المستشار محمد سعيد العشماوي
saidalashmawy@hotmail
Blog Contributor since:
10 December 2009


كاتب ومفكر وقانوني عربي من مصر عمل قاضيا ورئيسا لمحكمة استئناف القاهرة ورئيسا لمحكمة الجنايات ورئيسا لمحكمة امن الدولة ... نشر اكثر من ثلاثين كتابا بالعربية والانجليزية والفرنسية منها الاسلام السياسى – اصول الشريعة – الخلافة الاسلامية – ديوان الاخلاق – العقل فى الاسلام – الاصول المصرية لليهودية واهم كتاب له بالانجليزية طبع عدة مرات ويباع في الاسواق والمكتبات الامريكية كما تجده على موقع امازون للكتب وعنوانه

Against Islamic extremism

هذا فضلا عن عشرات المقالات التى نشرت في اشهر الصحف والمجلات العربية ومواقع الانترنيت

 More articles 


Arab Times Blogs
صراع الامم ... دراسة في حلقات ... ج 18

فى علوم الاجتماع ، ومنها علم السياسة (Politics) ، أنه بمجرد وقوع الواقعة أو حدوث الحادثة ، فإنها تسير وتستمر ، وتتفاعل وتتناتج ، وفقا لقانون خاص بها ، أو قاعدة تصدر عنها ؛ بحيث يكون من الصعب ، إن لم يكن من المستحيل ، أن يتمكن فرد أو تستطيع مجموعة وقف تداعيات الظاهرة الناشئة ، أو منع تواليات الآثار المتعاقبة ؛ والتى ربما تكون مخالفة لأى توقع ، مجانبة لأى ترتيب ، لم تخطر فى بال من بدأ الفعل ، ولم تدخل فى تقدير من حسب النتائج . ومن واقعات التاريخ الحديث ، يمكن ضرب عشرات الأمثلة على ذلك ، لكن بصدد  الدراسة ، وفيما يتعلق بما يسمى صراع الأمم ، فإن ذلك يبدو واضحا جليا ، وواقعا مهما فى أمرين ، هما الثورة الخمينية الشيعية فى إيران ، يناير عام 1979 ، والتدخل السوفيتى فى أفغانستان ، ديسمبر 1979 .

• لإيران وضع جغرافى خاص ، جعل منها حلبة صراع بين الاتحاد السوفيتى والغرب ، تأدى مع الوقت إلى ثورة 1979 ؛ ذلك أن حدود إيران الشمالية كانت جنوب الإتحاد السوفييتى وبحر قزوين ، وحدودها الجنوبية على خليج عمان والخليج الفارسى ، وحدودها الغربية خطوط مع العراق وتركيا ، أما حدودها الشرقية فعلى حدود أفغانستان وباكستان . وعلى الرغم من أن إيران ، حين كانت تسمى فارس ، أقامت إمبراطورية عظمى ، فقد نتج عن الغزو الإسلامى لها أن أصبحت ولاية تابعة لسلطة الخلافة . وفى القرن 19 تعرضت إيران لضغوط متزايدة من جانب الدول الأوروبية ، التى أدى تقدمها السياسى والصناعى إلى أن تصبح قوى إستعمارية طاغية ، ومن ثم إنتزعت روسيا من إيران أراضى القوقاز بمقتضى معاهدتين فى 1813 ، 1828 ؛ ثم قُسمت إيران خلال الفترة من 1907 حتى 1918 إلى منطقتى نفوذ ، بريطانية وروسية . وعندما تم اكتشاف البترول بأرضها ، بكميات ضخمة ، صارت إيران مطمعا لغناها ، بعد أن كانت مطمعا لموقعها وحده.وحصلت شركة بريطانية هولندية على حق إستخراج وإستثمار البترول . وفى عام 1915 إحتلت الكتائب الروسية والبريطانية إيران ، ثم سحبت روسيا جنودها عام 1917 ، وأُضطرت بريطانيا إلى سحب جنودها 1921 . ثم تمكن جندى قوى من القبض على أزمة الأمور عام 1921 وأنهى حكم أسرة قاجار عام 1925 ، وأعلن نفسه شاها ، وهو الشاه رضا بهلوى . وقد أقام دكتاتورية قوية وألغى الإمتيازات الأجنبية وأدخل كثيرا من  الإصلاحات  الحديثة ، والتى رأى المحافظون أنها اتجاهات غربية . وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية أعلن شاه إيران حياد بلاده ، لكن الجنود الروسية والبريطانية غزت إيران ، وأكرهت الشاه على التنازل عن العرش لإبنه محمد رضا ، الذى أعلن الحرب على دول المحور . ولما إنتهت الحرب سحبت بريطانيا جنودها ، كما سحبت الولايات المتحدة الجنود الذين كانوا قد دخلوا إيران لعمليات حربية (عام 1946 ) ، وأجبرت الأمم المتحدة الإتحاد السوفييتى على سحب جنوده كذلك ، فى نفس العام . وكان مؤتمر طهران فى عام 1943 قد أعلن إستقلال إيران .

فى الفترة التى أعقبت إنتهاء الحرب العالمية الثانية ، علت موجات المد الوطنى والقومى فى كثير من البلاد ، ومنها إيران . وكانت الحركات الشيوعية وراء كثير من حركات التحرر من الإستعمار الغربى أو حتى مجرد الإرتباط بالغرب ، ومثّل هذه الحركات فى إيران حزب تودة الشيوعى . ونتيجة للضغوط الشعبية قام محمد مصدق رئيس الوزراء ، عام 1951 بتأميم شركة البترول البريطانية الإيرانية ، والتى كانت صاحبة الامتياز فى استخراج وتسويق البترول الإيرانى . ونيجة لهذا التأميم ضربت بريطانيا حصارا على البترول الإيرانى . فأضعف ذلك من الإقتصاد الإيرانى ، وتتابعت الأحداث حتى إنتهت بسقوط مصدق . وفى عام 1954 إتفقت الحكومة الإيرانية مع الشركة البريطانية الإيرانية على إستئناف إستخراج البترول بشروط جديدة .

ما قاله علماء الإجتماع والتاريخ عن أسباب إندلاع الثورة الفرنسية ، بما سلف بيانه ، هو فى مجموعه تحليل صائب ينطبق على حالة الثورة الخمينية الشيعية فى إيران . ونظرا لإختلاف الزمان وافتراق المكان , والظروف الخاصة بإيران نفسها ، يمكن إجمال أهم أسباب الثورة فى نقاط ثلاث ، هى المد التعليمى الذى حدث لدى أبناء الطبقات الوسطى فى كثير من بلاد الشرق الأوسط ، وأثر الحزب الشيوعى  ، حزب تودة ؛ ونفوذ رجال الدين الشيعة .

فقد أدى إنتشار التعليم ولو نسبيا ، وسهولة إنتقال المعلومات والأخبار ، ولو جزئيا , وصيرورة المدن مراكز مهمة نزح إليها الكثير من الأرياف والبوادى ، أدى كل ذلك وغيره ، إلى بروز الطبقة المتوسطة ، التى ليست من المعدمين  وليست من الإقطاعيين , فصارت لها تطلعات طبقية  (Social Consecions)  فى أن تعيش على مستوى الأغنياء ، لتتشبه بهم وتنحشر فى زمرتهم ، كما صارت لبعضها تطمعات سياسية (Political Ambitions) لتدخل فى طبقة الحكام وتكون من رجال السلطة . وما دام النظام السياسى لم ينتبه إلى ذلك ، ولم يفسح مسارات طبيعية تكون منافذ  لتحقيق هذه التطلّعات والتطمّعات ؛ أو على الأقل ، توجد الأمل فى تحقيقها ؛ فإن قوة هذه التطلعات والتطمعات إندفعت بشدة لتحطم النظام بأكمله ، مؤملة أن تجد فيما يليه نظاما أفضل لها ، تحقق فيه ما عجزت عن تحقيقه من قبل.

وبإنتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الحرب الباردة بين الإتحاد السوفييتى والكتلة الشرقية من جانب ، وبين الولايات المتحدة والغرب من جانب آخر . وفى هذه الحرب قويت الأحزاب الشيوعية فى كثير من البلاد ، ومنها فرنسا وإيطاليا . أما فى الشرق الأوسط فكان حزب تودة فى إيران هو أقوى الأحزاب الشيوعية فى المنطقة ، وكان السوفييت يؤملون من قوته أن يحد إبتداء من أى تصرف لحكومة الشاه ، يميل فى إتجاه الغرب ، أو يحقق له أى فائدة ؛ كما كانوا يؤملون على المدى البعيد (On the long term ) أن تتحول إيران إلى دولة شيوعية ، فتدخل فى نطاق السوفييت ، أو على الأقل ، تصبح ضمن حلف وارسو ، مثلها فى ذلك مثل بولندا والمجر ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا . ومن هذا القصد والهدف  ، عمد حزب تودة إلى تقويض النظام الإجتماعى والنظام السياسى فى إيران بكل الوسائل الممكنة ، الهادئة والعنيفة ، الغالية والرخيصة .

والإسلام السائد فى إيران هو الإسلام الشيعى ، الذى يعتنقه 90٪ من الشعب . والصيغة الشيعية ليست مجرد مذهب فقهى ضمن مذاهب الإسلام المتعددة ، والتى يحصرها أهل السنة والجماعة فى أربعة مذاهب (هى الحنفى والشافعى والمالكى والحنبلى) ، لكن الإتجاه الشيعى صيغة متخالفة مع الإسلام السنى ، ومتكاملة لتقوم بذاتها بديلا عنه . وفى بيان مدى هذا التعارض بل التناقض بين الإسلام السنى والإسلام الشيعى ، فقد قال أكبر علماء الشيعة (الكُلَينى) :كل ما عليه أهل السنة فهو خلاف لنا .

وبصدد الدراسة ، فإن أهم خلاف بين إسلام السنة وإسلام الشيعة ، أن أهل الشيعة يضيفون الإمامة ركنا سادسا إلى أركان الإسلام الخمسة عند أهل السنة والجماعة ، وهى الشهادة والصلاة و الصوم والزكاة  والحج . وإضافة الإمامة ركنا سادسا إلى الإسلام ، ليس إضافة بسيطة يمكن حذفها دون آثار ، ولا هى مجرد زيادة كَمّية أو عددية إلى الأركان الأخرى ، لكنه تقرير يحدث تغييرا كيفيا فى العقيدة الإسلامية . ذلك بأن الإمامة ، أو الولاية ، تستقطب أركان الإسلام الخمسة جميعا ، وتجعلها مستغرقة فى الإيمان بالإمام أو الولى ، تدور حوله وجودا وعدما ، وتصح إن رآها هو صحيحة ، وتفسد إن رآها هو فاسدة ، بل وتسقط إن تراءى له إسقاطها .

والصيغة الشيعية ، بتركيزها كل الإسلام فى الإمام أو الولى ، وتلخيصها كل الفروض والواجبات فى مبدأ " السمع والطاعة " له ، أو لنائبه ، أو لمبعوثة ، تحول المعتقد إلى أيديولوجيا (والايديولوجيا هى ، فى هذا الصدد ، إستخدام المشاعر الدينية لأهداف سياسية وأغراض حزبية) ، وتجعل العقيدة الدينية محض سياسة دنيوية ، ينتفى بها النظام الأخلاقى تماما ، إن لم يتحول إلى النقيض كله .

ومبدأ "السمع والطاعة" الذى تنبنى عليه الصيغة الشيعية ،مبدأ مأخوذ من بعض آيات القرّان ، إقتطاعا من السياق التاريخى (Hysterical Context) وإفتصالا عن أسباب التنزيل (Reasons of the Revelation ) . فقد ورد التعبير فى آيات ثلاث ، (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) سورة البقرة 2: 285 (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُم) سورة النساء 4 : 46 ، و(وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) سورة المائدة 7 :45 وعن مبدأ السمع والطاعة ذلك يقول أئمة الشيعة , ومن ينهج نهجهم من أهل السنة (لا إسلام بغير أمة ، ولا أمة بغير ولى ، أى إمام ، ولا ولى بغير السمع والطاعة) وهى صياغة معتلّة ونتائج مختلّة ، تتضمن إفتراضات ثم تبنى عليها المطلقات . ذلك أن عبارة (لا إيمان بغير ولى) مقدمة غير صحيحة ، لأن الصيغة السنية للإسلام ، التى يعتنقها أهل السنة والجماعة ، تعتقد على العكس من ذلك بأن الإيمان يكون بغير ولى ، ويصح دون إمامة . كذلك فإن عبارة (لا ولى بغير السمع والطاعة) تقرير فاسد ، إذ الأصح فى التقدير والأسلم فى البيان أن يكون الإمام أو الولى غير مطلق الرأى وغير مطلق الأمر ، له السمع والطاعة مهما قال أو فعل أو أمر ، وليس على أى من أتباعه أن يناقشه أو يجادله أو يصحح له أو ينبهه إلى خطأ . فالعبارات المتراصة ، دون منطق ، وبغير  ترابط ، يُقصد بها أن تنتهى إلى أن يكون لشخص بشر ، هو الولى أو الإمام ، أو نائبه أو مبعوثه ، سلطة مطلقة ، ذات صبغة دينية ، حتى ينقاد له الكل بالسمع والطاعة ، فيطيع حين يأمر وينفذ حيث يكون .

وبمبدأ الإمامة أو الولاية ، ومبدأ السمع والطاعة ، صار فى الإتجاه الشيعى رجال دين (Clergymen) ، وليس علماء دين (Scholars) كما هو الشأن فى الإسلام ، الذى قصد إلى محاربة الكهانة ، وهو الفهم الذى يسير عليه أهل السنة ، بحكم الشرع (De Jure)  وإن تنكبه بعضهم ، بحكم الواقع (De Facto) . وكان من نتيجة تأثير رجال الدين الشيعة أن ساعدوا على الثورة ضد الشاه ، إما لتحقيق العدالة الإجتماعية كما كان كل الشعب يرجو، وإما لوضع مبادئ الإسلام موضع التنفيذ كما كان رجال الدين يرددون ، وإما للإنتقام من السلطة وممن عاونها ، كما كان المنفيون من الإيرانيين وآيات الله يرجون .

كان آية الله الخمينى ومجموعته فى المنفى بفرنسا ، وقد ساعدهم الغرب فى الوصول إلى الحكم . فالولايات المتحدة نصحت (أو طلبت من) الشاه مغادرة إيران فأسقطت بذلك ولاءات كبار رجال الجيش وكبار رجال الحكم لرمز الدولة ورأس السلطة ، وجعلت مكانه شاغرا فى انتظار من يملؤه . ونقلت فرنسا الخمينى ومجموعته على طائرة إيرافرانس إلى طهران ، ومنعت الولايات المتحدة قادة الجيش الإيرانى من ضرب الطائرة بالمدافع وهى فى الجو ؛ فهبطت فى مطار إيران ، وفيها طاقم الحكم الجديد ، والذى كانت كراسى السلطة فى إنتظاره دون أى مقاومة . وبهذا تمكنت الثورة الخمينية من عرش الشاه ، وجيش إيران  ، وجهاز المخابرات (السافاك) ، وخزانة الثروة ، وآبار النفط .

كانت الولايات المتحدة خاصة ، والغرب عامة ، يهدفون من إنجاح الثورة الخمينية ، وإيصال الخمينى وطبقته من رجال الدين إلى الحكم ، أن يمتصوا غضب الشعب الإيرانى على الشاه ونظامه ، والقضاء على قواعد وكوادر (صفوف) حزب تودة الشيوعى ، وإستخدام إيران فى تفكيك الجمهوريات الست الإسلامية ، التى كانت فى جنوب الإتحاد السوفييتى منه ؛ وهذه الجمهوريات (التى كانت سوفيات ، أى مجالس  قبل استقلالها) هى : أذربيجان ، كازاقستان ، طاجسكستان ، أوزبكستان ، تركمانستان ، وقرغستان . فتفكيك الإتحاد السوفييتى ، بالعمل على فصل الدول التى كان يحتلها تحت إسم المجالس (السوفييت) ، كان هدفا للولايات المتحدة ، منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية ، تأكد خلال عقد الستينيات ، وتحقق خلال عقد التسعينيات . وبه إنهار الإتحاد السوفييتى وإنتهت الحرب الباردة . يضاف إلى ذلك أن الجمهوريات الست الآنف بيانها جمهوريات ذات أغلبية مسلمة ، وتحتوى أراضيها على كميات مهولة جدا من النفط ، يمكن أن يوازن الطلب على نفط منطقة الخليج العربى ، وأن يكون بديلا عنه أن إقتضى الأمر . وكان فى مخطط الولايات المتحدة أن رجال الدين الذين وصلوا إلى السلطة فى إيران ، شأنهم شأن الضباط فى الإنقلابات العسكرية ، جاهلون بأساليب الحكم الصحيح ، عاجزون عن إدارة دفة البلاد ؛ ومن ثم يسهل التأثير عليهم ، وإستخدامهم فى العمل على تفكيك الجمهوريات الست المذكورة من الإتحاد السوفييتى ، خاصة وأن إحداها ، وهى أذربيجان تتكلم الفارسية ، فى حين أن لغة الآخرين هى التركية (المتفرعة من الأتراكية ذات الأرومة المغولية) وهذه الجمهوريات الخمس تكون مع تركيا ما يسمى بالقومية الطورانية ، أى إنه بإيران من الجنوب وتركيا من الغرب تسيطر الولايات المتحدة على منطقة مهمة جدا ، وغنية بالنفط والغاز الذى يمكن مده بأنابيب إلى أوروبا , فيكون أرخص سعرا من نفط الشرق الأوسط .

تقوم الروح الأمريكية على البراجماتية (Pragmatism) وهى ما يترجم إلى النفعية أو الوسلية أو الأداتية ، كما أنها تُعرّف بأنها :
A Philosophy that evaluates assertions solely by their practical consequences and bearing on human interests (Oxford Dictionary) .
وهو ما ترجمته ، بتصرف : (البراجماتية) فلسفة تقيّم الحقائق (أو القرارات  أو المؤكدات) , فقط على النتائج العملية ، وتعول على المنفعة البشرية الناتجة عنها .

هذه الفلسفة العملية التى تقيم (تقوّم) الأشياء والأفعال بنتائجها العملية ، ومدى ما يعود على الناس من نفع منها ، كانت نتيجة للتاريخ الأمريكى وثمرة له ، وهى تصح تماما حيث تجرى الإختبارات فى المعامل (Labatories ) مع أشياء مادية أو أقرب إلى المواد ، لا يقع  فيها تغيير ، ولا يصدر عنها أثر ، ولا ينتج منها رد فعل ، فتتكرر التجربة أكثر من مرة فى نفس ظروفها ؛ أما حين يحدث التعامل مع بشر ، لهم ثقافات مختلفة ، فإن الفلسفة لا تحقق نجاحا ؛ ذلك لأن الأفراد البشر من جانب ، والمجتمعات البشرية من جانب آخر ، قد يصدر عنها أعمال مرتجلة (باللاتينية Ad lib) ، أو تخرج منها هفوات لسان (Lapus linguae) ، أو تؤدى عوامل غير محسوبة إلى طفور تصرفات فجائية (Inadvertenly) ، أو يسير الحدث والواقع معها وفقا لقوانينه الخاصة ، كما جاء فى بداية الدراسة (up to its own percept) ، فينتج عن هذه العوامل ، أحدها أو كلها ، نتائج لم تكن فى حسبان أحد ؛ لا الذى إبتدأ الواقعة  أو الحادثة ، ولا الذى تأثر بها . من هذه المفاهيم ، فإن الثورة الخمينية إنقلبت على الولايات المتحدة ، لأسباب غير واضحة ، وسيرت جماهر من الطلبة إحتلوا مبنى السفارة الأمريكية ، وإستولوا على ما فيها من أوراق ووثائق ومستندات ، وإحتجزت الدبلوماسيين والإداريين رهائن لديها مدة 444 يوما . ولان ذلك حدث فى بداية الثورة الخمينية الشيعية التى أُسقط عليها وصف الإسلام ، فسُميت بالثورة الإسلامية ؛ ولأنه مخالف لكل  الأعراف الدبلوماسية والتقاليد الدولية ، ولأنه إستطال مدة 444 يوما ، ولأنه دخل كعنصر رئيسى فى معركة الإنتخابات الأمريكية ومعركة الإنتخابات الفرنسية ، لكل ذلك ، ولأن ثورة الإعلام كانت قد بدأت ، وصارت وسائل الإعلام تُلح على هذا الموضوع أكثر من مرة كل يوم ، فقد وقر لدى الناس فى مختلف أنحاء العالم أن المسلمين لا يصدرون فى تصرفاتهم عن عقل ، ولا يركنون فى أفعالهم إلى تقدير ، وأنهم لا يحترمون النظام العالمى ، ولا يُعنون بالأعراف الدولية ، ولا يلتزمون القواعد الدبلوماسية ، وأنهم عنصر أو قوم ، يفعلون ما يريدون ، ويقولون ما يشاءون ، دون أى ضابط أو رابط ، وبغير ترتيب أو حساب ، وأنهم يلجأون إلى العنف والقوة بدلا من التفاوض والتفاهم .. وكانت هذه الصورة الشائهة عن المسلمين ، هى أقصى ما يؤمل فيه أعداء الإسلام وأعداء العرب ، أن ينال هؤلاء من أنفسهم على ذلك النحو المهين .

وقد واكب هذا الخروج السافر عن تقاليد المجتمع الدولى وأعرافه ، بل وعلى قواعد الإسلام وأخلاقياته ، فشل فى إدارة سياسة الدولة مما إنتهى إلى أن يصبح دخل الفرد فى عهد الثورة ثلث دخله فى العهد السابق عليه ، هذا بالإضافة إلى الإنقسامات فى صفوف الثوار ، والإعدامات التى حدثت بكثرة  ودون محاكمات وفق المعايير الإنسانية والإسلامية المعتبرة ، وما أُشيع عن فساد بعض الحكام الجدد وإتهامهم بالرشوة أو الإسهام فى تجارة المخدرات . وقد تأدى ذلك كله إلى أن يظهر ما سُمى بالحكم الإسلامى على أنه صورة مماثلة لأى إنقلاب عسكرى آخر فى بلد أسيوى أو أفريقى ، فلم تبد منه قيم جديدة ، ولا صدرت عنه نظم مبتكرة ، ولا ظهرت فيه روح إنسانية . والأسوأ منن ذلك كله ، أن النظام الإيرانى ظل يتتبع خصومه فى الولايات المتحدة وألمانيا ، ويقتلهم علنا وفى أماكن عامة ، كما حدث فى مدينة ميونخ بألمانيا ، حيث قتل رجال المخابرات الإيرانية (السافاك  الجديد) بعض خصوم النظام وهم يجلسون فى مطعم عام ، وعندما حكم القضاء الألمانى بإدانة القتلة ، وإدانة وزير المخابرات الإيرانى , سُيرت المظاهرات فى إيران ضد حكم القضاء الألمانى تندد به ، وتنذر بالرد عليه ، وتهدد بالإنتقام من الألمان جميعا . ولئن إقتضت دواعى السياسة ومصالح التجارة أن توقف الحكومة الألمانية تنفذ الحكم ، فإن المظاهرات والتهديدات تركت أثرا سلبيا للغاية فى تقدير الحكومات والشعوب فى الغرب ، عما رأوا أنه تهديد (سموه خطأ بالتهديد الإسلامى) لكل القيم والأعراف والنظم والتقاليد .

فى 1988 وكانت إيران قد هُزمت فى حربها مع العراق ، أو على الأقل ، لم تحرز أى نصر ، وقبلت وقف إطلاق النار ، الذى شبّهه الخمينى يتجرع السم ، وحتى يحرز نصرا دعائيا عوضا عن الهزيمة الواقعية ، فقد إنتهز قيام بعض الباكستانيين بمظاهرات فى لندن ضد الكاتب الهندى سلمان رشدى لما جاء فى روايته (آيات شيطانية) بما إعتبروه مساسا بالإسلام ، فأصدر الخمينى فتوى بقتل الروائى ، وتم رصد ملايين الجنيهات لمن يقوم بتنفيذ الإغتيال ، وأحدث هذا القرار صدمة شديدة فى كل أنحاء العالم ، وفى دوائر البلاد الغربية ، لأسباب عدة ؛ منها أن الرواية لم تُترجم إلى اللغة الفارسية ، ولا إلى اللغة العربية ، وبالتالى فإن القدر المتيقن أن الخمينى لم يقرأها ، وإنما سمع عنها بالإشاعة فأصدر فتوى بالقتل ؛ ولأن إصدار الفتوى  بالقتل أمر خطير جدا ، فى عصر صارت فيه حقوق الإنسان من الأساسيات والبديهات ، ولم يعد من السائغ للدول أن تقتل فردا مهما كانت جريمته دون محاكمة علنية عادلة ؛ يضاف إلى ذلك كله ، أن الخمينى تعدى إختصاصه الولائى (Jurisdiction ) ليأمر بقتل مواطن بريطانى ، يدعو إلى تنفيذ القتل فى بريطانيا ذاتها ؛ وهى أمور تؤدى جميعا ، إلى ترسيخ الاعتقاد بأن النظام الإيرانى ، الذى يدّعى إحتكار الإسلام ، لا يقر النظام ، ولا يحترم الأصول , ولا يعتبر الدول ؛ وهو ما ينتهى لزوما ، بالفهم الخاطئ ، إلى وصف الحكم الإسلامى (وهو فى حقيقته غير إسلامى) ، بالفوضى والتخلف والإرهاب ، وإنعكس هذا كله على الإسلام والمسلمين .

بعد أشهر قليلة من قيام الثورة الخمينية الشيعية  إندلعت الحرب بينها وبين العراق ، وكلاهما بلد مسلم ، ونقلت وسائل الإعلام فى ذلك قصصا وروايات أغرب من الخيال ، منها إستخدام الغازات السامة والميكروبات المميتة ، ومنها دفع الأطفال إلى القيام بعمليات إنتحارية ، قيل لهم إنها أعمال إستشهادية ، مع تعليق مفتاح فى رقبة كل منهم ، صُنع فى تايوان ، وإعتقدوا بأنه مفتاح الجنة يفتحون به أبوابها فور أن يقع إستشهادهم . وفى حين كان النظام الإيرانى يملأ رأس جنوده بأنهم يقاتلون فى سبيل الله ، وأن من يُقتل منهم يكون شهيدا فإن النظام العراقى ، هو والنظم المتعاونة معه ، كان يقنع جنوده بذات الإعتقاد ، وهو أمر من الصعب قبوله . إذ لا يُعقل أن يكون المسلم وخصمه المسلم على الحق ، وأن من يقتل منهما الآخر يكون شهيدا فى سبيل الله .

فيما بعد وعندما وقعت حرب الخليج الثانية أغسطس 1990 ، إثر غزو العراق للكويت ، حدث إعلام بأن العراق إستخدم غازات سامة أو مدمرة للأعصاب ، ولتأكيد ذلك فقد نشرت وسائل الإعلام العربية والغربية صورا لقتلى من الأكراد فى مدينة حبلجة العراقية ، كان النظام العراقى قد قتلهم بالغازات السامة عام 1988 ، وبهذا أصبح العالم فى رعب وفزع من قيام نظام للحكم بإبادة مواطنيه الأبرياء بالغازات السامة ، وإحتمال  أن تستعمل نظم مثله ( سموها بالنظام المارقة Rouge states ) أو جماعات إرهابية معها أسلحة مماثلة ، بيولوجية (Biological) أو كيميائية (Chemical) ضد شعوب أخرى أو حكومات مخالفة ، كضرب من الإرهاب ؛ خاصة وأن أسلحة الدمار الشامل ، البيولوجية والكيميائية ، قليلة التكاليف ، لا تحتاج إلى مساحات واسعة ، وخبرة عالية ، وإنما يمكن تصنيعها بسهولة فى أماكن صغيرة ومعزولة ، يسهل إخفاؤها تحت أسماء لتصنيع  الأدوية أو تجهيز الأسمدة ، أو ما شابه .

ذلك الشأن فيما نجم عن الثمرة الخمينية  الشيعية ، فماذا نتج عن أفغانستان ؟
ذلك موضوع الدراسة القادمة .

من المحرر:

لقراءة الحلقة 17 انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=18242

 لقراءة الحلقة 16 انقر هنا 

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=18148

 لقراءة الحلقة 15 من هذه الدراسة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=18038

 لقراءة الحلقة 14 انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17943

 لقراءة الحلقة 13  انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17890

لقراءة الحلقة 12 انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17733&a=1

 لقراءة الحلقة الحادية عشرة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17664

لقراءة الحلقة العاشرة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17579

 لقراءة الحلقة التاسعة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17467

 لقراءة الحلقة الثامنة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17372

لقراءة الحلقة السابعة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17296

 لقراءة الحلقة السادسة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17205

لقراءة الحلقة الخامسة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17137

لقراءة الحلقة الرابعة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17049&a=1

لقراءة الحلقة الثالثة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17000&a=1

لقراءة الحلقة الثانية انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16910&a=1

لقراءة الحلقة الاولى انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16815&a=1


hamdi   corrections   October 27, 2010 10:32 PM
Historical not hysterical
rogue not rouge

ابوساعد علي الساعدي   انت تردد ما يكتبة المستشرقيين   October 28, 2010 12:25 AM
ثورة خمينية شيعية وان الغرب ساعد الخميني ومصطلحات غريبة يرددها الاعلام الغربي..الجمهورية الاسلامية في ايران هي جمهورية اسلامية لكل المسلمين ولم تكن للشيعة او الصوفية او السنة..الامام(( روحي مصطفى احمد الموسوي الكربلائي الخميني )) هو امام هذا العصر وبدليل كراماتة..لقد قلبت الثورة الاسلامية في ايران كل الموازين وكل مخططات الغرب في تنصير المنطقة العربية والشرق الاوسط بعد نشر ثقافة الفساد والخضوع والتردي (( بغداد وحدها كان فيها اربع صالات للسترب تيز))..حتى قيام الثورة الغرب لم يكن يعرف ماذا يحصل في ايران وكل المحللين يعتقدون انها انتفاضة ضد نظام الشاة وان االبديل هو بعض الاحزاب الشيوعية والعلمانية والدينية ستتصارع على الحكم الا ان الامام الخميني ضرب كل هؤلاء وانتزع ايران واعلن قيام الجمهورية الاسلامية .. تحرش الامام الخميني بأسرائيل وفي ذلك الوقت كانت اسرائيل هي طرزان المنطقة والتحرش بها هو الانتحار بعينة ولكن الامام الخميني قلب الطاولة رأسا على عقب وفضح كل المنتفعين من ألام الشعب الفلسطيني والمتاجرين بقضيتة ولهذا السبب اجتمعوا على الحرب ضدة على الرغم من الكراهية الشديدة التي تجمعهم.فلا دول الخليج تحب صدام واسرائيل وامريكا ولا صدام يحب الخليج وامريكا ولا امريكا تحب صدام والخليج..الامام الخميني(رض) سحب البساط من كثير ممن كانوا يتاجرون بنا وبقضايانا ولهذا السبب هو حصد كراهية شديدة لم يحصل عليها شخص في التاريخ

وريا سوور   صراع الأمم   October 28, 2010 9:03 AM
الأستاذ القدير العشماوي ...إنّ لغة آذربايجان هي الآذرية وهي قريبة جداً من التركية بأكثر من 90% وهي لغة الآذريين في إيران كذلك . أما الطاجكستان فهي التي تتكلم الفارسية أو(الفارسية الدرية)مثل قسم من سكان أفغانستان.

وريا سوور   صراع الأمم   October 28, 2010 9:19 AM
إنّ هؤلاء المعارضين الذين قتلوا على أيد المخابرات الأيرانية كانوا من قادة الأكراد الأيرانيين وممن ساهم في تلك الجريمة هو أحمدي نجاة الرئيس الحالي لجمهورية المافيا المسماة بالأسلامية...
إنّ كتاب الآيات الشيطانية مترتجم الى العربية وأنا أحتفظ بنسخة منها وهي من أسخف الروايات التي قرأتها في حياتي (ليست من وجهة النظر الدينة)وحرام أن تسمى بالرواية ولولا الضجة المفتعلة والمختلقة عمداً حولها لما سمع بها أحد في العالم ...

أبو القاسم   الحقيقة تشرق من النفس الصافية   October 28, 2010 11:33 AM
شكرا مرة أخرى على مقالة غنية بالمعلومات الصحيحة والتحليلات الذكية الصائبة. نحيى الفكر الحر البعيد عن محاولة جذب اعجاب القراء. قد لا ترضى هذه الدراسات القارئ الناصرى أو القومجى أو الأصولى أو البدائى أو الفوضوى. هذه المرة قد لا تعجب القارئ الشيعى، ولكن عندما تصفو النفس من كل الشوائب، فسوف تقبل الحق بصرف النظر عن الموروث والمعتقد الشخصى. وفقك القدير سيادة المستشار.

Apreciate the mind/brain   excellent   October 28, 2010 6:50 PM
excellent

keep up the good work
!!

بدون   انا أوؤيد رقم 2 ورقم 3كلامه غير مقنع   October 29, 2010 10:48 AM
يقولوا فى الأمثال العربية إن الناس عرفوا " الله " بالعقل ومعنى ذلك إن الواحد لازم يستعمل عقله ويفهم جيدا مابين أن يشغل مخه ويفهم مايدور او يستسلم للأمر الواقع فى قراته أو مشاهدته للأخبار
الان توجد بعض المناوشات البسيطة بين مصر وسوريا ويارب تعدى على خير والأعلام المصرى مايزودهاش قوى والشعب المصرى ينقلب على الشعب السورى الشقيق!
كفايانا بقه مشاكل







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز