Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
بعد إلتفاف ساق المؤتمر الوطنى بساق الحركة الشعبية .. أين المساق ؟
بعد مفاوضات سلحفائية مليئة بالأشواك والتنافر( والقرص ) والتنابز بالصفات ، توصلت الإنقاذ والحركة الشعبية قبل عامين كما يعلم الجميع إلى إتفاقية ما تــُـعـرف ( بنيفاشا ) للسلام ، والتى جاءت بعد أن عجز الطرفان على الحسم العسكرى وعندها تدخل المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة بضغوط رهيبة بعد فشل المحاولات الودية للتوصل إلى وقف ذلك القتال المرير الذى أزهق وأعاق وشرد الملايين من أبناء السودان ( جُـلهم من الجنوب ) لذا ليس صحيحاً أن تتحدث قيادات الإنقاذ أنها جاءت بالسلام ليتوقف نزيف الدماء الذى وجدته عند إنقلابها عام 89 م لم يتعد الست سنوات إثر إشهار ( قرنق ) للسلاح عام 83 م فى وجه الحكومة المايوية بقيادة جعفر نميرى ، ولكن الإنقاذ أججت الحرب وصبّت عليها وقود الحقد والغل المغلفة بالشعارات الزائفة لتستمر ، ستة عشر عاماً أخرى دون رحمة ، فلو كان صحيحاً ما تدعيه الحكومة من أنها أتت بالسلام لكان الجميع قد سمع ورأى خطواتها تسارعت لوقف تلك الحرب منذ الإسبوع أو الشهر أو السنة الأولى ، أو قل الخمس سنوات الأولى من عمرها وتنازلت عما تنازلت عنه للحركة الشعبية دون ضغوط أو إملاءات خارجية ودون أن ترهن إرادتها وإرادة وطن بأكمله للقرارات الإقليمية و الدولية ، ولكن الحقيقة أنها أجبرت على السلام وفـُرض عليها ( بالتى هى أوحش ) وهذا هو سر التباطؤ المتعمد لإنزال بنوده على الأرض ( وما تنفيذ نسبة الـ 22% فقط من الإتفاقية حتى الآن إلا دليلاً على عدم رغبتها وعدم جديتها ، لأن السلام والإستقرار والمساواة وقبول الآخر ليس من أجندتها ) ، ولو إستطاعت لتنصلت منها اليوم قبل الغد .

منذ مجىء الإنقاذ أو حتى قبل مجيئها إلى السلطة كانت تعتقد فى الحركة الشعبية ذراع للصليبيين لضرب الإسلام والمسلمين فى السودان ، وقادتها ليسوا إلا شذاذ آفاق وخونة وعملاء من تلك العبارات التى كان يُـلقيها الرائد السابق يونس محمود ( على الريق ) فى مسامع العالم وكأنها تحف بخل الزمان بمثلها لغيرهم وجاد بها عليهم ، مما جعلهم يطربون لها أيما طرب ، ويشجعونها ويدعمونها بالأشعار الجهادية المزعومة لمزيد ٍ من الغلو والتعنت وسفك الدماء والفتن ، مما جلب للسودان عداءات وبغضاء فى داخله والخارج هو فى غنى عنها ، ولا زال يدفع أضعافاً مضاعفة لإعادة علاقاته مع العديد من الدول و رتق المستعصى منها جراء تلك الشتائم الصباحية البائسة .

مخطىءٌ من ظن مجرد ظن أن أهل الإنقاذ قد تخلوا عن نهجهم ، فهم لا زالوا يعتقدون ويرددون نفس الشعارات السابقة ولكن فى السر وبين المجالس الخاصة والحلقات الضيقة والدليل على ذلك يلحظه المتتبع للخطابات المنفلتة للبشير وبعض قيادات المؤتمر الوطنى الذين لا يستطيعون أن يكتموا مكنونات قلوبهم طويلاً ولكنهم مُجبرون على السير فى إتجاه تنفيذ الإتفاقية ( وإلا ستهدد الحركة بعصا الولايات المتحدة كما صرّح باقان أموم مؤخراً ) وبالرغم من التضاد فى الآيدلوجيات بين الحركة والمؤتمرالوطنى على مستوى التنظيم والقيادات والأفراد إلا أنهما ما زالا يمضيان ببطىء شديد ( مع تبادل النظرات المنكرة ) وعدم الثقة التى أطلت فى أكثر من مشهد ولقاء على ذلك التحالف القسرى لتفادى الحصار والقرارات الموجعة من الأمم المتحدة وأمريكا من ناحية ولمواجهة الضغوط الداخلية من الأحزاب والحركات المسلحة من ناحية ٍ أخرى .

لقد تراجعت الحركة الشعبية كثيراً بعد المكاسب الهائلة التى جنتها عقب الإتفاقية ( النيفاشية ) بعد وفاة زعيمها قرنق والذى فى إعتقادى كان يمكن الأخذ والرد معه على عكس خلفه سلفاكير الذى لا زال يعيش بذهنية الرجل المحارب فى أحراش الجنوب ، حتى إنه لم يستطع التأقلم على حياة القصر بوصفه نائباً للرئيس ( والذى كان سيعطى الحركة الشعبية بُعدها الأفقى والرأسى الذى رسمه وحدد ملامحه قرنق ) لو أحسن خليفته لعبة السياسة لهذه التركة الثقيلة التى ورثها فجأة دون إستعداد أو سابق إنذار، فقد يصلح شخص فى أوقات الحرب كقائد أو مقاتل ولكن نفس هذا الشخص قد لا يصلح للسلام لأنه لا يستطيع أن يفكر بمنأى عن الحرب التى خاضها فى الماضى ، ويظل يجترها مراراً فى عقله الباطن على الأقل مما يؤثر على تفكيره وأدائه فى ظل السلام ، إذ لكل حالة ٍ لبوسها ولكل وقت ضيائه ، وهذا هو الخطأ الذى وقعت فى شراكه الحركة الشعبية وستقع فيه الحركات المسلحة الأخرى وبذلك تخسر بالسلام ما لم تخسره بالحرب إذا لم تتدارك الأمر مبكراً وتنتبه له .

لم يطق سلفاكير المكوث فى القصر زهداً فيه ، لكن ( الطبع غلاب ) مما أثر سلباً على الحركة وحجّمها داخل وخارج السودان ، وإضافة ً إلى ذلك الغموض الذى يلف الرجل حتى النخاع مما جعله يبدو كرجل ٍ ( مـشـفـّر ) بالمعنى الحرفى للكلمة ، إذ لم يستطع أحد حتى الآن الإقتراب من فك طلاسمه أو معرفة ما يجول بخاطره أو يتنبأ بالخطوة التالية له ولا حتى ما يريد أن يقوله ناهيك عما سيفعله ، فتصريحاته قليلة وتحركاته أقل وكأنها تأدية واجب ثقيل فى يوم ٍ قائظ ، بل نرى حتى إبتساماته محسوبة ومقتضبة كأنه يدفع ثمنها مقدماً بالعملة الصعبة ، وهذا الصمت ( السلفاكيرى ) كان من الممكن أن يصب فى مصلحته لو كان الجميع يعلم توجهه أو إتجاهه سلباً كان أم إيجابا ، فهوعكس الرئيس البشير تماماً والذى ليس لديه حتى ( باسورد بسيط ) يمكن الدخول من خلاله إلى عالمه الزاخر بالرقص والتهديد و ( الحليفه ) لذا كثر حوله الإنتهازيون والطفيليون والمتسلقون والمطبلون والقتلة ومصاصو الدماء فى إستغلال ٍ واضح ٍ له ولمشاعره التى لا يدرى كيف يكبح جماحها عندما تهب الرياح فى وجهه ، بينما تجمّع حول سلفاكير المنجمون ورماة ( الودع ) وضاربو الرمل ومهندسو ( الكـُجُور ) وفنيو ( العُـرُوقْ والحـِجْـبات ) والذين يصلون صلاة الإستخارة عند الإجتماع به ، وأعتقد أن جون قرنق نفسه قد وجد صعوبة ً بالغة ً لفهم سلفاكير أو ما يضمره فى نفسه رغم صداقتهما ومشوارهما النضالي الذى إمتد لأكثر من عشرين عاماً فقد تعقدت الأمور بينهما فى أكثر من موضع ، وليس ذلك بسبب أن سلفاكير يمكن أن يخون قرنق أو ينقلب عليه ولكن بسبب غموضه المحير والمريب الذى يجعل ( أتخن تخين يعمل حسابو ) وأعتقد أيضاً أن الحلقة التى تلتف حول سلفاكير الآن بصفته القائد للحركة ورئيس حكومة الجنوب تجد صعوبة أيضاً فى التعاطى معه بالرغم من التأييد الواسع الذى يتمتع به داخل الحركة ، وكأن السنوات الخمس التى قضاها ( كير ) فى سجن الجيش الشعبى ما بين 87 ــ 92 م لا زالت تتداعـى أمام عينيه وتحز فى نفسه وتشعره بالغبن .

مما سبق يتضح أن ( التوليفة ) بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية ، والتى ليس لها لون ولا طعم ولا قواسم مشتركة إلا أنها تمتاز بتلك الرائحة النفاذة التى لا يخطئها أحد ( من كثرة البهارات التى أضيفت عليها حتى لا تنكشف البقية الباقية من حقائق الإختلاسات والتلاعب والفساد ) وهذه الخلطة الحادة لا تصب فى مصلحة أو مستقبل السودان أبداً وستطفح الخلافات بينهما عاجلاً أو آجلاً ، رغم التهدئة المتواصلة من جانب المؤتمر الوطنى بعدم إثارة الموضوعات العالقة والمستعصية على ( المكشوف ) لبنى السودان ، فقط لإستمرارهما كشريكين متناقضين فى حكم السودان ( وحريقه فى الباقين ) .






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز