تستثمر في بلاد غير بلادنا، بينما مجتمعاتنا بحاجة لفوائد هذه الأموال لتنتعش.

 

ماذا لو استـُثـمرت هذه الأموال في بلاد العرب، كاليمن الجار الممزق طائفياً وجغرافياً وسياسياً، بــســبــب فـــقـــره ؟

ماذا لو استـُثمرت هذه المبالغ في بلد كالصومال حيث الـــفــــقـــر والجهل يدفع أبناء نفس الطائفة للاقتتال ؟

ماذا لو استـُثمرت في الأردن وسوريا ولبنان ومصر، للقضاء على أنواع مختلفة من الـفـــقـــر والــبــطــالــة ؟

ماذا لو استـُثمرت في غزة ، بتحد العالم بأكمله، لإعادة إعمارها وإنشاء مصانع ومعامل صغيرة يقتات عُمالها من أجور عرق جبينهم، بفضل عون أخوتهم، ليس فقط بغوث دولي ؟ مع الأمل أن يوم الثورة العربية لتحرير فلسطين قادمة لا محالة، فدرس استعمار الجزائر 132 سنة وثورتها التي انتصرت، يجب أن يؤخذ كعبرة وكدرس لمن يريد أن يتعظ ويتحرك ويقاوم وينتصر.

 

الـــفــــقــــر

يقتل مجتمعاتنا ويؤدي للجهل والدعارة المستورة والفساد والرشوة... إلخ، فلماذا لا يحارب حكام عرب النفط فـــقــــر إخوتهم العرب المحتاجين ويستثمرون في بلادهم ؟ أم أنهم نسوا ما نـُـقل عن علي بن أبي طالب، رضي اللع عنه، من قوليْن :

وكاد الفقر أيـّـكون كفرا   ...   لو كان الفقر رجلاً لقتلته.ً

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز