نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لا يوجد عاهرون وعاهرات في مجالس الشعب والشورى والبرلمان العربية؟

الجنس والأمن القومي العربي

 لا يكاد يمر يوم إلا ونقرأ عن القبض على مجموعة من "الداعرين والداعرات"، كما يأتي في الأنباء وفي صياغة الخبر من الإعلام الرسمي العربي إياه وما غيره، وكأن في الأمر ظفر وصيد ثمين وبطولة ما بعدها بطولة وانتصار للحق وزهق للباطل الذي كان زهوقاً. ويعتبر الجنس ومفرزاته وتفرعاته واحداً من مؤرقات النظام الرسمي العربي، والعقل الجمعي العربي العام على السواء، التي تشغل بال كبيرهم وصغيرهم وحكوماتهم الفاشلة وأنظمتهم البائدة المنقرضة، ورحم الله الشاعر القائل:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم***وتأتي على قدر الكرام المكارم
فتعظم في عين الصغير صغارها***وتصغر في عين العظيم العظائم

، ويخال إليك أحياناً أن لا عمل ولا شغل ولا "مشغلة" لأحد سواه. وبمجرد السيطرة عليه، ومكافحته والتحكم فيه، يتحقق حلم الرسالة الخالدة وتتوحد الأمة ويتم القضاء على أعدائها. ويجرجر أولئك المساكين في الشوارع ويرمون في غياهب السجون ويعاملون بازدراء واحتقار بطريقة مهينة ولا إنسانية تفضح بدائية تلك الأجهزة والجهات الوصائية على شؤون الناس والعباد.

 وفي السعودية ودول الخليج والدول الإسلامية الأخرى التي تطبق "شرع الله"، يلاحق العشاق ويجلدون ويضربون على "قفاهم" ويركلون كالكلاب، وهناك شرطة دينية تركت الله ولحقت "النفوس الأمارة بالسوء". وتربط هذه الشرطة الدينية بين الجنس والشيطان وتعتبر الرغبة الجنسية التي هي كالأكل والشراب والنوم، بالهوى والشيطان، ولكم أن تخيلوا يا رعاكم الله.

 والشرطة الدينية هذه هي غاية في الوحشية والطيش تطارد الناس وتسهر على الأمن القومي لهذه الدول من خلال استتباب الوضع "الجنسي" في هذه البلاد، فمتى استتب وضع الجنس استتب وضع الحاكم ونام قرير العين هانيها، وحالهم يقول إن ممارسة الجنس يهدد الأمن القومي للدول العربية والإسلامية. كما ترجم الزانية فقط، دون الزاني، بطريقة وحشية وهمجية لا إنسانية، وسط تهليلات وتكبيرات وفرح القوم كفرحهم يوم فتح خيبر، على هذا الإنجاز العظيم، فيما يعيش الجميع في متاهات الفقر والجوع والتيه الحضاري والأمية والاستبداد والجهل المطبق.

 وناهيكم عن التعامل الوحشي والقاسي غير الإنساني الذي يعكس الطبيعة الوحشية الفظة واللا إنسانية للأنظمة العربية والإسلامية في هذا المجال، فإن إطلاق لقب من مثل زان، وزانية، وداعر، وداعرة، فيه مخالفة قانونية صريحة ترتكبها وسائل الإعلام، وكل من يتعامل في هذه القضية، وهي القدح والذم والتحقير، والتشهير والإهانة العلنية المتعمدة. إذ لا يجوز التشهير العلني وإطلاق الصفات والأحكام من دون وجود حكم قضائي مبرم هذا أولاً، ثم إذا اعتبرنا هذا الأمر مصيبة وويلاً وعاراً وشناراً، فإنه يجب النظر لهذا الإنسان، أو الإنسانة باعتبارهما ضحايا أولاً وأخيراً، ولكن في المطلق لا أرى في الموضوع سوى حرية شخصية إذا كان الأمر بقصد المتعة، أو أنه مجرد مهنة وعمل آخر مثل كثير من الأعمال التي يقوم بها الناس لكسب المال ولأي إنسان أو إنسانة عاقلة وبالغة وراشدة الحرية المطلقة في جسده أو جسدها طالما لا ينعكس الأمر ضرراً وأذى مباشراً معنوياً أو جسدياً على الغير، وانتهى الأمر، ولم يضعنا أحد أوصياء وحراس فضيلة على رغبات الناس إلا الأنظمة والتشريعات الهمجية والبدائية المنحطة التي تنظر للإنسان كمشروع ضلال زتحتقر المرأة بشكل عام.

وهناك بالمناسبة كثير من الناس يكسبون المال، بين ظهرانينا، وبطرق أسوأ، وأكثر لا أخلاقية من هذه الطريقة، ويمارسون شتى الموبقات الأخرى من لصوصية وفساد وتهريب ونهب وتخريب، لكنهم ويحظون باحترام، ولا يرمى بهم في السجون، ويضرب الجميع لهم تعظيم سلام، ويشكلون خطراً على الأمن القومي والمجتمعي العربي أكثر بكثير من هؤلاء "الداعرين والداعرات" الذين يطاردون كالبرص والجرب والجذام.

 هذه واحدة، والأخرى، وفي البلدان التي لا يهدد الجنس أمنها القومي يعتبر الجنس مهنة عادية، وتعتبر الـ Prostitution المهنة الأقدم في التاريخ محترمة وتعامل معاملة أية مهنة عادية، وذلك قبل أن يتسلق حلفاء الأمس واليوم، ونعني بهم رجال الدين والساسة، على ظهور الناس، فهم، لعمري، سبب كل البلاء والوباء، وينظر إلى الجنس ومفرزاته في كثير من البلدان كصناعة سياحية لها مقوماتها وتدر على البلاد الكثير من العملات الصعبة لإطعام الشعوب (في عصر "نجومية البندورة" وانحطاط الاقتصادات وهزيمة الحكومات، تلك المادة الغذائية الشعبية التي تحلق عالياً في السماء وتنافس الذهب والبلاتين والماس دون أن يفكر أحد بمطاردة من تلاعب بقوت الناس فالجنس ذو أولوية قصوى لدى هؤلاء العباقرة والفصحاء)، ونظراً ما لقطاع الجنس من دور في تمويل مشاريع الصحة والتعليم، والاستفادة من هذا القطاع الحيوي في توفير الأموال لغايات ومشاريع أخرى، إذ أن التسهيلات الجنسية تعتبر واحدة من أهم عوامل الجذب والنجاح السياحي.

 نحن لا ندعو للفوضى، ولا للابتذال، ولا للتهتك والانحلال، ولكن بنفس الوقت لا يمكن لكل شرطة وبوليس العالم وقواه البوليسة الوحشية من منع الناس من ممارسة هذا الأمر بطريقة أو بأخرى، سراً أو علانية، أو في حال عدم توفره وسهولة الوصول إليه، وتشكل الجرائم "الجنسية" ومحاولة البحث عن المتعة واحدة من أكثر الجرائم في المجتمعات التي تكافح الجنس.

 وأيضاً في ظل هذه الفوضى الحالية، وهذا التعامل البائس وغير العلمي أو العملي مع الجنس، لا نعرف من هي المحترمة ومن هي الـ"......"، في هذه المجتمعات، وتفاجئ في كثير من الأحيان بأن جارتك "التقية" المحتشمة المحجبة العابدة المتعبدة النقية الزاهدة، واحدة من إياهم، تمارس العمل تحت ضغوط وغايات شتى، وتسكن في حي وعمارة محترمة وتمارس هذا الأمر في الخفاء ولكن يقع المحظور والذي لا بد منه في ليلة ليلاء.

والمطلوب تشريع الدعارة، وتخصيص أماكن عامة ومعروفة لطالبي وطالبات المتعة ككل دول العالم المحترمة، التي تحترم "الداعرين والداعرات"، واعتبارها مهنة واحترامها، واحترام من يمارسها، وإعطاؤهم بطاقات نقابية، وإنشاء نقابات لهم، ووجود أعضاء وممثلين عنهم في البرلمان ومجالس الشورى تحديداً منهم ومنهن،(فهم أصدق واشرف مع أنفسهم/ن من كثير من أولئك الأعضاء المعروفين، بمعنى آخر أن تكون هناك داعرة محترمة ممثلة لقطاعها تجلس جنباً إلى جنب مع طويلي العمر والوجهاء الذي تكرشوا وأثروا وكنزوا الذهب والدولارات على حساب البؤساء ومن من فقر وعذابات وآلام الناس، ( ألا يشكل الداعرون والداعرات شريحة وطبقة اجتماعية هامة يجب أن تنال حقوقها وتمارسها كما تفعل كل الدول المتقدمة إن كنا حقاً ديمقراطيين ونؤمن بالحقوق والمساواة ولماذا ينظر إلى هذه الشريحة بازدراء؟)، وإخضاعهم لفحوص طبية دورية كما يحدث في جميع الدول المحترمة، التي لا يشكل الجنس وسواساً خناساً، ولا هاجساً أمنياً، أو قومياً يتعلق بالرسالة الخالدة للأمم والشعوب كما هو الحال في المنظومة "اللي بالكم منها"، وبعد ذلك من يخالف ولا يلتزم بقوانين الدعارة وممارسة المهنة يزج به في السجون، لكن طالما أن الأمر ظاهرة مجتمعية وإنسانية وفي عموم دول المنطقة، وخاصة المتشددة دينياً، فيجب حله عبر قوانين ومعالجات قانونية وإدارية وتحت إشراف حكومي

 أما هذه المعاملة الوحشية والبائسة والمتخلفة مع هذا "القطاع الإنتاجي" المدر للدولارات، فإنه تعكس تخلفاً إدارياً، ورؤية بدائية وغير عصرية ولا متمدنة لسلوك إنساني يجب وضعه في إطاره العفوي والطبيعي والعادي والنظر إليه من هذا المنظور لا من المنظور التقليدي الذي لم يفلح إلا في جر هذه الأمم والشعوب إلى الكوارث والقيعان السحيقة والهوّات العميقة التي لن تخرج منها، بحول الله، ما داموا يفرضون رؤاهم على الحكومات.

 وتشكل الأنظمة العربية والإسلامية اليوم، وبشكل شبه عام، والتي تنظر بريبة وتوجس وبدائية إلى موضوعة الجنس واحدة من أشد الحلقات البشرية ضعفاً وتهتكاً وتخلفاً وانحطاطاً، وكأنه لا يوجد غير الجنس مما يجب مقاومته ومطاردته والبحث في أحلام الناس عن نزوات جنسية طائشة وغير مضبوطة؟ أين هم من اللصوص، والفاسدين والمفسدين في الأرض والمرتشين والغشاشين والمتلاعبين بقوت الشعوب والمزورين والمحرضين على الفتنة والكراهية نجوم ورموز النهب والتجويع العام؟ ألا يشكل هؤلاء خطراً أكبر من أي "داعر وداعرة"، ولماذا لا يحارب هؤلاء المستفشرون كما يحارب الداعر والداعرة؟ ألا يدعو الأمر للريبة والشك والطعن بمجمل المضامين الأخلاقية والأهداف الباطلة لمجمل هذه الثقافة المريبة، العجيبة، والغريبة؟ وهل الدعارة جنسية وجسدية أم ثمة "دعارات" أخرى سياسية وثقافية وفكرية وإيديولوجية وحزبية واقتصادية ...إلخ، أشد فتكاً وضراوة، ولها ممثلوها ونوابها، ولا تتعرض لأية مطاردات وملاحقات؟

 ثمة ربط وعلاقة جدلية بين التخلف والتمدن في نظرة المجتمعات لقضية الجنس واحترام حقوق الإنسان، فكلما كانت النظرة إلى الجنس طبيعة ومرنة كلما كانت المجتمعات أقل مشاكل وأزمات، ومنفتحة وقابلة للتطور، والعكس صحيح تماماً، وها هو الغرب المتحضر الذي نتوسل جميعاً الذهاب والعيش فيه أمامكم كيف يتعامل مع قضية الجنس وينهض ويعلو ويسمو ويصدر لنا الغذاء والدواء، (ولا نتورع عن أكله وأخذه رغم أنه من تصنيع الكفار وتصوروا يا لخيبتنا وتعاستنا)، وها هو أنموذجكم ومثلكم الرث العربي والإسلامي أمامكم، أيضاً، فلم تفلح هذه النظرة البدوية المتشنجة، وهي بالمناسبة موروث بدوي جاهلي صحراوي وافد من بلدان الكثبان، إلا في تقزيم وشرشحة ومسخرة وبهدلة وتشحير وتعتير هذه الشعوب والأقوام. وها هي الشعوب والأمم والحكومات العاقلة المتعقلة غير الموتورة أو العصابية والمجنونة في التعامل مع قضية الجنس، والتي تشرعنه، وتقوننه، وتضبطه، وتيسره لابن البلد وللسائح على السواء ضمن أطر ومعايير محترمة، كيف أنها أصبحت قبلات سياحية يؤمها برح غامر الجميع لأنها أصبح البديل عن النعيم السماوي المفقود، أو الذي هو في حكم غير الموجود. ولنا في تركيا العلمانية خير مثال، حيث يتم التعامل مع هذا القطاع بكثير من المرونة والانفتاح والعقلنة والنظرة الإنسانية كما التجارية والعملية، وهناك أماكن "عمومية" مفتوحة وميسرة للجميع، تسمى باللغة التركية بـ"الكرخانة"، حيث ترى فيها ما هب وما دب وبكل حرية، ودون حصول أي إزعاج أو مشكلة لا للناس ولا للسلطات.

 وحين أتت حزب الفضيلة الأردوغاني ذي الميول المحافظة أبقى على الأمر ولم يتعامل معه بـ"جفاصة" وفظاظة، وعصابية، كما هو الحال في منظومتنا البدوية الرثة التي تعكس مرضاً جمعياً عاماً خطيراً للغاية، وأكثير من أي شيء آخر، والأمر لا يتعلق بأية فضيلة اجتماعية ومحافظة على أخلاق كما يزعمون، ولا نصدقهم، لأن الفضيلة والأخلاق يجب أن تكون عامة وعلى كافة المستويات فمن ينظر ويتحرى عمق وكنه وجوهر وطبيعة معظم هذه المجتمعات، يدرك تماماً أن لا فضيلة ولا أخلاق فيها وعلى كافة الصعد والمستويات من حيث الفساد واللصوصية والكذب والرياء والدجل العام والعلاقات المجتمعية واغتصاب الصغيرات، ومختلف أنواع الزواج والدعارة الحلال والاتجار بالبشر كما هو الحال في منظومة البداوة والصحراء والنهب والسرقات والتخلف والجهل والخرافات إية فضيلة وأية أخلاق في كل هذا يا رعاكم الله، وأن ثمة شريعة غاب لا أخلاقية ساقطة ومنحطة تحكم وتتحكم بهذه المجتمعات؟ إذا كان هناك ثمة ربط بين الجنس والأمن القومي والمجتمعي، فإن الدول والشعوب التي تتعامل بحرية وانفتاح، هي أكثر أمناً قومياً ووطنياً ومجتمعياً، وأكثر خلقاً وفضيلة من المجتمعات والدول والحكومات والأنظمة التي تتعامل مع قضية الجنس بوحشية وهمجية وانغلاق. فشرعوا الدعارة واتكلوا على الله، وأجركم كبير عند الله، و رأفة بالأوطان، وأولاً وأخيراً بـ"الداعرين والداعرات"، وانتخبوا منهم ممثلين وممثلات في البرلمانات ومجالس الشورى، ذلك خير لك، ويرحمنا ويرحمكم الله، ومن منظور، واحد ووحيد، وهو الدفاع عن حقوق الإنسان.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز