نورالدين أماريب
namarib256@yahoo.com
Blog Contributor since:
01 June 2010



Arab Times Blogs
تعليم الجنس في المدارس الإسلامية , لهم أجرها و أجر من عمل بها .

     أثار أحدهم منذ أيام ردود فعل تختلف اختلافا لما دعا إلى تعليم الجنس في مدارس المملكة العربية السعودية , فمن قائل أن دعوة صاحبنا هذا هي في الواقع نداء للنشء لنبذ الحياء و رمي القيم الإسلامية جانبا , و قيل أيضا أن دعوة هذا الشيخ اجتهاد كان إليه سبّاقا و يجده في ميزان حسناته , و قيل في الموضوع غير هذا و ذاك ما قيل , و سال فيه من المداد ما سال , و لكن لا نرى اقتراح صاحبنا سيرى من النور بصيصا في القريب من الأيام , لأن مصيره لا محالة مصير دعوات سابقيه ممن رأوا خطورة الموقف , و استشعروا الضرورة الملحة لإعادة فتح صفحات الشريعة الغراء أمام أعين النشء , و لكن , لقد أسمعت لو ناديت حيا , فقد طُمس الجانب الجنسي من التربية في البلاد الإسلامية لسبب لا يعرفه إلا المتحجرون , و ذوو النوايا الملتوية و السرائر العكرة , و غاب الاستيعاب الصحيح للجنس من عقل المسلم , و إذا غاب الصحيح , فمن يقوم مقامه سوى الخاطيء ؟

      لقد تناولت الشريعة الإسلامية الجانب الجنسي في الإنسان تناولا تفصيليا محيطا بالموضوع من جميع زواياه , و كان رسول الله مثالا حيا يحتذى تصريحا و تلميحا , و ذلك إدراكا منه لخصوصية هذه النعمة التي تفوق كل نعمة حسية أخرى , فحرص عليه السلام أن لا يفوت أُمّته منها فائت , و حرص أيضا على نقض الترهات التي أقامتها خرافات اليهود و النصارى من أن المرأة عدو للرجل و هي مبعث الشر في العالم , فقال عليه السلام : " زين لي من دنياكم الطيب و النساء , و جعلت قرة عيني في الصلاة ", رفع رسول الله المتعة التي يجتنيها المرء من معاشرة المرأة إلى أعلى مراتب اللذات الدنيوية , بل و حض على التزاوج و النكاح فقال :" تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة " , بل لم يخل كتاب الله تعالى من أرشادات ربانية منيرة بينة بهذا الخصوص , إذ يقول تعالى : "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم , و قدموا لأنفسكم ", أي أنه سبحانه يجيز الإتيان إطلاقا , و لكنه يقيده بشرط الحرث أي مكان الإنجاب , ثم ينبه إلى ضرورة التقديم للنفس , أي المداعبة و ما شاببها مما يُسهم في تحقيق التقارب الروحي و العاطفي بين الزوجين لاجل تكافؤ اللذتين و تحقيق المرامين , فكيف بعد كل هذا تختفي التربية الجنسية من مناهج التعليم , و تصبح رجسا من عمل الشيطان في أذهان الناس , بل و حتى في أذهان بعض الدعاة و المرشدين ؟

    لا شيء يثير من التساؤلات كالذي يثيره الجنس في النشء , و ليس هناك من عنصر في التركيبة الشخصوية للإنسان ما يهفو إلى الأجوبة مثل الجنس , و قد سبح الخيال بأحدهم فجعله عاملا وراء كل إنجاز بشري , و سببا محركا لكل إنسان في الحياة شعُر أو لم يشعر , فلذلك ما فُرّط في الإسلام من شيء لتفسير و تبيين و جلاء الغموض الذي قد يطال هذا الموضوع الحساس , و أما اعتراض الإسلام , فقد كان على الانحرافات الخلقية التي قد تؤدي إليها الغريزة الجنسية , اعتراض الإسلام كان على الزنا و المجون و الخلاعة , أما الجماع الحلال الطيب , فقد حض عليه الشرع كل حض , بل جعله مأجورا , يصيب المرء منه من الحسنات كما يصيب العاصي من السيئات , خاض الإسلام في تفاصيل النكاح , و شرح الطرق المثلى للقيام به بشكل يعكس صفاء السريرة و صدق الطوية , و لكن ما لبثت النوايا أن شابها الكدر , و اختلط على الناس الخبيث بالطيب , ففر فريق من الإثنين , و اختار فريق من السبيلين ضالهما , فلم يعد من موجه للنشء إلا ما أملته عليهم حتميات الفطرة و إملاءات الغريزة , و الشريعة للأسف تستميل الناس فلا يميلون , سرى في أوصالهم ورم التقاليد حتى طغى على ما قاله الله و رسوله .

      من المؤسف حقا أن يرى الإنسان حياة الكثير من الأزواج ذابلة في بداياتها , فاتر حماسها , خامدة جذوتها, بل و أكثر من ذلك , قد يصبح أحد الزوجين للآخر كابوسا لا مفر منه ترتعد لرؤيته المفاصل , و يستحيل الحلم الوردي الذي طال انتظاره إلى شر البلايا , تدفع بالزوجين باتجاه الهاوية نفسيا و عاطفيا و عصبيا , و كل ذلك يكون من الهين احتواؤه بقليل من التوجيهات التعليمية , و النصائح الأبوية الجادة الهادفة , لأنه من غير الحكمة أبدا اعتبار العلاقة الجنسية الآدمية نظيرة لمثيلتها في الفصائل الحيوانية , تأتي للفرد كإلهام فطري لا مفر منه , تنزل على الشخص من حيث لا يدري , و يُترك الشباب لنفسه , و يضل رهين "شطارته " في لحظة قد تحمل من الأعباء النفسية و العصبية الشيء الكثير , إن تعليم الجنس و فتح الأعين على علاقة جنسية ممتعة يقوم فيها الطرفان بإرضاء الشريك قبل النفس ليس دعوة للزنا و الفجور و العياذ بالله , كما أن تعليم إطلاق النار ليس دعوة للقتل , و حسبنا الله في الثقافات الشعبية و التقاليد المهترئة التي عادت بالمسلمين الى جاهلية تكاد تفوق سابقتها ظلمة و اكفهرارا , إن الغموض و التحريم و التعتيم الذي علا موضوع الجنس بعد عصر النبوة و الصحابة و التابعين , لهو امتداد للنظرة الكاثوليكية للجنس , التي تراه بلوى من البلاوي و خطيئة لا تغتفر , و "كثلكة " الجنس في الإسلام لن تأتينا إلا بالويلات و الله المستعان .

    إننا بتعليم النشء مبادئ المعاشرة الزوجية السليمة , نكون قد فتحنا لهم بابا من السعادة و السرور الزوجيين لن يغلق أبدا , و لا سيما إذا انطبعت حياة المتزوجين الجدد بطابع التوافق و االتآلف في البداية , فإن ذلك يكون مقدمة و تهيئة لوفاق زوجي يعجز عن زعزعته الذي ينفق ما في الأرض جميعا , أجل توافق روحي و وئام عاطفي و انسجام جنسي كفيل بإذابة الفوارق و حل المشاكل و المعضلات بشكل يقارب المعجزة , فينصب الزوجان على العمل لدنياهم و أخراهم بعد تأمين الراحة و السكينة في بيت الزوجية الجديد , إن التقاليد البالية حينما حاربت السنة النبوية و انفتاحها على كل جوانب الحياة البشرية بما فيها الجانب الجنسي للإنسان , أقول عندما حاربت ثقافات الرجعية و الخرافة سنة رسول الله , فإنها لم تقم فقط بحرمان النشء من كنز معلوماتي هو في أمس الحاجة إليه لإنجاح حياته الزوجية , و لم تحرمهم فقط من آليات كسب قلب الشريك و الانصهار الروحي و العاطفي معه , بل إنها فتحت الباب على مصراعيه أمام القناعات و الممارسات الغربية المقيتة , و استضافت غرائزهم المريضة من حيث لا تدري , و الذي لا يعرف بديلا  حري به أن يقع في أول شباك يصادفه , فرأينا مجتمع الإسلام يُمسخ شيئا فشيئا , و ينسلخ من سنته رويدا رويدا لصالح نفايات الغرب و طوالحه , و لو دخلوا جحر ضب لدخلناه معهم .إنها ضرورة ملحة أن نفتح ما اختزنته لنا شريعتنا الغراء , و ننبذ الكثلكة و الرجعية فيما يخص الجانب الجنسي في حياة المسلم و المسلمة , و بذلك نزين حياة النشء بزينة الألفة و السكينة و ونقطع السبيل على كل مغرض يرجو تسويق أمراضه في بلاد المسلمين , و ينبغي ان يضطلع بهذا الدور الفريد مرشدون ممن خبروا النفس الإنسانية الشابة و انشغالاتها , فلا ينبغي أن يقوم بمهمة كهذه أحد ذوي التكوين  الأكاديمي , ممن يحملون الشهادات "الأكاذيبية" البراقة , و لا شيخ ممن لا يعرفون إلا سنن الوضوء و التكفير و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى , أن موضوعا مثل هذا هو منظومة حساسة يتماسك تربويها مع نفسيها مع شرعيها , و الذي اجتمعت له حبات هذا العقد الفريد , نجعله لأبنائنا و بناتنا مرشدا و موجها , علّنا نعيد لبيوتنا سكينتها و لابنائنا سعادتهم و طمانينة قلوبهم , و نطرد الطلاق و المشاحنات الزوجية من بين ظهرانينا شر طردة , فنرى من جديد المسلمة الحسناء الطاهرة تعتلي مراقي المحبة و الوئام مع الفتى المسلم المتالق بهاءً و رجولة , و هما يؤسسان بيتا يجعلانه بؤرة من بؤر الوفاق و النجاح الدنيوي و الأخروي .

    جاء في بعض كتب التاريخ أن أحد ملوك بني أمية شتم عبد الله بن الزبير , و كانت اخت عبد الله له زوجا , و لم ترد عليه بشيء , فلما سالها عن سر صمتها , قالت أن النساء لم يخلقن للدخول بين الرجال , بل هن رياحين للضم و الشم , كان هذا حال المرأة المسلمة , وردة يبدل لضمها و شمها ما غلا من المهور , و يؤتى بما طلبت رجاء الظفر بحسنها و عفتها و كمال عقلها , و لكن دار الزمان دورته , و أصبحت المسلمة شبحا يبث الرعب في النفوس بعد أن غزانا الجهل من كل منفذ , و جاءنا من كل فج عميق , فليفتح أحدنا بابه , و ليمش في الأرض و لينظر كم "وردة " تصادفه , لن يلقى منهن إلا القليل , و كذلك أريد لهذا الدين أن يكون مصيره , يبدا غريبا , ثم يعود كما كان غريبا , فطوبى للغرباء و الله المستعان .

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز