جابر الغاب
jabrjabr22@yahoo.com
Blog Contributor since:
27 January 2010



Arab Times Blogs
هل ستبدأ الصحوة العَلمانية من دمشق والقاهرة

    الوضع العربي خصوصاً والإسلامي عموماً لا يسر إلا أعدائهم، هذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان من ذوي الألباب. فالصراعات الدينية والمذهبية التي تغط بما يشبه غفوة القردة (يعني لا فايق ولا نايم) لردحة من الزمن يستيقظ أصحابها فجأة  كما القردة بين الفينة والأخرى أو  كمن رأى كابوساً مرعباً ونهض من فراشه مذعوراً لا يعي ماذا يفعل... الأعداء والخصوم (الذين نرمي عليهم بكل شيء) ليسوا من خلقوا هذه الصراعات وإنما هم من اكتشفوها وعرفوا كيف يزكوها ويصبون الزيت عليها بحسب ما تقتضيه مصالحهم لتبقى النار مستعرة دوماً وتحرق الأخضر واليابس في بلاد العرب والمسلمين. ألم يقل وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كسنجر: في هذه المنطقة وُجدت كل الأديان ولا يمكن أن تتعامل معها إلا من خلال الدين !!  وبموازاة الخصوم والأعداء على الضفة الأخرى يأتي المتطرفون والمتزمتون والمتحجرون والمتعصبون والسلفيون ليغرقوا الأمة أكثر في عتمة الظلام والفرقة والشرذمة والانقسام والتنابذ والتناحر والاقتتال، مسخرين النعمة التي قدمها لنا العقل الغربي (وليس عقلنا) من فضائيات وإنترنت وتكنولوجيا اتصالات هي أقرب للخيال، مسخرين ذلك كله لتأليب الأمة على بعضها (بعكس الغرب) وزجها في أتون الحروب الطائفية والمذهبية وبث روح العداوة والحقد والكراهية التي نهى عنها رب الإسلام وكتاب الإسلام ونبي الإسلام، وقدموا هذا الدين على أنه دين حقد وعنصرية وكراهية وانغلاق وقتل وإرهاب عاجز عن التعامل بمحبة ووئام حتى بين أبنائه ومذاهب أبنائه، فكيف به مع الأديان الأخرى الوضعية والسماوية !!! أليس هذا واقع نعيشه بمرارة وحسرة وألم وقلق على مستقبل الأبناء والأجيال في هذه الأمة ؟؟؟

    هناك من يتمسك بكتاب الله قولاًولكنه يناقض معانيه السامية فعلاً باسم الإسلام، ويخالف رسول الله ومثله وقيمه باسم الرسالة وينعت من يقول بالشهادتين ويؤمن بنفس القرآن ويتخذ من النبي محمد (ص) رسولاً بأنه ليس بمسلم وكل طرف ينعت الطرف الآخر بما تجود به قريحته من مفردات وألفاظ لا يمكن أن توصف إلا أنها /زنى/ في الرسالة السماوية التي آمنوا بأركانها جميعهم واختلفوا على بعض الجزئيات التي لا يجوز أن تكون مصدر فتنة أو خلاف. وكل طرف يعتقد أنه هو وحده من يملك الحقيقة المطلقة ويعلم كل شيء عن تفاصيل الآخرة وعن المخططات الطبوغرافية للجنة والنار، وكأنه هو من صممها وهندسها في بعض المغاور والكهوف مرتدياً الدشداشة ومتزنراً صفاً من طلقات الكلاشنكوف أو الآر بي جي ، ثم أرسلها للرب في الأعالي فاعتمدها خشية من هذا المهندس أو المصمم البارع من أن يطلق عليه رشقة من رشاشه فيرديه قتيلاً (استغفر الله) كما يفعل بأبناء جلدته ودمه ودينه، وليس بأعدائه الذين يجثمون فوق المسجد الأقصى ويتصيدون بني قومه ودينه كما العصافير.

    التعصب والمغالاة دفعت بكلِ من هؤلاء ليعتبر نفسه هو الحق وغيره الباطل وهو العلم وغيره الجهل وهو الإيمان وغيره الكفر وطريقه طريق النجاة والخلاص وسواه طريق الضلال والهلاك!!!

    ويا ليتهم يتركون كل إلى حتفه ليحاسَب في الآخرة بل يعتبرون من مهمتهم وواجبهم وضع البشر كلهم في قالبهم ليكونوا نسخة طبق الأصل عنهم وكأن الباري عز وجل لم يقل وجعلناكم شعوباً وقبائل... أو لو شئنا لجعلناكم أمة واحدة. فهم يخالفون حتى أمر الله باسم الله ويفترون عليه وعلى قرآنه ورسوله الذي جاء رحمة للعالمين جميعاً وليس لقسم أو قوم منهم فقط... لم يدركوا أن الله سبحانه وتعالى يختلف عن الملوك والسلاطين، ويختلف عنهم هم وهو يحاسب في الآخرة كل مخلوق بشكل إفرادي وليس بشكل جماعي ولا يتحمل أي مخلوق آدمي  وزر الآخر، فلكل حسناته وسيئاته التي توضع في ميزانه ولا تفيد هناك التقارير الكيدية والافتراءات والأكاذيب والتلفيقات التي تجعل من الشريف والصادق والأمين ضحية للمنافق والكذاب والمفتري.

    هؤلاء لا يدركون أن الله سبحانه وتعالى عندما يقول وخلقناكم شعوباً وقبائل فهذه دعوة للإيمان بالتعددية بين بني البشر واعتراف كل فئة أو جماعة أو مذهب أو طائفة بما للآخرين من معتقدات ومذاهب واحترامها... وأن من حق الجميع أن يعتقد كل منهم أنه على حق، ولكن ليس من حق أحد أن يعتبر نفسه هو وحده على حق وغيره ليس كذلك فهذه قمة العنصرية والتعصب التي ليست من قيم الإسلام، وليست من قيم المسيحية، وهذا ما تتسم به اليهودية الصهيونية التي شوهت الديانة اليهودية.

    ومن هنا يأتي التأكيد على أن العَلمانية هي الحل ولا حل بغيرها لأنها تعترف بكافة مكونات المجتمع، في أي مجتمع كان،  ومهما كانت التعددية المذهبية والعرقية والطائفية فالجميع يتساوون تحت سقف الوطن ويخضعون لذات الدستور والقوانين والأنظمة في الحقوق والواجبات، دون تمييز، ولا تحكم العلاقات منطق الأقليات أو الأكثريات فهذا منطق مرفوض ومن شأنه أن يشتت أبناء أي مجتمع لأنه سينطوي على الظلم من قبل الأقوى للأضعف مما يجعله ينتفض ويثور لتأكيد ذاته وإحقاق حقوقه ورفع المظلومية وهكذا يستمر الاقتتال والتناحر.

    ومن هنا يأتي التأكيد أنه ليس من حق أحد أن يرفع شعارات دينية أو وضعية ويُصر أنها صالحة لكل الأزمنة والأمكنة، فهذا يتناقض مع منطق الحياة والتاريخ والتطور فليس هناك من فكر أو نظرية سياسية أو أيديولوجية تصلح لكل الأزمان والأحقاب وإلا لما كانت البشرية تطورت بهذا الشكل ولما كنا نشهد الغرب اليوم يصل إلى هذا المستوى الخيالي من العلم والتكنولوجيا والتعامل الحضاري فيما بينهم على مستوى مجتمعات ودول وأوطان وكل هذا بفضل النهج العَلماني الذي نراه بأم أعيننا ويكابر بعضنا ولا يعترف به مُصراً على أن الطريق الذي يسلكه هو والذي يسير بالأمة قرناً بعد آخر إلى مهاوي الجهل والتخلف عن ركب الأمم هو الطريق الصحيح.

    والعَلمانية ليست معاداة الدين كما يصورها أعدائها ممن يتلاعبون بمشاعر البسطاء والجهلة ويحرضونهم ضدها وها هو الغرب أكبر مثال على ذلك (ولن أدخل في تفاصيل هذا المصطلح لأنني سبق وكتبت عن ذلك) وإنما العَلمانية هي دعوة للمحبة والوئام والتسامح والاعتراف بكل مكونات المجتمع، بغض النظر عن اللون واللغة والعرق والدين، بنفس الحقوق ونفس الواجبات، والابتعاد عن تسييس الدين وعدم استخدام رموز الدين للتمييز أو التمايز، وأن يمارس الإنسان معتقداته وطقوسه الدينية بكل حرية في إطار احترام قوانين الدولة وأنظمتها لأن الدين قبل أي شيء هو عبادة وهذه علاقة خاصة وفردية بين الخالق والمخلوق ولذا لا يجوز لأحد أن يفرض طريقة عبادته ومعتقداته لتكون قوانين وأنظمة دولة لينضوي تحتها الجميع، فهذه مرة أخرى  قمة العنصرية والتعصب.

    هذا هو السر فيما وصل له الغرب من تطور وتقدم، وفيما انحدرنا نحن إليه من تخلف وجهل، فالعَلمانية هي ثقافة الحب ولذا لا نرى في الغرب المسيحي القنوات الفضائية التي تتبع كل منها لمذهب مسيحي (وما أكثرها) وتدعو لتكفير المذهب الآخر والاستهزاء والسخرية من معتقداته وتشحن أتباعها بكل أشكال الحقد والكراهية والتعصب إزاء الطرف الآخر، هذه لا نراها أيضاً لا عند اليهود ولا البوذيين ولا الهندوس وإنما فقط عند المسلمين فألا يجدر بنا أن نتوقف ونسأل لماذا ؟؟ أليس التعصب هو السبب ؟؟ أليس اعتقاد كل مذهب أنه هو الحقيقة المطلقة وأن أتباعه هم من سيحتكرون الجنة ويغلقون بابها بإحكام خلفهم وسواهم إلى نار جهنم هو السبب ؟؟

    ولذا أليس من العقل والمنطق والأصح  أن ننهج الطريق العَلماني القابل للتطورمع تطور الحياة والذي أثبت صحته كما نور الشمس في وضح النهار (ريثما نكتشف طريقاً آخراً أفضل وأسلم)، ويتعبد كل منا على طريقته الفردية أو الجماعية مع احترام الآخرين بالتعبد على طريقتهم الفردية أو الجماعية ونترك قوانين الدولة وأنظمتها جامعة وشاملة للجميع تتطور وتتبدل بحسب تطور الحياة لتخدم كل مكونات المجتمع ونتوقف عن المغالاة وعن المكابرة في أن هذه الفكرة أو هذه الأيديولوجية تصلح قوانين دولة في كل زمان ومكان وكأن الحياة تراوح مكانها أو كأنه لا يوجد في هذه الحياة سوى أصحاب فكرة واحدة أو أيديولوجيا واحدة أو جيلٍ واحد، وليس هناك سواهم ولهم أفكارهم وأيديولوجياتهم أيضاً، وأجيالٌ تتعاقب الواحد تلو الآخر ويتحتم عليها أن تطور أفكارها مع تطور الحياة.

    لعلَّ بداية الصحوة العلمانية  قد بدأت من دمشق والقاهرة ( رغم ما بينهما من خلاف في عدة ملفات ) في وجه تلك الردة التي شهدناها خصيصاً في العقدين الأخيرين، وإن القرارات التي تتخذها الجهات الرسمية في سورية إزاء النقاب والتعصب والتطرف والتأكيد على عَلمانية الدولة هي خطوةٌ صحيحة وهامة ومطلوبة لإستمرار السير في الطريق الصحيح والسليم نحو التقدم والتطور وباتجاه المحبة والتفاعل والانسجام بين كل مكونات المجتمع، وبهدف تحصين المجتمع من خطر التعصب والتنافر والانقسام... وإن الخطوة التي اتخذتها السلطات المصرية الرسمية بإغلاق المحطات الفضائية على نايل سات التي تبث إشعاعاتها الدينية النووية القاتلة في فضاء هذه الأمة، بدلاً من أشعة النور والضياء والمحبة والأخوة لهذه الأمة، هذه الخطوة هي خطوة جريئة وفي الاتجاه الصحيح ويجب أن تتبعها خطوات أخرى وأن تتضافر جهود  كافة الغيورين في هذه الأمة الحريصين على تقدمها وتنورها وتلاحمها وبث روح المحبة والتعاون والانصهار بين أبنائها للوقوف بقوة وحزم وإصرار على وضع حد لمن يأخذونها رهينةً لعقولهم وقلوبهم المثقلة بالحقد والكراهية والفرقة والانقسام (من أي مذهب أو طائفة كانوا) ويضعون الأمة بين مطرقتهم وسندان الأعداء والخصوم... فالوقوف بوجه هؤلاء ، حتى يجدوا لأنفسهم وظيفة شريفة يتعيشون منها ، هو واجب ديني ووطني وقومي وأخلاقي كما الوقوف في وجه أعداء الأمة لأن الطرفين هما وجهان لنفس العملة الواحدة.   







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز