د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
الحكومة الذكية بين التنمية الاقتصادية والانهيار الأخلاقي

الحكومات تقوم من حين لآخر بعمل مراجعات لما قامت به، فتناقش موقفها من القضايا المتنوعة التي مرت بها، وتعمل عملية محاسبة ذاتية، أو تقويم ذاتي لأدائها في فترة ما من الفترات، فتحسب الإنجازات وتقيسها في ضوء المعطيات، وتحدد الإخفاقات، وتناقش أسبابها في ضوء المعطيات ذاتها، وبهذا تستطيع أن تقيس مقدار ما حققته من نجاحات، وتضع خططا لتلافي العيوب وعدم الوقوع في الأخطاء مرة أخرى.

لعلي بهذه المقدمة أتكلم عن حكومة غير حكومتنا الذكية التي تعرف جيدا كيف تكيل لنفسها المديح وعبارات الثناء من خلال جهاز إعلامي تخصص في النفاق؛ فقد تخلصت الحكومة من المشكلات كلها، وتكدست الأموال في خزاناتها، ولم تعد تجد مصرفا مناسبا لإنفاق المدخرات الكثيرة التي تمتلئ بها الخزانة، فلم يعد أمامها إلا أن تفرض الضرائب من كل لون على كل فرد، أو تبيع ممتلكات البلد من أرض وفنادق وشركات وغير ذلك.

لا يمكننا أن ننكر إنجاز حكومتنا في المجال الاقتصادي؛ فقد حققت نموا ضئيلا جدا في هذا المجال وذلك نتيجة الزيادة السكانية الرهيبة التي يتميز بها بلدنا الحبيب، فهذه الزيادة تلتهم كل نمو، وتذهب بها كل خطط التنمية أدراج الرياح.

بالطبع أتفق مع الحكومة في أن الزيادة السكانية تذهب بكل محاولة للإصلاح الاقتصادي؛ وذلك إذا قعدنا ويدنا على خدنا نبكي على الزيادة السكانية التي تلتهم كل ما نحاوله من إصلاحات؛ أما إذا فكرنا في المشكلة قبل محاولة حلها؛ فإننا حتما سوف نستطيع أن نُفيد من هذه الزيادة السكانية، وتصبح عاملا من عوامل النمو الاقتصادي بدل كونها سببا في كثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وغيرها.

مشكلتنا مع القضية السكانية هي أننا لا نريد أن نستثمرها، وهذه قضية تحتاج إلى مقالات خاصة، أرجو أن يوفقني الله في عرضها بوضوح، ويوفق حكومتنا في الإفادة مما أطرحه فيها.

قلت: إن الحكومة قد حققت تقدما ضئيلا في المجال الاقتصادي، وهي في سبيل تحقيق هذا التقدم غير الملحوظ أهملت شيئا خطيرا، وهو الاهتمام بالقيم الخلقية، فقد انشغلت الحكومة المصرية على فترات متتالية بالعمل الاقتصادي، ونسيت بناء القيمة الإنسانية في الإنسان المصري.

وكانت النتيجة الحتمية- التي لا يمكن لأحد أن ينكرها- هي تشويه الشخصية المصرية؛ إذ أنتجت سياسة الحكومة المتناسية للقيم والمبادئ شخصيات مصرية لا تعرف الانتماء، ولا تعرف قيمة العمل، ولا تعرف احترام الآخرين، ولا تعرف احترام الانتساب إلى بلد عظيم.

اتجهت حكومتنا بوسائل إعلامها التي أثبتت فشلها في كثير من القضايا والملفات إلى الحديث عن انجازات الحكومة الرشيدة، وعن عمليات تسلية سخيفة الهدف منها شغل الناس عن التفكير في قضايا حقيقية. ولجأت إلى تضخيم بعض القضايا التي لا تستحق التضخيم، وأظهرت للمجتمع أن المادة هي أساس كل شيء، وأن القيمة لا تساوي شيئا، وكما قالوا عن الالتزام والأخلاق والمبادئ: إنها لا تطعم الناس خبزا.

اتجهت الحكومة إلى الإصلاح الاقتصادي فقط- وقد فشلت فيه- فأضاعت الخلق القويم، وغرست في نفوس أبناء المجتمع الطمع والجشع، وعدم التكافل، والبحث عن المزيد، والآنية المفرطة، وأماتت القناعة والتكافل والإيثار، فكانت النتيجة قطاعا كبيرا يبحث عن الأموال ولا يبحث عن غير المادة، ولا يفكر في غيرها، فازدادت أموال عدد من ذوي الثروات، وازداد في المقابل فقر المعوزين الذين يبحثون عن لقمة العيش لتسد جوعتهم.

إن النظام الاقتصادي الناجح يحميه نظام خلقي سليم، ولا يمكن لنظام اقتصادي أن ينجح من غير حماية النظام الخلقي له، أما أن نحاول بناء نظام اقتصادي من غير أخلاق تحميه فلن ننجح أبدا، فإذا ما أرادت الحكومة أن تصحح أخطاءها؛ فعليها أن تحاول جاهدة أن تبني شخصية الإنسان المصري السليمة التي رأيناها في حرب أكتوبر، والتي نشهدها في مواقف الأزمات. أما إذا أبت الحكومة أن تعيد بناء الشخصية المصرية بناء سليما؛ فإنها لن تنجح أبدا في أي مجال من مجالات الإصلاح، وتكون قد أعدت لنفسها سكينا حادة؛ توهم نفسها أنها ستذبح بها الشعب، لكن سيقوم الشعب يوما ما بذبحها بذات السكين التي أعدتها لتذبحه بها







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز