نهرو عبد الصبور طنطاوي
nehro_basem@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 October 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
نعم لوفاء الإنسان لا لوفاء الكلاب
كثيرا ما يتغنى الناس بوفاء الكلب، وكيف أن الكلب وَفِيُّ ومخلص لصاحبه، ولا يعض اليد التي تمتد له بالخير، وكثيرا ما نقرأ قصصا عن مدى وفاء الكلاب وإخلاصها لأصحابها، بل أصبح معظم الناس يرون الكلب مضربا للمثل وقدوة يجب على الإنسان أن يقتدي به في وفائه وإخلاصه، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك، حيث رأوا أنه من الظلم للكلب تشبيهه بالإنسان، لأنهم قد يروا أن الإنسان أكثر خيانة وغدرا وعدم وفاء وقلة إخلاص من الحيوانات، فرأوا أن الكلب بوفائه وإخلاصه أفضل من الإنسان الخائن، بل إن البعض قد يرى في الكلب من الصفات الوفائية الإخلاصية ما لا يمكن أن يراه في بني البشر أو يتوافر لديهم، لدرجة أن بعض الناس قد رأى أن هناك تنافسا تضاديا كبيرا بين الكلاب وبين البشر في مدى وفاء الكلب ومدى خيانة وغدر الإنسان. وتقديرا للكلاب نرى في الدول الغربية وفي بعض مجتمعاتنا الراقية أن بعض أفراد هذه المجتمعات يقومون باقتناء الكلاب وتسميتها بأسماء بني الإنسان، بل منهم من يسمي كلبه بأسماء أعز الناس إليه وأقربهم إلى قلبه، ومنهم من يعتبر الكلب كالابن البار أو الصديق الوفي أو القريب الحامي أو السند في وقت الشدة أو الحبيب الذي لا يخون ولا يغدر بحبيبه. ورغم كل هذا الاعتزاز الإنساني بالكلب والانبهار بأخلاقه الوفية وإخلاصه المتفاني لصاحبه كما يرى معظم الناس هذا، إلا إن الكلب لم يسلم من تناقض الإنسان وإساءته إليه واتخاذه من الكلب مضربا للمثل في التحقير والإهانة والازدراء، فحين يريد أحد من بني البشر أن يحقر شخصا أو يزدريه أو يهينه أو يحط من قدره أو يشتمه أو يسبه بما يوجعه نراه يشبهه بالكلب إهانة منه وازدراء وتحقيرا لأخيه الإنسان، ولكن لم يذكر لنا أحد من بني الإنسان لماذا في بعض الأحيان ينقلبون على الكلب ويتخذون منه عرضة للتحقير والإهانة والازدراء في الوقت الذي يمتدحون فيه الكلب لوفائه وإخلاصه. يبدو أن هناك خللا ما يجب كشفه، هذا الخلل يبدو في أن الإنسان قد أخطأ خطئا جسيما حين انبهر بوفاء الكلب من دون وعي وجعل منه مثلا يحتذى به، وكذلك أخطأ الإنسان خطئا شنيعا حين رأى في الكلب وفاء قد لا يرقى الإنسان إلى مثله، لقد وقع الإنسان في هذا الخطأ لأنه لم يدرك مدى حقارة وانحطاط وخسة وفاء الكلب، هذا ما جعل الإنسان يقع في التناقض الصارخ في نظرته للكلب، ذلك التناقض الذي جعل الإنسان تارة يضرب المثل بالكلب في وفائه وإخلاصه، وتارة أخرى يجعل من الكلب عرضة للإهانة والازدراء والتحقير، وهنا يجب لفت الانتباه إلى أمر هام قد يغيب عن بعض أو كثير منا ألا وهو: في حين أن الإنسان دائما ما يتغنى بأسباب انبهاره بأخلاق الكلب ووفائه وإخلاصه، نراه يحجم ويصمت تماما عن ذكر أسباب احتقاره وازدرائه للكلب حين يشتم أخاه الإنسان ويهينه بتشبيهه بالكلب، ذلك لأن الإنسان لو تأمل قليلا في وفاء الكلب لاكتشف مدى وضاعة الكلب ومدى وضاعة وفائه وخسة إخلاصه، ولشعر على الفور بالوقوع في التناقض المخجل. ولحل هذه المعادلة علينا أولا أن نضع وفاء الكلب على طاولة التشريح لمعرفة ما إذا كان وفاء الكلب وفاء حقيقيا أم كان شيئا غير ذلك؟، لو دققنا النظر قليلا في وفاء الكلب لاهتزت ثقتنا كثيرا في هذا الوفاء، ولزال انبهارنا بذلك الإخلاص، بل لاكتشفنا أن وفاء الكلب وفاء وضيع خسيس مدفوع الأجر، وفاء جاء نتيجة للحصول على فتات الطعام، وفضلات الموائد، وبقايا العظام، وليس وفاء إنسانيا قيميا أخلاقيا، من دون مقابل، ومن دون أجر، أو ثمن. فالكلب لا يفي لصاحبه من دون مقابل أو عطاء، فإن أعطاه صاحبه صار وفيا مخلصا له، حين يناديه يأتيه لاهثا مسرعا، هازا لذيله، مطأطئا لرأسه، لاعقا لحذائه، متملقا، طامعا، آملا فيما سيلقيه إليه من فضلات الطعام، وبقايا العظام، لا يعنيه بعد ذلك إن كان صاحبه ظالما أو مظلوما صالحا أو طالحا طيبا أو خبيثا، وهنا تكمن وضاعة وخسة هذا الوفاء، فالكلب يوالي صاحبه ويفي ويخلص له بصورة آلية عمياء تجعله يهدد ويعتدي على كل من يحاول الاقتراب من صاحبه حتى ولو كان صاحبه باغيا أو ظالما أو لصا أو معتديا على الآخرين. إننا حين نضرب المثل في عالم الإنسان بوفاء الكلاب وإخلاصها، فإننا نطلب من عالم الإنسان أن ينحدر لعالم الكلاب، وحين نضرب المثل في عالم الإنسان بوفاء الكلاب، فإننا نطلب من الإنسان أن يفي ويخلص لصاحبه حين يلقي إليه بفتات من مال، أو منصب، أو جاه، أو يلقى إليه بوظيفة ما، أو عطاء ما، كي يغمض عينيه عما يفعله صاحبه، لقاء ذلك الفتات، أو تلك البقايا، فإذا ارتضى الإنسان لنفسه بهذا اللون من الوفاء، فقد رضي لنفسه أن يكون في وضاعة إخلاص الكلب وخسة وفائه، ويكون قد ألقى بنفسه من قامة الإنسان إلى حضيض الكلاب، وساعتها لا يكون الفتات عطاء، ولا البقايا عطاء، إنما يكون ثمنا لوفائه، ومقابلا لإخلاصه، إذن، فالترويج لهذا اللون من الوفاء يكون في عالم الكلاب، لا عالم الإنسان. وأخيرا: أيهما أجدر بالانبهار والإعجاب؟ وفاء الإنسان أم وفاء الكلاب؟.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز